إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

“إسرائيل” وحكام العراق المحتَل يخدعون العالم

"إسرائيل" وحكام العراق المحتَل يخدعون العالم نبيل أبو جعفر
يكاد يصدّق المرء مقولة أعدائه : “العرب لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون”. لأنهم لو كانوا غير ذلك فعلاً لأدركوا جميعهم بلا استثناء كيف يلتقي الكيان الصهيوني وحكام العراق المحتل على استراتيجية واحدة وتكتيك واحد، وكيف يتّبع كل منهما نفس أسلوب الآخر في تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، دون الإكتراث بانكشاف أمرهم وافتضاح هذا الأسلوب أمام العالم.
 
لن نعود طويلاً للوراء كي نستعرض مسلسل التشابه في هذا المجال وغيره ، لكننا سنقف أمام آخر الأمثلة الطازجة لحدثٍ إجرامّي وَقَع على الأرض التي يحتلّها كل منهما، وعلى أيدي عصاباته، ثم جرى تصديره كذباً وافتئاتاً من قبل كل منهما بنفس طريقة الآخر ، وتمّ وضعه على ظهر الغير ممّن لا علاقة لهم بالموضوع الأساس!
 
 
 
قرار التصدير المعدّ سلفاً
 
 
 
إطّلعنا جميعاً على خلفيات حَمْلة حكام العراق المحتل ضد سورية، وكيف تمّ اتهامها بإيواء عناصر إرهابية قيل أنها وراء عملية تفجيرات ” الأربعاء الدامي” ببغداد، مع أن العديد من الجهات الرسمية العراقية وجّهت أصابع الإتهام إلى جهات وتنظيمات أخرى منها مراجع أمنية وعسكرية، وميليشيات طائفية وفئوية عادت مع عساكر الإحتلال. وثمّة جهات رسمية أخرى اتهمت صراحة إيران وإفرازاتها، ومنها من اتهم السلطة نفسها بافتعال هذه الجرائم للتغطية على فشل وعدها بتحقيق الأمن من خلال إلصاقها بجهات خارجية ، لكي تستغّل ذلك في تعزيز تكتلات داخلية وتصفية حسابات حزبية وانتخابية.
 
 
 
لكن المفاجىء في الموضوع أن قرار حكام بغداد بخصوص “التصدير” كان جاهزاً قبل عملية التفجير المشار إليها باتجاه تجريم طرف آخر، فتم توجيه أصابع الإتهام فوراً إلى سورية ، على اعتبار أنها هي التي تحتضن الجماعة التي نفذّت العملية الأخيرة، وسرعان ما تصاعدت الهجمة عليها وصولاً الى الإصرار على طرح الموضوع أمام مجلس الأمن والمطالبة بتشكيل محكمة دولية، تماما على غرار محكمة الحريري في لبنان، كما أعلن ذلك بلسانه وزير خارجية “المنطقة الخضراء” هوشار زيباري، وفعل الشيء نفسه رئيسه نوري المالكي، وباقي التفاصيل معروفة.
 
 
 
ورغم افتضاح هذه المسرحية ، ثم تدخّل الجارتين تركيا وإيران في وساطة لرأب الصدع ، وكذلك جامعة الدول العربية… إلا أن أتباع أميركا استمّروا في إصرارهم على تدويل القضية بعناد وصلف غريبين ، وما زال هذا المسلسل يأخذ حيّزاً من اهتمامات الرأي العام لمعرفة ما ستؤول إليه نتائج هذه الهجمة البدائية “الفبركة” والمكشوفة الأهداف.
 
 
 
..والقرار الإسرائيلي المشابه.!.
 
 
 
هذا ما عشنا تفاصيله اليومية طوال الشهر المنصرم فيما يتعلق بافتراء حكام العراق المحتل على سورية، فماذا عن “إسرائيل”، وأين الشّبه بين تصرفات كلا الطرفين المدعومَيْن بجبروت الولايات المتحدة في المنطقة؟
 
 
 
الشَّبه الإسرائيلي الذي اكتشفنا آخر فصوله الإجرامية في الأسابيع الأخيرة ، من خلال قيام الصحافي السويدي دونالد بوستروم بتفجير فضيحة إتّجار “إسرائيل” بالأعضاء البشرية العائدة للشهداء والأسرى الموجودين لديها ليس جديداً، بل يعود إلى سنين عديدة. غير أن ردّة الفعل الإسرائيلية على افتضاح مثل هذا العمل الإجرامي البشع لم يصل في الماضي إلى حدّ القيام بتصدير ما خلّفه من انعكاسات الى الخارج، ولا اهتزّت لآثاره المحتملة أركان الكيان الصهيوني رغم فظاعته. ويعود السبب في ذلك الى انه بقي في إطار محدود ولم يأخذ طريقه نحو الإنتشار الواسع وبشكل مدوٍّ على الملأ.
 
 
 
أما اليوم، فقد اختلف الوضع بالكامل بعد أن سَرَت معلومات بوستروم كالنار في الهشيم على صفحات الصحف غير المدموغة بالصبغة الصهيونية، نقلا عما نشره بوستروم في جريدة “أفتونبلايت” التي تصدر في استوكهولم، حيث أثبت فيها وقائع تؤكد قيام السلطات الإسرائيلية بسرقة أعضاء بشرية داخلية من أجساد الأسرى والشهداء الفلسطينيين، مستشهداً بما توصّل إليه من معلومات بعد متابعة على الأرض امتدت لسنوات طويلة ، بدأت عندما أبلغه أحد موظفي الأمم المتحدة في العام 1992 عن ظاهرة غريبة جداً باتت هاجسا للفلسطينيين – كما قال – وهي ان العديد من أبنائهم الذين يُفقدون إما نتيجة الإعتقال أو الأسر أو ما شابه، يجدونهم عندما يعودون بعد حين وهم في حالة غير طبيعية، وثمة علائم على إمكانية وقوعهم ضحايا لعمليات سرية عمدت الى سرق بعض الأعضاء الداخلية الأساسية في أجسادهم كالكلى.
 
 
 
وبعد أن استحوذت هذه القضية على اهتمامه المركّز، نظراً لاهتمامه أساساً بقضايا المنطقة وتخصصه بمتابعة الوضع الفلسطيني ، أخذ بوستروم يتابع تفاصيلها بدقّة وتوصل لنتيجة تقول أن من بين الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي الإسرائيليين في العام 1992 وعددهم 133، تراوحت أعمارهم بين 4 و88 عاماً، تبيّن أن هناك 69 منهم تعرّضوا لسرقة أعضاء داخلية بهدف الإتجار بها.
 
 
 
وفي استعراضه لهذه النتيجة وما تلاها من اكتشافات مذهلة على هذا الصعيد، قال بوستروم في لقاء صحافي معه أنه كان بصدد نشر ما تكشّف له من أسرار في العام 1998، لكنه لم يستطع ذلك وقتها نظراً لحراجة الظروف – كما قال -، فطلب منه صاحب دار نشر سويدية أن يؤلّف كتاباً حول الموضوع يُضمّنه كل ما لديه من معلومات… وهكذا كان، حيث صدر كتابه في العام 2001 وقد لاقى رواجاً واسعاً وبيعت كل نسخة، ثم تُرجم إلى العربية.
 
 
 
يقول بوستروم في كتابه أن قضية الشاب الفلسطيني بلال غنام الذي أُعيد لأهله جثّة هامدة من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي كانت بداية الكشف عن الحقيقة المرعبة، حيث تبين قبيل دفنه أن جثّته قد شُقّت بِمِبضَع لأخذ أعضاء من داخلها، وقد ساعد على هذا الإكتشاف كونه لم يكن مريضاً ولم يخضع لأية عملية جراحية أو ما شابه.
 
 
 
ثم تتالت المعلومات الموثّقة من قبله حول إمتهان “اسرائيل” لتجارة الأعضاء البشرية المسروقة من الأسرى والشهداء، مبيّنا أن هذه العادة ليست محلّية تقتصر على الكيان الصهيوني فحسب ، بل تمارسها أيضاً – حسبما كشفت فضيحة بروكلين – شبكة اميركية تضم عدداً من الحاخامات الإسرائيليين، تعمل على شراء الكلية البشرية – المسروقة وبيعها بأضعاف أضعاف ثمنها “!”
 
 
 
هذا الصحفي السويدي الذي لم يتردّد بنشر كل ما لديه من معلومات فضائحية حول ممارسات “اسرائيل”، أحدث ضجة كبيرة فيما كتب، وكان وما زال مؤمناً بما فعل، حيث قال رداً على سؤال حول انطباعاته وما يودّ أن يفعله الآن بعد أن تلقى عبر الهاتف تهديدات اسرائيلية صريحة بالقتل، إنه مرتاح الضمير لأنه كشف جرائم تُمارس ضد الإنسانية، وتنتهك اتفاقات ومواثيق حقوق الإنسان، وأنه وإن كان يعلم أن “اسرائيل” هي الدولة الوحيدة التي لا يُحاسب قانونها على مثل هذه العمليات الإجرامية، إلاّ أنه لن يتراجع عن المضي قدماً، وسيواصل عمله حتى النهاية لكشف المزيد من الحقائق والجرائم التي تُرتكب بحق الإنسان الفلسطيني.
 
 
 
ورطتهم وتشابههم مع حكام العراق المحتل
 
 
 
نعود إلى الشبه الصارخ في أسلوب تصدير الأزمات بين الإسرائيليين وحكام العراق المحتل، وهو ما لم يجر الإنتباه له من قبل مثقفينا وكتابنا حتى الآن، فنقول أنه مثلما حاول أتباع الأميركان ببغداد الخلاص من مآزقهم ومشاكلهم الداخلية عن طريق اتهامهم لسورية بشكل سريع واعتباطي، فإن “اسرائيل” قد لجأت هي الأخرى لنفس الأسلوب عندما وجدت نفسها محشورة في مأزق جرم كبير ليس من السهل تبريره، أو الخروج منه رغم كل الدعم الغربي المتوفّر لها، فلم تر غير الثأر من السويد بعد أن فشلت في ضغوطها على حكومتها لكي تُدين ما نشره مواطنها بوستروم في صحيفة “افتونبلايت”، فقامت باتهامها رسمياً وبشكل سريع واعتباطي أيضاً، وعلى طريقة المالكي وزيباري، بالتنسيق مع “الإرهابيين الفلسطينيين”، واجراء اتصالات مع حركة حماس، وهو ما ” يتناقض مع موقف الإتحاد الأوروبي الذي يرى في هذه الحركة الاسلامية حركة إرهابية، و يلتزم بعدم اجراء أي اتصال سياسي معها، طالما أنها لم تلتزم بشروط الرباعية الدولية فيما يتعلق بالإعتراف باسرائيل وبالإتفاقات الموقّعة معها، ثم بنبذ العنف ايضاً”!”.
 
 
 
هذا الموقف بتفاصيله طالعتنا به الصحف الاسرائيلية الصادرة يوم الاثنين 21 ايلول/ سبتمبر المنصرم، فقد جاء في صحيفة “هآرتس” بالنص أن بنيامين نتنياهو أبلغ وزير الخارجية الإسباني ميغيل موراتينوس اثناء اجتماعه به في القدس بأن “اسرائيل وصلتها معلومات تقول أن السويد شرعت بإجراء اتصالات مع حركة حماس”، ولم يفصح عن مصدر هذه المعلومات أو يُفضي بأية تفاصيل، بل أكّد – في محاولة لإثارة الأوروبيين وتحريضهم – أن تصرّف السويد يُمثّل خرقاً لموقف الأوروبيين الرافض لأي اتصال مع الحركة المتشددة إن لم تعترف بإسرائيل، وتناسى نتنياهو – بالطبع – أن العديد من البرلمانيين الأوروبيين على صلة مع الحركة، وقد التقوا مع بعض قيادييها، وهو ما لم تُنكره حماس، ولم تُعتّم عليه، بل أكّدته وأعلنت عنه.
 
 
 
لكن هذا الموضوع ليس هو الأخطر ولا هو الأهم بالنسبة للمسؤولين الصهاينة رغم أهتمامهم به ، ولا هو بيت القصيد من إثارة هذه الأزمة وتصديرها. الأهم والأساسي بالنسبة لهم التغطية على جريمتهم التي كشفها الصحافي السويدي الذي تضامنت معه سلطات بلده، ولم تستجب لضغوطات نتنياهو أو غيره ، فأصبحت تمثّل لهم حرجا كبيرا امام المجتمع
 
الدولي،خصوصا وأن فضح جرائمهم قد تم عبر جهد مهني وبأسلوب شرعي لا غبار عليه كما قال بوستروم ، فكان لا بدّ من حرف الأنظار عن هذه الجريمة، وإعادة تصدير الأزمة لمن كان سبباً في إثارتها أمام العالم، لئلا تتكّرر في بلد آخر وتكرّ السبحة إلى ما لا نهاية.
 
 
 
.. إنهم وحكام بغداد في خندق واحد
 
 
 
 
 
 
* يُنشر هذا المقال في صحيفة البيادر الصادرة في القدس المحتلة /عدد السبت المقبل 3 اكتوب
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد