إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الفلسطينيون في اللقاء الثلاثي .. وخفّي حَُنين

Mitchel(7) رشيد قويدرـ كاتب فلسطيني 
أن يعلن مبعوث الرئيس الامريكي ميتشل الفشل والإخفاق، لنتائج زيارته الأخيرة لفلسطين، فمعنى ذلك أن “إسرائيل” مطمئنة إلى أنه لن يترتب على موقفها شي ما، فهي تدرك أن الإدارة الأمريكية مهتمة بقضايا جوهرية بالنسبة لها داخلية وخارجية ، وبالتالي فهي مضطرة للتعامل مع القضية الفلسطينية من باب “إدارة الأزمات” وليس حلها..
ولكن أن تعلن السلطة الفلسطينية موافقتها على اللقاء الثلاثي في نيويورك، بين الرئيس الأمريكي اوباما ، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة ، فإن اللقاء يشكل خسائر صافية على الصعيد الفلسطيني، في تخفيف الضغط الدولي على “إسرائيل”، في الوقت الذي تسّرع به وتيرة الاستيطان الاستعماري في الضفة الفلسطينية والقدس، ومنذ الإعلان عن “الرغبة” الأمريكية “بتجميده لتسعة شهور”؛ يقابل ذلك سلسلة من المبادرات العربية التطبيعية، في الوقت الذي يعلن به على الدوام وزير الخارجية الصهيوني ليبرمان، عن ” السعي لمحو القضية الفلسطينية، ورفض معادلة الأرض مقابل السلام”، ويستبعد “التوصل إلى اتفاق”، داعياً للتطبيع، أي “الاستسلام” العربي دون حل القضايا القائمة.
المفارقة الكبرى هي أن البيت الأبيض ذاته قلل وبلسان روبرت غيبس؛ المتحدث باسم اوباما أنه “ليست لدى الرئيس الأمريكي توقعات كبيرة من لقاء واحد”، بذات الوقت الذي أعلن به نير حيفيتز؛ المتحدث باسم نتنياهو؛ بأن هذا الأخير “سيدافع عن التوسع الاستيطاني لأنه يعتبر المستوطنات كشركة صهيونية، والمستوطنين كأشقاء له”، وهذه المواقف كلها من أجل “التجميد المؤقت للاستيطان“.
إن جوهر المواقف الصهيونية جلّية وواضحة وعلى رؤوس الأشهاد، وعلى مسمع ومرأى العالم أجمع، تقول بأن “إسرائيل” لا تريد السلام حتى لو كان “خيارا استراتيجياً عربياً”، وأنها لن تتنازل عن أي شي، ولن تنفذ أي قرار سبق وأن اتخذته الشرعية الدولية ومنذ قيامها حتى الآن، فهي في قمة التحدي والصلف العنصري، فلماذا لقاء نيويورك المعروفة نتائجه ومضاره على الصعيد الفلسطيني؟ وكيف لها أن تتخذ هذه المواقف في تحديها للعالم؟  
إن مجرد اللقاء هو تعبير عن نجاح نتنياهو في مسيرة التحدي ـ كما اسماها ـ الرافضة لأي حل، ومعه أركان حكومته الصهيونية اليمينية المتطرفة، بإغلاقه كل المنافذ الممكنة للتسوية، وقطع كل الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى أفق جدي في المفاوضات. وفي وسط هذه التطورات كلها؛ المحيطة بالمواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وبما يواجهها من صمت عربي مريب “كاد أن يقول خذوني” ..، وكأن مايعلنه قادة العدو من مواقف ، بدءاً من رفض معادلة “الأرض مقابل السلام”، مروراً بالدعوة المجانية للتطبيع، مقرونة بعدم التخلي عن القدس الشرقية، وإزالة المستوطنات من أراضي عام 1967، ووصولاً إلى رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ، كأن هذه المواقف الصهيونية لا تعنيهم ولا تمس حقوقهم ووجودهم.
أما كيف “لإسرائيل” أن تتخذ هذه المواقف المتحدية كلها؛ بما فيها للإدارة الأمريكية؛ فالأسباب هي إدراكها أن النظام العربي قد وصل إلى القاع، وأن الوقت مناسب في ممارسة الصلف والتحدي والنيل من حقوقهم، فهم بانتظار المبادرات الأمريكية، ما دام لا خيار لديهم غيرها، أي بانتظار ما لا يأتي وفقاً للمأمول.. في ظل معادلة الارتهان العربي للمبادرات.. وفقط.
وعندما يعلن ميتشل إخفاقه؛ فالسبب هو أن “إسرائيل” تدرك عمق المشكلات الداخليـة الأمريكيـة، وأن لديهـا ـ الإدارة ـ قضايا جوهرية وفعالة في مؤثراتها بالوضع الدولي، هي غير ممكنة راهناً في الوضع العربي، وعلى سبيل المثال؛ تخليها عن قضيتها الكبرى التي عملت على مشاريعها منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وفي ولاية ريغان؛ “الدرع الصاروخية”، بحجج صارخة ما يشبه تبريرات بعض الدول في العالم الثالث. وبالتأكيد فإن فشل ميتشل لا علاقة له باللوبي اليهودي القوي في واشنطن، فأقوى اللوبيات هي مصالح واشنطن ذاتها، وبالنظر إلى “الدرع الصاروخي” وما آل إليه.
تواجه الإدارة الأمريكية الراهنة مشكلات عديدة داخلية؛ منها الخلاف الكبير في الحلول لدى نخبها للرؤية والمعالجة والمستقبل، فاللوبي في قطاع الصحة هو أقوى من اللوبي الصهيوني في موضوعة “التأمين الصحي”، كما أنها تواجه عواصف عتاة الجمهوريين حول “الدرع الصاروخي” ومعه حملة اليميـن “الديمقراطي” ذاته، فضلاً عن جوقات أخرى..
لقاء نيويورك” سيندرج في إطار” إدارة الأزمة” عبر العلاقات العامة، فالحالة العربية لا تشكل قلقاً للإدارة الأمريكية، رغم أهمية وإستراتيجية المنطقة العربية بالنظر إلى مصالحها، طالما أن المواقف العربية صوتية و”جعجعة بدون طحين”، في حين أنها تواجه مشاكل متعددة في العالم، فتضع أقلها خطراً بكامل ملفه على الرف، فهي لن تخسر شيئا من التأجيل طالما أن الرهان العربي على المبادرات الأمريكية ، وبعيداً عن أية ضغوط عربية موحدة على المصالح الأمريكية ذاتها.
الوضع الفلسطيني على الرف لأنه منقسم ومتقاتل فيما بينه؛ وبسبب الانقسام العبثي المدمر والصراع على السلطة والمال والنفوذ بين فتح وحماس والحالة العربية الموصوفة، فيتم التعاطي بما هو على سطح السياسة، وبما يبرز من قمة جبل الجليد الذي يلامسونه ويرتطمون به

إن الخلاصة فلسطينياً في لقاء نيويورك أنه ضار أولاً لاستبعاده الضغوط الدولية عن حكومة نتنياهو بمجرد انعقاده، وضار ثانيا في حصيلته لأنه فعالية وهمية لذاتها، في منطق بائس قوامه “التفاوض للتفاوض” يتيح للطرف الأقوى تحقيق أهدافه العملية على الأرض، ويخفض التوقعات في

متواليتها المعروفة.
وضار أخيراً لأن الطرف الفلسطيني سيعود بخفّي حُنين ..

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد