إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كتاب جديد: الروم الكاثوليك في حيفا

roum%20catholic%20bookصدر حديثًا كتاب للمؤرخ الدكتور جوني منصور بعنوان “الروم الكاثوليك في حيفا”(تاريخ، واقع وتطلعات). ويقع الكتاب في 120 صفحة من القطع الكبير ورقه مصقول، ويحتوي على صور ملونة لكنائس الطائفة في حيفا. والكتاب مؤلف من خمسة فصول. استعرض مؤلف الكتاب في هذه الفصول الخمسة نشأة طائفة الروم الكاثوليك في النصف الأول من القرن الثامن عشر في البلاد السورية وانتشار هذه الطائفة في عدة مناطق، من بينها الجليل. واستعرض أيضًا العوامل الأساسية التي كونت هذه الطائفة كطائفة عربية في كافة مركباتها وتكويناتها، بما في ذلك تبنيها الصلوات والشعائر الدينية بالعربية بدلاً من اليونانية التي اقتصرت على بعض العبارات، بالإضافة إلى أن مؤسسي هذه الطائفة قد تعرضوا خلال القرن السابع عشر ومطلع الثامن عشر إلى مسلسل من المضايقات والملاحقات من رؤساء الكنيسة الارثوذكسية اليونان الذين كانوا متشددين تجاه مواطنيهم العرب، وتعاملوا معهم ومع قضاياهم بازدراء وجفاء. فجاءت مبادرة تأسيس طائفة الروم الكاثوليك كجزء من مسيرة الاستقلالية للكنائس الشرقية من سيطرة رجال الدين اليونان، الذين ما زالوا مسيطرين على رئاسة البطريركية الاورشليمية.
ويقدم الكتاب شرحًا مفصلاً عن رئاسة طائفة الروم الكاثوليك في الجليل وأبرز النشاطات والفعاليات التي قام بها شخصيات منها، لعبت دورًا مركزيًا في المشهد الحياتي في شمالي فلسطين.
ويتطرق في فصل خاص لتأسيس الطائفة في مدينة حيفا مع وصول الشيخ ظاهر العمر الزيداني إلى إدارة منطقة الجليل، وإقامته مدينة حيفا الجديدة في عام 1761، وانخراط عدد من أبناء هذه الطائفة في خدمته، وفي مقدمتهم ابراهيم الصباغ الذي كان بمثابة وزير كبير في مجلس إدارة الشيخ ظاهر العمر. فنشطت هذه الطائفة في بناء مؤسساتها ثم في المشاركة في بناء مدينة حيفا عمرانيًا واقتصاديًا وتربويًا وثقافيًا واجتماعيًا. وكما تطورت مرافق حيفا المختلفة عبر العقود المختلفة وازداد عدد سكانها، كذا كان نصيب طائفة الروم الكاثوليك.
وفي الكتاب معلومات وافية عن مؤسسات الطائفة في حيفا على مر العصور ومساهمتها في المجالات الاجتماعية والتربوية وغيرها. كما وأشار المؤلف إلى عدد من أسماء شخصيات لمعت في سماء حيفا خلال فترة الانتداب البريطاني التي تميزت بالصراع السياسي ـ العقائدي بين الحركتين القومية العربية والصهيونية. ولعب عدد كبير من قياديي هذه الطائفة دورًا في تشكيل وبناء وتطور الحركة القومية العربية والحركة الوطنية الفلسطينية، وكان على رأسهم، بل في مقدمتهم، المطران غريغوريوس حجّار الذي أطلق عليه لقب “مطران العرب”، وعُرف بمواقفه الوطنية والقومية تجاه الوطن ورفضه الكلي لكل طروحات ومشاريع تقسيم فلسطين، وشدد على وحدة الشعب العربي الفلسطيني بكونه شعبًا واحدًا يرفض دومًا القسمة على اثنين. ولمع أيضًا في سماء حيفا من أبناء هذه الطائفة اسم الأديب والكاتب جميل البحري الذي كان من مؤسسي الأدب المسرحي في فلسطين والعمل الصحافي وإقامة الجمعيات الأدبية، إضافة إلى مساهمة أبناء الطائفة في النشاطات الوطنية كالمظاهرات والاعتصامات والإضرابات والاحتجاجات على سياسة الانتداب البريطاني الموالية للحركة الصهيونية، وضد مشاريع الحركة الصهيونية الساعية إلى تأسيس الوطن القومي اليهودي على أراضي الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية في إقامة وطن فلسطيني على أراضي الفلسطينيين الاصليين. كما أن أعضاء في الهيئات والجمعيات السياسية والوطنية الفلسطينية كانوا من هذه الطائفة وغيرها من أبناء حيفا.
وتعرضت طائفة الروم الكاثوليك كبقية فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني إلى نكبة عام 1948، ففقدت من أبناءها عددا من الشهداء والشهيدات (للإشارة هنا أن آخر شهيدة سقطت في حيفا عام 1948 كانت جولييت نايف زكا من هذه الطائفة)، وفقدت الطائفة عددًا من مؤسساتها، والأهم من كل ذلك تهجر أكثر من 90 % من أبناء طائفة الروم الكاثوليك إلى لبنان والأردن وسوريا، ولم يبق منهم سوى ألف نسمة في حيفا. ويشير المؤلف إلى أثر النكبة السيء والسلبي على بُنية وتكوين هذه الطائفة، وانهيار مؤسساتها الخدمية.
ويؤكد مؤلف الكتاب على أن هُوية أبناء طائفة الروم الكاثوليك في حيفا وبقية مناطق الجليل هي هُوية عربية وفلسطينية، وأن مركبات حياة هذه الطائفة ذات صلة وطيدة بكل ما له علاقة بالفلسطينيين في الداخل. ويعتبرون أنفسهم مركبًا حيويًا من الشعب الفلسطيني، ويرفضون تعريفهم بغير ذلك. وبناء عليه فإن حضور طائفة الروم الكاثوليك ليس شكليًا بالمطلق، أو إضافة إنما هو فعل خدمة وشهادة قوية لمواجهة كافة أشكال الاضطهاد والمضايقات والملاحقات والتصدي لسياسات حكومات اسرائيل المتعاقبة التي تخطط وتنفذ اقتلاع الفلسطينيين وإحلال غرباء عن فلسطين مكانهم.
يأتي صدور الكتاب ليُثبّت هوية ووجود وحضور أبناء هذه الطائفة بعد سلسلة من محاولات تهميش دور ومكانة المسيحيين العرب من خلال سياسات التفتيت التي تتبعها حكومات اسرائيل المتعاقبة، والتي تميل إلى التعامل مع الفلسطينيين من منطلقات انتماءات طائفية صرفة. ويُبيّن المؤلف مَدى فشل هذه السياسات من خلال مشاركات أبناء هذه الطائفة على مر العقود الستة الأخيرة في كافة نشاطات وفعاليات الحركة الوطنية والسياسية الفلسطينية في الداخل، واعتبارهم أن القضية الفلسطيني هي قضيتهم وقضية كل الفلسطينيين وليست قضية جزء أو فئة دون غيرها.
لهذا، ومن هذه المنطلقات والثوابت سار منهج الكتاب في توضيح الصورة الواقعية والحقيقية بخصوص هذه الطائفة، وهذا الأمر ينسحب على بقية الطوائف والشرائح التي تُشكل الهوية الفلسطينية والعربية التي بوركت بتعدديتها المتحدة في فلسطينيتها وعروبتها.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد