إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الرحلة رقم 001

 

مسرحية تقع أحداثها في زمن مستحيل ومكان غير مناسب لممارسة الحياة

 

يُسْمع صرير الباب العملاق لمحطة القطارات وهو ينفتح، في الباب هناك كلبٌ جائع. عاووووو! عواء الكلب كان مبحوحاً وطويلاً ومرعباً. وبالقرب منه يقبع رجل لم يعرف جسده الماء منذ سنة من الزمان أو يزيد. كانت درجات الجوّ في الخارج دون الصفر. طرقت الأرض بحذائي الثقيل فتطايرت شذرات الثلج في كلّ مكان، وطالت الرجل القابع خلف الباب العملاق بحثاً عن الدفء

المتسكّع: أمّك يا ابن الشرم..

حدجته بنظرات نارية وكنت على وشك تهشيم وجهه لو أكمل الشتيمة! أغلقت الباب العملاق فطغى صوت صريره المربع على صمت المكان. جررت حقيبتي وهي من النوع الصلب ماركة “سامسونايت” ولونها أحمر غامق.

جررررر. كان هذا صوت العربة التي تدحرجت في بهو الصالة محدثة ضجيجاً لا يقوى على احتماله الكثيرون من الرجال. قبالتي كانت ساعة الحائط الكبيرة تحرّك عقاربها والتي بدت كأذرع الشياطين. تِك تَكْ … تِك تَكْ … تِكْ تَك … تِكْ تَكْ.

كانت الساعة تتحرّك بنظام متقن وصوت عقاربها يدوّي في أذنيّ وكأنّها تعلن اقتراب يوم القيامة.  توقّفت في منتصف بهو محطّة القطارات، تجمّدت في مكاني. كانت الإضاءة خفيفة للغاية. نظرت إلى اليمين فرأيت على إحدى المقاعد الطويلة امرأة وشاب يتهامسون بصوت يكاد لا يسمعونه هم أنفسهم. صوت الساعة الكبيرة المدلاة من الحائط أمامي تدقّ تِكْ تَكْ .. تِكْ تَكْ، وكانت تشير للساعة الثامنة مساءً. تركت الحقيبة في منتصف الصالة واقتربت من لائحة المعلومات السوداء. كانت الرحلة المنطلقة إلى هناك في تمام الساعة الثانية عشرة في منتصف الليل تماما!. عدت لحقيبتي الحمراء ورفعت نظري إلى الطابق العلويّ، هناك كان يقف رجل أمنٍ ذو شوارب عريضة وقبّعة ذات لون غامق، كان يضع يديه خلف ظهره وسيجارة في فمه. بدا وكأنّ قد نحت من الصخر. الضوء الباهت أضفى عليه غموضاً غريباً وكان يراقبني بعينين واسعتين وجريئتين ووقحتين. لم اعره أدنى انتباه وتحرّكت نحو إحدى المقاعد المنتشرة في البهو الكبير. بعد قليل سمعت صرير الباب الخارجي، بعد لحظات أطلق الكلب لصوته العنانا عاووووووووو. وما أن مضت لحظات حتّى هتف المتوسّل القابع في مدخل مبنى محطّة القطارات: أمّك يا ابن الشرمو.. سمعت بعد ذلك صوت ركلة من قدم استقرّت في صدر المتوسّل. صاح متأوّهاً ثمّ حلّ الصمت مجدّداً. دخل شاب يحمل على كتفه حقيبة صغيرة، اقترب من لائحة المعلومات السوداء ليتحقّق من موعد رحلته.  اقترب رجل الأمن من حافة الطابق العلويّ ومدّ رأسه لرؤية الوافد الجديد وكان في تلك الأثناء يلاحقني بنظراته المتلاحقة. كان يشبه ستالين في جموده، حتى حركاته كانت مدروسة وشحيحة للغاية. يبدو بانّ الشاب اطمأن لاقتراب موعد رحلته، جلس على أحد الأرائك المعدنية، وكانت كذلك حتى تحرم المسافرين من النوم. نظر الشاب إلى الساعة وأغمض عينيه أثناء جلوسه على المقعد. عاد رجل الأمن إلى الخلف قليلاً فغابت تقاسيم وجهه في الظلّ ثانية وعادت نظراته مصوّبة نحوي. كان عليّ أن أشتري بطاقة سفر. نظرت إلى الشبابيك العريضة وكأنّها غرف وقرأت العنوان فوق إحداها “تذاكر”. ذهبت ببطء إلى هناك ووقفت عند حافّة الشباك الصغير. كانت الموظّفة تتحدّث في تلك اللحظة بصوت خافت بالهاتف.

الموظّفة: اسمع .. أنا مشغولة حتى الساعة الثالثة صباحاً. حاول تطبخ للأولاد أي شيء .. بطاطس وقطّع طماطم وهناك بعض قطع الجبن. عزيزي أنا مناوبة الليلة كما تعلم ولا يمكنني تركي مكان عملي، أنا موجودة على شباك التذاكر لا يمكنني أن أتحرّك من هنا! سيفصلونني لو فعلتها وأنت يا مجنون عاطل عن العمل.

خيري حمدان: سيدتي! أريد أن أشتري تذكرة. كان صوتي هادئاً ونبراته تدلّ على التعب والنعاس. ولكنّها لم تسمعني نهائياً واستمرت تهمس في سماعة الهاتف.

الموظفة: لا تنتظرني يا مجنون .. نام أنا سأتأخّر. سأحاول أن أوقظك قبل أن أغفو .. أعدك بالرغم من أنني متعبة! آه يا لك من شقيّ.

خيري حمدان: أريد أن أشتري لقطار الساعة الثانية عشرة في منتصف الليل! ولكن لا حياة لمن تنادي. هذه المرأة مصرّة على إهمالي حتى النهاية واستمرت مناجاتها عبر الهاتف.

الموظفة: خذ بالك من حارتنا .. كثيرة غلبة فاهم! لا تدعها تدخل إلى البيت عينها زائغة وقد تحاول معك كما حاولت مع غيرك!

خيري حمدان (صرخت بكل ما أوتيت من قوّة): أريـــــد تذكــــرة لقطار منتصــف الليـــــــل، هل هـــــــذا واضـــــــح؟

انتبه رجل الأمن في الأعلى لهدير صوتي واقترب على عجل من طرف الحاجز عند الطابق العلوي ونظر إليّ مندهشاً. أمّا المرأة فقد جفت وسقطت سماعة الهاتف من يدها وانقلبت الملفات التي ضربتها بطرف يدها على الأرض وتناثرت. كانت غارقة في تلك المحادثة ولم تكن تتوقّع وجود مسافر ينتظر شراء تذكرة عند شبّاك مكتبها!

الموظّفة: قطار منتصف الليل؟ أنت ذاهب إلى هناك!

خيري حمدان: نعم .. قطار منتصف الليل. أنا ذاهب إلى هناك! هل لديك مانع؟

الموظّفة: ولكن .. لماذا؟ أنت ما تزال شابّاً!

خيري حمدان: هل امتلأ القطار يا سيدتي؟ أحتاج لتذكرة واحدة فقط.

موظفة: على العكس من ذلك .. هناك الكثير من الأماكن الشاغرة. غريب! أنت ما تزال في عزّ الشباب. أكره قطار منتصف الليل.

كان جميع الحضور ينظرون إليّ بدهشة، وأشعل رجل الأمن في الطابق العلويّ سيجارة وكانت دهشته قد ازدادت. كان ينظر لي ويهزّ رأسه متحسّراً. وفي تلك الأثناء سمع صرير الباب الخارجي. الكلب صاح عاووووو. ارتطمت قطعة عظم بالقرب منه. عوعوعوعوعوعو. كان الكلب في منتهى الفرح.

المتسكّع: أعطيني عظمة .. أرجوك. أنا كلب. عاو. يسمع ارتطام عظمة بالقرب من المتسكّع. ينقض عليها ويبدأ ينهش ما عليها من اللحم.

يتبع     

 

  

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد