إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سنن العادة ..وسنن العبادةبين متعصب ومستهزئ

Sonanبقلم حسين حرفوش
إن التحاور حول أمر من الأمور من شأنه أن يؤدي إلى تلاقح للأفكار بما يثري موضوع الاختلاف متى ما كان هدف الحوار يصدر عن نية الوصول إلى الحقيقة وإبانة الحق والانتصار له ليس إلا ، فإذا ما تحول الحوار إلى خلاف ثم إلى جدال هدفه التسفيه والتحقير ، فنحن أمام طرفين أقل ما نصف به كلا منهما بأن أحدهما مستهزيء مفرط ، والآخر متعصب متشدد وهذا السر في تحول الحوار والنقاش إلى جدال يخرج إلى ما أشرنا إليه من تسفيه أو تحقير ..
 
 
 
وكلامي سببه أمران أما أحدهما ما قرأته في الصفحة الرئيسة لوطن تحت عنوان ” الأكل بثلاث أصابع ولعقها ” والثاني حديث ـ بقدر ما أدهشني أفزعني ـ أخبرني به زميل لي من أنه في رمضان الفائت دُعِيَ إلى إفطارٍ جماعي ..وإذا به يفاجأ وكذلك معظم الحضور من وجود مجموعة بينهم راحت تأكل ما يمكن أكله بالملعقة بأصابعها ثم يقوم كل منهم بلعق أصابعه تكرارا مع كل مرة يضع فيها طعاما في فمه ..بل ينظر إلى الحضور داعيا لهم باتباع سنة الرسول .. وينعي عليهم تفريطهم في اتباعهم لصحيح السنة ..ثم يتابع متعجبا زميلي الأستاذ كمال قطب ولا تتخيل كم كان اشمئزاز معظمنا ..وقرفهم مما يفعلونه .. ووقع جدال كبير حتى وصل الأمر إلى انقسامنا بين مستهزئ مُسفِّه لما ورد في الحديث .. ومتعصب لرأيه يحرص على تحقير رأي غيره .. 
 
فقلت هذا ما يؤلم حقا : وخاصة عندما نرى بعض الناس يأخذون بظاهر الحديث فيجعلون سنة العادة سنة عبادة .. وبعض الناس يجعلون سنة العبادة عادة .. وسنة العادة عبادة …. والسبب هو عدم التأني في فهم ما ورد من صحيح السنة ( الفعلية والقولية والتقريرية ).. ولابد أن يعلم الجميع أنه لا ينبغي لعاقل أن يستهزئ بغيره أثناء نقاش وحوار لأنه يخرج بالأمر إلى الانتصار للذات وليس الحق .
 
 
 
وسأحاول أن أوضح ما وسعني التوضيح هذا الأمر ( الأكل بثلاث أصابع ولعقها ) وعلى من رآني أخطأت أن يصحح لي مشكورا فلست معصوما من الخطأ ..ولست الأعلم .. بل فيمن يقرأ الآن من هو أعلى منزلة وعلما ..
 
إن الناظر في حديث كعب بن مالك ( في حديثه عن الأكل بثلاث أصابع ولعقها ) وما ورد من سنن للنبي الكريم حول آداب الطعام نجد أنفسنا أم تساؤلين   : التساؤل الأول   هل ما تم يخضع لسنن العادات المرتبطة بظروف القوم وطبيعة بيئتهم وطعامهم وآنياتهم .. ؟!
 
والتساؤل الثاني : هل ما فعله الرسول الكريم هو من سنن العبادات التي أمر بفعلها وحذر من تركها في جميع الأحوال ؟!
 
إن الذي يحكمنا ويجعلنا نتبين الأمر هو قراءتنا ما ورد من أخبار الرسول الكريم وصحابته الكرام في شأن عاداتهم حول طعامهم وشرابهم .. وكذلك أن نضع تلك الأخبار والأقوال والأفعال على معيار.. ” افعل ولا تفعل ” ..
 
فمن الأمثلة التي تساعدنا على الاستضاءة .. فلقد كان الرسول وصحابته يحرصون على الأكل باليمين والشرب باليمين .. وعلة الحرص ما روي عن الرسول عند الأكل فعن عمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت في حجر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي: (( يا غلام سم الله ، وكل بيمينك، وكل مما يليك )) … متفق عليه   .
 
” فنحن هنا أمام عادة ولكنها في نفس الوقت عبادة .. لأننا لو وضعناها على معيار ” افعل ولا تفعل ” لرأينا أن الرسول الكريم أصدر ثلاثة أوامر ( ” سمِّ الله” ” كُلْ بيمينك ” ” كُلْ مِمَّا يليك ” ) وهذه الأوامر تحدَّثَ علماء الصحة الوقائية عن عظمتها كثيرا .. ثم تحدث علماء الفقه حول الضرورات لاستخدام اليسرى .. كمساعدة اليسرى لليمنى في الأكل .. وكذلك حالات الاضطرار . . 
 
 فكيف بعد كل ذلك يُسَوِّغُ أحدهم لنفسه أن يستهزئ بأمر الرسول الكريم في أحد مشاهده التمثيلية ” معلقا على نصيحة زميل له بالأكل باليمين قائلا : ” ودي بنت كلب ” يقصد يده اليسرى .. على سبيل الاستهزاء !!
 
 أما حديث ( الأكل بثلاثة أصابع ثم لعقها ) ففي إحدى رواياته التي جاء بها والتي أميل إليها وأرجحها على غيرها .. أنه جاء في وصف حال وهيئة الرسول أثناء الرسول بلفظ خبري تقريري وصفي ..   ( فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث..)    أخرجه أبو داود
 
ومما أخرجه مسلم : عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها.)  
 
إن التأمل فيما سبق من نص رواية ولفظا يجعلنا نخرج بالآتي ..
 
أولا : أنه نص ورد ممن رأى الرسول يصف حاله وعادته وهيئتة   أثناء الأكل بلفظ خبري تقريري وصفي .. فالرسول هنا لم يأمر بافعل ولا تفعل ..
 
ثانيا : كان من عادة القوم في تلك الفترة الأكل بثلاثة أصابع لعدم توفر الملعقة بشكلها المعروف ..
 
ثالثا : أما لعق الأصابع أظنه كان في أضيق نطاق .. وكان مرة واحدة حال الانتهاء من الأكل .. ويتوقف على طبيعة الطعام وهل هو مما يعلق شيء منه في الأصابع أم لا ..   ؟!
 
 
 
ويفسر كل ذلك ما روي عن جابر في فتح الباري ( حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثني محمد بن فليح قال حدثني أبي عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سأله عن الوضوء مما مست النار فقال لا.. قد كنا زمان النبي صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ
 
فقال ( وبرجاء التأمل في قول جابر رضي الله عنه )يقول : فإذا وجدناه ” يعني الطعام الدسم المطبوخ على النار “   لم يكن لنا مناديل إلاّ أكفَّنا و سواعدنا….إلخ ) هكذا إن حالة القوم : فالمياه نادرة تكفي الشرب بالكاد .. وليس هناك مناديل لمسح ما يعلق من آثار الدسم في الأصابع .. ولا تتحدث عن الماء لندرته فهو يكفي الشرب بالكاد .. ثم على من أكل وما زال على وضوء أن يقف للصلاة .. من هنا يتضح أن لعق الأصابع كان ضرورة تستخدم في أضيق نطاق لظروف طارئة مستمرة لديهم .. فهي عادة القوم حينئذ ..لم يأمر بها الرسول ولم يحذر من تركها .. فكيف يأتي أقوام الآن ليفرضوا ما لم يفرضه الرسول ..ولم ينظروا في فعله ويتأملوه .. إنهم بما صدر منهم من تشدد في لعق الأصابع متشددون .. منفرون 
 
 
 
لذا يقول العلماء هناك سنن عادات وسنن عبادات ..فما كان متعلقا بعادة الرسول في نفسه ..ولم يأت فيها أمر ولا نهي ولا تحذير فهو سنة عادة غير ملزم التعبد بها   إلا إذا أراد أحدهم (في نفسه ونيته) التأسي بالرسول في ذلك فهو مأجور
 
وفي الختام أناشد هؤلاء وقبلهم بعض علماء الدين بالتأني في نشر مثل هذه السنن التي لم يرد فيها أمر بافعل أو نهي بلا تفعل إلا لقوم يأنسون لها فيحسنون استقبالها .. لأن قلوب الناس اليوم نتيجة ما تتعرض بسبب تعليم مصادره جعلتها في غربة عن فهم أسرار اللغة العربية .. وأغلبية من وسائل إعلامهم ..ذهبت إلى مدى واسع في تسطيح الفكر..لذا فقلوب معظم الناس في غربة تحتاج تأليفا .. ويصبح ذلك فرضا إذا كان القول يسمعه من في مجتمعات بعيدة أصلا عن التمسك بصحيح وواجب السنة ..فما بالك بالمستحب منها أو شبه المستحب .. 
 
 
(عشتم في خير .. ودمتم في سعادة )
 
حسين حرفوش
شاعر وكاتب مصري
الدوحة ـ قطر
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد