إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المصالحة الفلسطينية ولقاء منتصف الطريق

المصالحة الفلسطينية ولقاء منتصف الطريق

بقلم: زياد ابوشاويش

تجمع آراء المراقبين وتصريحات القادة الفلسطينيين على أن اجتماع القاهرة القادم للتوقيع على الورقة المصرية سيتم في موعده بإشراف مصري على أعلى المستويات ومشاركة عربية احتفالية الأمر الذي يعني أن لقاء منتصف الطريق الذي تضمنته الورقة المصرية برغم أنه لم ينه الخلافات ولم ينجز مصالحة تامة تفضي لعودة الوحدة الوطنية المنشودة قد فتح الطريق أمام نجاح الحل قبل أن يحين موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني التي تضمنت الورقة المصرية تأجيلها للنصف الثاني من العام القادم، أي بعد الاستحقاق الدستوري ومتجاوزة إياه بعدة شهور، وأن الاتفاق المذكور رغم خطورته المتمثلة في إضفاء الشرعية على الانقسام هو الحل الممكن حاليا.

السؤال الذي يتبادر للذهن على ضوء ذلك يقول: لماذا لم تنجز المصالحة بشكل كامل بعد كل جولات الحوار الفلسطينية الثنائية والشاملة برغم الظروف الصعبة التي تستدعي أن يكون الفلسطينيون موحدين في مواجهة ما يتعرضون له من حصار ومؤامرات وتهويد لأرضهم ومقدساتهم؟

لعل الإجابة عن هذا السؤال تجيب أيضاً عن السؤال الأهم في هذا السياق والمتعلق بمدى نجاعة الحل المصري المؤقت وقدرته على الصمود وتمهيد الطريق للمصالحة الكاملة التي تعني الاتفاق السياسي والتنظيمي على كل المستويات داخل منظمة التحرير الفلسطينية وفي مؤسسات السلطة الوطنية وبين كافة الفرقاء الفلسطينيين.

المشهد الفلسطيني الراهن يقدم جواباً على ذلك من خلال مراقبة طرفي الصراع الداخلي فتح وحماس، فمن جهة حماس تقوم الحركة بكل ما تستطيع من ضغوط على الطرف الآخر وعلى الوسطاء المصريين من أجل تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في الخامس والعشرين من يناير كانون ثاني القادم لاعتقادها أن هذه الانتخابات لو جرت قبل المصالحة الكاملة فإن الأرجح أن يتم تزويرها لصالح سلطة رام الله وحركة فتح  وبذلك ستكتسب أية خطوات قمعية لحماس مشروعية السلطة المنتخبة من الشعب، وبوضوح أعلى فإن الخشية التي عبر عنها أكثر من مسؤول في الحركة من إعادة إنتاج مرحلة القمع التي تعرض لها قادة وكوادر حماس والزج بهم في المعتقلات هي خشية مشروعة وتدفع باتجاه الحذر وعدم الثقة في انتخابات تجري قبل المصالحة الكاملة كما أسلفنا. هذا من جانب ومن الجانب الآخر نجحت حماس في إجبار المصريين على القبول بأسلوب الانتخابات الذي اقترحته وهو الخلط بين القائمة النسبية وبين الدوائر وأقرته الورقة المصرية أي 75% قائمة نسبية و25% للدوائر وهذا الأمر يخالف إجماع الفصائل الأخرى بمن فيها حركة الجهاد الإسلامي القريبة من حماس والفصائل الحليفة لها. كما أن إصرار حماس على إصلاح أجهزة الأمن في كل من الضفة وغزة بذات السوية وعلى نفس الأسس والقواعد الوطنية التي اتفق عليها الجميع وليس على قواعد العمل والتوجهات التي أرساها الجنرال دايتون في الضفة يستهدف إعادة الأمور إلى نصابها الذي يعني عودة حماس لممارسة نشاطها ودورها في الضفة الغربية الأمر الذي يعتقد أغلب قادة حماس أنه صعب التحقيق في ضوء واقع السلطة وارتباطها بالمشروع الأمريكي واشتراطاته للتسوية الدائمة، ولاختصار المشهد في جانبه المتعلق بحماس فإن عدم الثقة بالطرف الآخر وبعلاقاته وتعهداته يدفع الحركة للتمسك ببعض شروطها الصعبة لضمان مصالحة منصفة ولا تقصيها من المشهد الفلسطيني وعلى الأخص مشاركتها في كافة الاستحقاقات التي تضمن عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية التاريخية وفي مقدمتها حق العودة.

ومن جهة فتح فإن القلق الذي أبداه بعض قادتها من التنسيق المصري مع حماس وقبول المصريين باقتراحات حماس التي أشرنا إليها لا يعبر عن حقيقة الموقف الفتحاوي أو الرئيس محمود عباس، فالكل يعرف أن المصريين أقرب لفتح وللسلطة من حماس بكثير، لكن المصريين يعلمون حجم الضغط الذي تتعرض له السلطة من أمريكا وإسرائيل لإفشال أي اتفاق للمصالحة مع حماس قبل التزامها بشروطهما المستحيلة وأنه لا قبل للسلطة على مقاومة هذا الضغط لذلك تقدمت بالحلول الوسط في الأمرين المذكورين. وحتى لا تصبح غزة نتيجة فشل المصالحة عقدة مصرية دائمة وتشكل مصدراً للقلق وخطراً على الأمن المصري قامت القيادة المصرية بإبداء المرونة أمام طلبات حماس.

وفي المشهد من جانبه الفتحاوي الإصرار على انتخابات في موعدها وكذلك عودة السلطة لغزة دون عودة حماس للضفة والتي تشكل عند فتح خطاً أحمر عبر عنه كل قادة فتح والسلطة بمحذور ” انقلاب ” حمساوي في الضفة يشبه ما جرى في قطاع غزة، وكذلك الضغط باتجاه قبول حماس ببرنامج سياسي يلتزم بما تم توقيعه بين المنظمة والسلطة وبين العدو الصهيوني وهو ما لا يمكن لحماس القبول به….وبمعنى مختصر تمسك فتح بكل نقاط الخلاف الشائكة مع ميل لابداء المرونة في المسائل الأخرى بما في ذلك بقاء سلطة حماس على غزة حتى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية مع قناعة تبديها فتح بأن حماس غير جادة في إنجاز المصالحة والتخلي عن مكاسبها في قطاع غزة.

في ضوء ما تقدم هل يمكن الحديث حقيقة عن إمكانية نجاح كامل للمصالحة بعد احتفالية القاهرة للتوقيع على الورقة المصرية؟ الجواب نعم…ولا. نعم لأن الاتفاق سيعني استمرار الحوار بين الحركتين ويعطي الوقت اللازم لاتضاح اتجاهات التسوية الأمريكية وكذلك لتغيير بعض المعطيات المساعدة على إنهاء الخلاف في باقي النقاط…ولا لأن واقع التعايش قد يفضي لحالة دائمة يستكين لها الطرفان، ولا أيضاً لأن اتفاقاً منقوصاً كهذا ويبقي نقاطاً جوهرية بلا حل قد يؤدي لتوترات تعيد الأمور لما سبق وبشكل أسوأ.

إن صدق النية والثقة التي يمكن أن تنشأ عن حالة التعايش المؤقت ودرءاً لأخطارالانقسام ومفاعيله والحضور الكامل لباقي الفصائل داخل المشهد بشكل حقيقي والمشاركة الفاعلة في تقريب وجهات النظر واجتراح حلول معقولة لباقي نقاط الخلاف، والأهم قناعة الطرفين باستحالة الحل عن طريق انتصار أحدهما على الآخر، كل هذا يمكن أن يقود إلى اتفاق وطني ومصالحة تامة. 

[email protected]  

                               

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد