إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من يمثل عرب فلسطين في دولة الاحتلال؟

Naqolaبقلم نقولا ناصر*
كان عرب فلسطين الذين استعصوا على التهجير الصهيوني عام 1948 — مثل بقية إخوانهم سواء من بقي منهم في الوطن أم من شردتهم الغزوة الصهيونية في مخيمات اللاجئين في المنافي — يحلمون بجيوش عربية أو إسلامية جرارة تحررهم من السجن الذي وجدوا أنفسهم فيه داخل وطنهم بعد النكبة، ومثل إخوانهم بدد احتلال عام 1967 حلمهم، فعلقوا آمالهم على الحركة الوطنية الفلسطينية التي تسلمت قضيتهم نتيجة لذلك الاحتلال، لكنهم خلافا للأغلبية الساحقة من إخوانهم الفلسطينيين وأشقائهم العرب كانوا هم الأكثر ترحيبا ب”عملية السلام” وبمعاهدات الصلح واتفاقياته المنفردة التي انبثقت عنها، ثم بمبادرة السلام العربية التي اتفق العرب فيها جماعة على ما كانوا قد اختلفوا عليه فرادى، بعد الانقلاب الفلسطيني والعربي على استراتيجية “التحرير”، واستبدالها باستراتيجية الاعتراف ثم الصلح مع “الأمر الواقع” الذي تمخض عن دولة غريبة هجينة في وطنهم.
 
لكنهم في كل الأحوال ظلوا جزءا عضويا من شعبهم وأمتهم، فيجنحون معهم إلى التحرير إن جنحوا، ويسالمون إن سالموا، على أمل أن يكون ربط مصيرهم بمصير شعبهم وأمتهم مخرجا لهم من سجنهم الطويل، غير أنهم يجدون أنفسهم اليوم في مأزق تاريخي تحكم “عملية السلام” حصارهم فيه أكثر مما فعلت “حالة الحرب”، حيث لا ممثل لهم لا في مؤسسات صنع القرار الفلسطيني، ولا في أي محفل عربي أو أجنبي، وحيث الإهمال الفلسطيني والعربي لهم أقسى عليهم من تجاهل المجتمع الدولي لقضيتهم، كون ظلم ذوي القربى أشد وأقسى على النفس.
 
وهؤلاء هم أحفاد أولئك الذين رابطوا في الثغور دفاعا عن رسالة الإسلام العربية إلى الإنسان في كل مكان ضد غزوات الفرنجة الغربيين ممن عهروا إنسانية رسالة المسيح عليه السلام، عندما رفعوا صليبه راية لغزواتهم قبل قرون من الزمن، قبل أن يستبدلها من يدعون أنهم الأحفاد المفترضون لمن تآمروا على صلبه بنجمة داود في القرن العشرين راية للغزوة الصهيونية المستمرة، التي لا تختلف في دوافعها وأهدافها وأساليبها عن تلك الغزوات “الصليبية”، إلا بإضافة القوة الأميركية “الجديدة” إلى القوى الأوروبية “القديمة” الداعمة لكل الغزوات على العرب قديمها وحديثها.
 
وهم يجدون أنفسهم اليوم في مأزق تاريخي يهدد وجودهم الإنساني ذاته، بين مطرقة الاحتلال الذي يرفض منحهم المساواة كمواطنين في دولة لكل مواطنيها، ويرفض الاعتراف بهم كأقلية قومية لها حقوقها في القانون الدولي، بانتظار أن تنضج ظروف موضوعية لحل مأزقهم بالترحيل الجماعي لهم، وبين سندان استراتيجية “السلام” الفلسطينية والعربية التي لا يجدون مكانا لهم في أي “خريطة طريق” لها، استراتيجية تنفتح كل يوم ثغرات جديدة في حصانتها، لتهددهم بالترحيل الجماعي من الوطن الذي كان بقاؤهم فيه ملحمة صمود طوال ما يزيد على ستين عاما منذ النكبة عام 1948، عبر مقترحات “سلمية” خطيرة مثل التبادل الجغرافي للأراضي والتبادل الديموغرافي للسكان، مما يشجع غلاة الصهاينة في دولة الاحتلال الإسرائيلي الذين يحكمون تل الربيع (تل أبيب) اليوم ويدعون علنا إلى الاعتراف الفلسطيني والعربي والعالمي بدولتهم كدولة “قومية للشعب اليهودي” تمهيدا لخلق ظروف موضوعية تجعل فكرة ترحليهم حلا “واقعيا” ممكن التحقيق، بمبادلتهم مثلا بنصف مليون مستوطن يهودي في الضفة الغربية الفلسطينية لنهر الأردن.
 
إن وصول عرب فلسطين في دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى طريق مسدود في كفاحهم من أجل حقوق مواطنة متساوية قاد أولا إلى تنامي الدعوات في أوساطهم من أجل الاعتراف بهم كأقلية قومية، لكن وسائل النضال السلمي التي يتمسكون بها قد فشلت بعد ما يزيد على ستين عاما في حصولهم على المساواة، وليس من المتوقع أن تكون هذه الوسائل أوفر حظا في نيل الاعتراف بهم أقلية قومية. وقاد الطريق المسدود أمامهم في كلا المطلبين ثانيا إلى تنامي قوة التيارين القومي والإسلامي المعارضين للمشاركة في العملية السياسية لدولة الاحتلال، لذلك فإن الحركات الداعية إلى مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية والمشاركة في عضوية الكنيست، مثل الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح وجناحا حركة أبناء البلد بقيادة رجا اغبارية ومحمد كناعنة، قد أصبحت ذات صوت مسموع أكثر وذات وزن جماهيري يتنامى باضطراد على حساب قوى اليسار التي قادت نضالهم منذ النكبة، بينما بدأت أجهزة الأمن الإسرائيلية ثالثا تولي اهتماما أكبر لمراقبة أية مظاهر تشير إلى تخلي بعضهم عن الوسائل السلمية في نضالهم.
 
ويتفاقم هذا التوجه لعرب فلسطين في دولة الاحتلال بخيبة أملهم المتنامية من عملية السلام العربية الإسرائيلية كذلك بحيث يبدو حراكهم السياسي اليوم وكأنما يسير في افتراق إن لم يكن في تصادم مع معسكر السلام الفلسطيني والعربي، وهو المعسكر الذي وجد في ترحيبهم الأولي به رصيدا له في البداية يستقوي به لإقناع المعارضة الشعبية الفلسطينية والعربية له، لكنه يلاحظ اليوم بأن هذا الرصيد في تناقص مضطرد بوتيرة متسارعة.
 
فعلى سبيل المثال، كان الإضراب العام الناجح الذي دعت إليه وقادته ونفذته لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي تأسست عام 1982، في الأول من الشهر الجاري تعبيرا ناطقا عن الافتراق مع استراتيجية “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” في منظمة التحرير الفلسطينية. فهذا الإضراب الأول من نوعه منذ عام 2005، والذي درج عرب فلسطين في دولة الاحتلال على عدم اللجوء إليه إلا باعتباره الحد الأقصى للاحتجاج في جعبتهم، كان احتجاجا على سياسات حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر تطرفا ضدهم في تاريخ دولة الاحتلال، ودعوة جماعية لإسقاطها، وعزلها فلسطينيا وعربيا ودوليا، لكن كان هذا هو رئيس الحكومة نفسه الذي عقد الرئيس الفلسطيني محمود عباس قمة معه برعاية الرئيس الأميركي باراك أوباما في نيويورك في الثاني والعشرين من أيلول / سبتمبر الماضي، وحكومته هي الحكومة التي أعلن عباس من كوبا بعد أربعة أيام أنه يمد يديه إليها “لأن البديل هو الإرهاب والعنف”.
 
غير أن الدلالات الأقوى للافتراق تكمن في توقيت إعلان هذا الإضراب ليتزامن مع الذكرى السنوية التاسعة لاستشهاد ثلاثة عشر من عرب فلسطين في دولة الاحتلال أثناء هبة شعبية للتضامن مع انتفاضة الأقصى التي كان قد فجرها قبل يومين اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون لحرمة المسجد الأقصى، وتكمن في الهدف المعلن للإضراب كتخليد لاندلاع تلك الانتفاضة، وفي هتافات “بالروح، بالدم نفديك يا فلسطين” التي ارتفعت أثناء الإضراب والتي أصبحت محرمة باعتبارها “تحريضا” على العنف بموجب الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير وبين دولة الاحتلال.
 
لكن دلالة الافتراق الأهم تكمن في توقف قيادة المنظمة عن إحياء الذكرى السنوية لاندلاع انتفاضة الأقصى، بعد أن انقلبت عليها بذريعة معارضتها ل”عسكرتها”، وهي “العسكرة” التي قادت إلى إدانة هذه القيادة لبعض فصولها باعتبارها “إرهابا” ما زالت حتى الآن تطارد ناشطيه من المقاومين باعتبارهم “إرهابيين” يهددون “عملية السلام”، ليتحول ما نجم عن ذلك من مطاردة واعتقالات ووفيات لهم تحت التعذيب واشتباكات مع بعضهم قادت إلى سقوط الشهداء من الطرفين إلى لغم موقوت يهدد بتفجير أي أمل في نجاح الحوار الفلسطيني في التوصل إلى وحدة وطنية مأمولة تقتضيها المرحلة الحرجة الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، مهددة بتصفيتها، كما حذر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط نهاية الأسبوع الماضي، أو بشطبها من الخريطة السياسية كما هدد مؤخرا أفيغدور ليبرمان وزير خارجية دولة الاحتلال.
 
ومن المعروف أن منظمة التحرير بموجب الاتفاقيات التي وقعتها مع دولة الاحتلال قد تخلت عمليا عن حقها في تمثيل ذلك الجزء من شعبها “المواطن” في دولة الاحتلال، والتزمت بعدم التجنيد والتنظيم في صفوفه، ليتحول أي دفاع لها عنه إلى تهمة ب”التدخل في الشؤون الداخلية” لدولة الاحتلال، ولتعطي بذلك حقا قانونيا لدولة الاحتلال وحكوماتها بتمثيل هذا الجزء من شعبها في المحافل الدولية باعتبارهم من “مواطنيها”، ليجد عرب فلسطين في دولة الاحتلال أنفسهم دون أي ممثل شرعي يتبنى قضيتهم ويدافع عنها في تلك المحافل.
 
يوم الجمعة الماضي كتب المحرر في النسخة الإنكليزية لصحيفة هآرتس ديفيد بي. غرين محذرا من أن “إسرائيل قد بذلت جهدا في التصالح مع جيرانها الفلسطينيين أكثر من الجهد الذي بذلته في الاتفاق مع مواطنيها العرب المظلومين”، ومحذرا أيضا من أن “الإسرائيليين، من اليهود والعرب على حد سواء، في اليسار وفي اليمين معا، متفقون على أن مواجهة أخرى هي على الأرجح قريبة” بين “مواطني” دولة الاحتلال. وفي اليوم السابق، كان آمي نهشون رئيس “مبادرات صندوق إبراهيم” قد حذر بأن “العلاقة بين مواطني إسرائيل اليهود والعرب – الفلسطينيون تظل هي التحدي المركزي الذي يواجه إسرائيل” ووصف الاعتقاد لدى البعض بأن السلام الفلسطيني – الإسرائيلي سوف يحل هذا التحدي بأنه “في أفضل الحالات حالة تمني، وحرفا خطيرا للأنظار بعيدا عن الحاجة إلى معالجة التحديات الضاغطة” الناتجة عنه.
 
والحل لدى غرين ونهشون والقلة المتناقصة من اليهود أمثالهم هو طبعا المواطنة المتساوية التي فشلت دولتهم في تحقيقها منذ النكبة، لا بل يتضح الآن بعد أن أصبح الاعتراف الفلسطيني والعربي بهذه الدولة كدولة يهودية سياسة رسمية معلنة وشرطا مسبقا لتحقيق السلام أن دولتهم لم تفكر يوما بأن تتحول حقا إلى دولة لكل مواطنيها، ولتتضح كذلك حقيقة أن دولتهم التي لم تستطع أن تصنع السلام مع “مواطنيها” العرب طوال أكثر من ستة عقود من الزمن منذ النكبة لا يمكنها أن تكون مؤهلة أو صادقة في ادعائها الجنوح إلى السلام مع إخوانهم الفلسطينيين وأشقائهم العرب.
 
فالسلام العربي – الإسرائيلي لن يكون عادلا أو شاملا أو قابلا للاستمرار إذا كان عرب فلسطين في دولة الاحتلال هم ثمنه، وقد حان الوقت لكي يأخذ هؤلاء مكانهم على أي طاولة مفاوضات عربية – إسرائيلية، لكي يمثلوا أنفسهم بعد أن لم يعد أحد يمثلهم، لأنهم الرقم الصعب المنسي عمدا في أي معادلة للسلام، الذي إن حدثت معجزة وقدر له أن يتحقق بشروطه الظالمة الراهنة فإنه بالتأكيد سرعان ما سوف يتحطم على صخرة رفضهم له.
 
وسيكون من قبيل التمني، أو كما يقول المثل العربي “مثل حلم إبليس في الجنة”، توقع أن يفكر مفاوضو منظمة التحرير بتبني قضية عرب فلسطين في دولة الاحتلال، ناهيك عن التجرؤ على وضعها على جدول الأعمال التفاوضي، بعد أن وافقوا على “تأجيل” قضايا من وصلوا إلى قيادة منظمة التحرير باسمهم من اللاجئين الفلسطينيين على سبيل المثال، فكم بالحري قضية من تخلوا طوعا عن حق المنظمة في تمثيلهم.
 
وسيكون من قبيل التمني وحلم إبليس في الجنة كذلك أن يتوقع أحد من جامعة الدول العربية أن تدعم قضيتهم ولو رمزيا بمنحهم وضع مراقب فيها في الأقل، ليظلوا دون تمثيل في المحافل العربية والدولية، وبخاصة الغربية، حيث الأبواب كانت مشرعة أمام ممثلي أقليات قومية ذات قضايا أقل عدالة من قضيتهم، منذ استقبلت وزارة الخارجية الأميركية جلال طالباني عام 1987 ممثلا للأقلية الكردية في العراق، وانتهاء بممثلي أقليات عرقية في دارفور السودانية التي فتحت أبواب العواصم الغربية أمامها باسم الحقوق المدنية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات التي يمثل عرب فلسطين في دولة الاحتلال الإسرائيلي حالة قياسية عالميا لانتهاكها جميعا، بالرغم من وجود قيادات عريقة مخضرمة في النضال من أجل هذه الحقوق تمثلهم على الأرض وفي الكنيست وخارجه تتمتع بمصداقية يحسدها عليها قادة دول.     
 
وعندما يبدو في الظاهر أن هناك تضاربا في المصالح بين أبناء شعب واحد يرزح جميعه تحت الاحتلال الأجنبي نفسه، يكون هناك بالتأكيد خلل معيب في الاستراتيجية الوطنية التي تقود النضال الوطني لهذا الشعب، وعندما يبدو هناك افتراق بدل التكامل بين مصالح ذلك الجزء من عرب فلسطين الواقع في أسر الاحتلال منذ عام 1948 وبين مصالح الجزء الآخر الذي وقع تحت الاحتلال عام 1967، أو بين مصالح الجزء الموجود فوق تراب وطنه وبين الجزء الذي شرد من وطنه، أو بين الجزء المحاصر في قطاع غزة وبين مصالح الجزء الخاضع للاحتلال المباشر في الضفة الفلسطينية لنهر الأردن،
 
وعندما تخوض القدس معركتها لوحدها ضد التهويد والاحتلال بينما رام الله على مرمى حجر تنسق أمنيا مع الاحتلال، وعندما تشن دولة الاحتلال حربا على القطاع وتنفرد شوارع الضفة بالهدوء بينما كل الشوارع العربية والإسلامية تضج بمظاهرات التضامن الصاخبة، وعندما يخلد عرب فلسطين في دولة الاحتلال ذكرى انتفاضة الأقصى بينما أهل الانتفاضة أنفسهم يواصلون حياتهم اليومية وكأنها لم تكن، عندما يحدث كل ذلك وغيره يكون هناك بالتأكيد خليل معيب في الاستراتيجية الوطنية المتبعة لا بد من إعادة النظر فيها قبل أن يفوت الأوان ويخسر الجميع.          
 
فهل يظل هناك أي شك في أن الخلاصة العملية لاستراتيجية تجزئة القضية الفلسطينية التي تنتهجها قيادة “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” في منظمة “التفاوض” الفلسطينية هي تجزئة لشعب القضية، وتجزئة لوحدة نضاله، وتخل عن تجمعات لهذا الشعب فرقتها النكبة، وتركها لمصيرها، وتفتيت للوحدة الوطنية لعرب فلسطين كشعب، وهي أهم كثيرا من الوحدة الوطنية بين الفصائل السياسية التي استعصت على الوسطاء حتى الآن بسبب الخلاف في المقام الأول على هذه الاستراتيجية بالذات.
 
*كاتب عربي من فلسطين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد