إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ومَا احْتَفَلَتْ يومًا بفرعَـوْنِها .. ولكنها ابتلعته..!!

Harfoosh(6)بقلم : حسين حرفوش
– غاليتي .. رسالتك عن سر ما تجدينه من غرابة من البعض .. وسوء تصرف .. وتساؤلك المر المؤلم هل نحن هكذا ؟! هل وصل الأمر بنا إلى هذا المنحنى الخطير الذي فيه يختلط الحابل بالنابل.. فلا تكاد تفرق بين غث وسمين ..ومفيد وضار و صالح و طالح ..هل يصل الأمر إلى أن تكون الأغلبية هكذا .. إلا من عصم الله وهم قلة   ..تساؤلك آلمني واستفزني لإدراك السر وراء ذلك ..؟! لذلك يا غاليتي لي تفسيري الخاص .. ربما يعارضه الكثيرون ..ويختلف معي فيه الكثيرون ..بل ربما يتهمني بعضهم بالجهل والغباء بسبب قصوري في الإدراك   أو في تفسيري للظاهرة ..لا يهم فيكفي القلة التي أعلم أنها تتفق معي .. بل يكفيني ثقتك بي إذ طلبت مني تفسيرا ..
 
لقد تكلم الكثيرون عن سمات وخصائص الشخصية في علوم النفس المختلفة .. وكتب الكثيرون وأفاضوا عن صفات الشخصية المصرية .. بما يدعو للفخر والارتياح ..ولكنني عندما قارنت بين ما كُتب وبين الواقع .. وجدته كان حقيقةً في زمان مضى وأناس كانوا .. ربما يوجد بقايا من نسلهم تحمل تلك الصفات ولكنها من القلة ما يجعلها لا تشكل أغلبية يُؤْبَهُ لها ..بسبب غلبة ركام من ملامح عجيبة وغريبة ..ظننا أنها ماتت ولكنها للأسف ما زال لها وجود في جينات أشخاص منذ فرعون .. ربما لم تظهر في الماضي .. نظرا لغلبة ما جاءت به المسيحية ثم ما جاء به الإسلام على أرض مصر فكثرت الأنماط السوية النبيلة ..وعاشت   (الشخصية المسلمة والشخصية المسيحية ) 
 
حتى في أحلك الظروف وهي تحقق ما ورثته عن الدين من حب وتسامح وتواضع وتكافل وتراحم ومودة وفداء وتضحية .. وظلت الجينات الفرعونية في هؤلاء البعض   متوارية خجلة من الظهور نظرا لغلبة وكثرة تلك الأنماط السوية ..إلى أن واتتها ظروف لم تكن في الحسبان .. جعلت هؤلاء الذين يحملون تلك الجينات الفرعونية .. يظهرون ويطلون برؤوسهم .. فإذا بهم قـــادة ..وســادة ..!! استطاعوا أن يفرضوا قوانين توارثوها من جدهم .. تتلخص في السيطرة على المقدرات ولو بالفهلوة والاستعانة بالسحرة واللصوص .. 
 
وتصاهروا وتزاوجوا فتكاثروا وتوارثوا فيما بينهم ملك مصر ..وشيئا فشيئا ..توارى تحت ضغط قهرهم وتسلطهم أتباع الخير ومريدوه ..
 
 وظهرت الفرعونية الجديدة .. وأول ملامح تلك الفرعونية هي النظرة الفوقية التي تتضخم فيها الأنا لدرجة أن لا يرى الإنسان صاحب السلطة إلا نفسه ..بل يرى فرضا على الجميع أن يكونوا مجرد تبع له ..فإن حزن فالفرض على الجميع أن يسعدوه ..وإن تعكر مزاجه فالفرض على الجميع أن يصبحوا سحرة وبهلوانات حتى يدخلوا عليه شيئا من السرور ..إذن لقد عادت الجينة الفرعونية إلى الظهور …
 
 
 
 إن ملامح الشخصية المصرية في العصر الحديث تأثرت كثيرا بما ساد من قيم ساهم في إيجادها قوم كان نصيبهم من ضحالة الفكر وقصر الرؤية والبعد عن الدين ( الإسلامي والمسيحي ) الكثير .. فأصبحت جميع المفاهيم معكوسة   .. فالكبر والتكبر قوة .. والتواضع ضعف وخنوع و الاعتراف بالخطأ دليل على عدم الجدارة وعدم قدرة على حمل المسؤولية .. والطهارة والبراءة مثالية زائفة تضر الواقع ولا تعالجه .. والفهلوة والوصول إلى الهدف بأخبث الوسائل وأحقرها يُعَدُ ذكاءً.. كل ذلك جاء من هؤلاء الذين سيطرورا على هذه البيئة   .. دون ميراث حقيقي من الأخلاق السامية النبيلة .. فضرب الفساد وشاع في كل شيء .. وعادت للشخصية المصرية فرعونيتها ..( إلا من عصم الله ) واختفت الملامح الجميلة التي اكتسبتها لفترة من الزمن من الأديان السماوية التي مرت بها .. حتى وصل أن نرى اليوم لسان الحال كل صاحب سلطة يردد نفس قول فرعون ( أليس لي ملك مصر ).. ولسان الحال في معظم الأحيان أبلغ من لسان المقال .. بل و يردد نفس المقولة (هل لكم من إله غيري ).. إذن فالتصنيف النفسي الذي أوجدوه وروج لهم إعلامهم وفق المفهوم الفرعوني أن الناس   (سادة وخدم )..أو   وفق المفهوم السائد لحزب الأغلبية المزعومة   ( أنا المخ .. وأنت العضلات ) فأنا المفكر الأوحد ..والسياسي الأوحد ..والاقتصادي الأوحد ..والفنان الأوحد .. والشاعر الأوحد .. وغيري ماهم إلا ( كالحمار لابد أن يحمل أثقالا من هموم وغموم ولايملك إلا العضلات يستعين بها في تحقيق رغبات سيده..ويكفيه العلف والعليق .. ونترك له على مضض   ليرفه عن نفسه .. حق النهيق!! ” آسف فتشبيهي فج مؤلم ” ..ولكن عندما أسمع شابا تعدى الخامسة والثلاثين يحمل شهادة جامعية محترمة ..يقول في برنامج تلفزيوني مشهور وعلى الهواء ( أفضل أن أتعامل معاملة الكلاب خارج بلدي ..عن بقائي فيها … !! ) ندرك حجم المأساة .. وعمق الهوة ..وسوء العاقبة التي أوصلونا إليها هؤلاء .. وندرك بشاعة واقع نحن فيه .. إن ما قيل ليعبر أصدق تعبير عن استهانة ” الفَوْقِيين ” بمن تحتهم حتى سرت في أوصال المجتمع سمومهم    .. فتطورت ثقافة الاحتكار .. إلى ثقافة الاحتقار.. وتطورت ثقافة الحسد ..إلى ثقافة الحقد .. وتطورت ثقافة التلصص إلى ثقافة التربص والتجسس ..حتى وصلت إلى أن   ( ..يتدخل الشيوخ في الحرية الشخصية.. لأفراد المجتمع .. بمنصبهم وصولجانهم الذي كفوه عن الفساد والمفسدين وسلطوه على رقاب الفقراء الطيبين ..وساروا على منوال من قالوا (( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون )) إنهم يحملون نفس الفكر ونفس الطريقة في التنفيذ .. مهما بَرَّرَ السَّحَرَةُ والسَّدَنَةُ ما يفعله سادتُهُم .. فإن ما يفعلونه ويقومون به ..هو تسلط فرعوني ذميم ..
 
 
 
..غاليتي ..أثقلت عليك .. وكدرت خاطرك .. لكن في يوم ما في زمان مضى وقع فرعون ومن خلفه من الأتباع في سوء ما فعلوه .. فإن كان لهم قوانينهم وميزانهم وفلسفتهم على الأرض .. وكان حلمهم أن يفرضوها حتى على السماء عندما قال (( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ..)) ..فلقد نسوا أن قوانين السماء غير قوانين الأرض .. ونسوا (( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله )) فكان الدرس السماوي العجيب .. كما ارتفعتم على ظهر الأرض أنتم وأتباعكم   .. فستهبطون بأنفسكم إلى باطنها وترون بعيونكم من احتقرتموهم وأذللتموهم .. وقد راحت الأرض تحنو عليهم وتحملهم على ظهرها.. و ساعتها تَتَمَنَّوْنَ أن تكونوا معهم   .. ولكن (( ولات حين مناص ..))
 
 
 
ولتذكري جيدا يا غاليتي .. أنَّ هذه الأرض ما احتفلَت ..ولا اهتمت ..ولا زَهَتْ ولا افتخرت يوما بفرعـونها .. ولكنها ابتلعته ..!! واحتفل برُّها وبحْرُها بيتيمٍ أرضعتْهُ أمه محبةً وتواضعاً وسماحةً ونُبْلاً ..
 
 
 
غَالِيَتِي .. ما عليك .. فالسبيل الوحيد هو الإخلاص للأرض ومن عليها .. فعليك بالتواضع فإنه يورث على تلك الأرض عزة .. وعليك بالمودة والتسامح فإنه يورث على تلك الأرض المحبة ..
 
وتذكري حكمة السنبلة .. فكلما امتلأت السنبلة خيرا انحنت إلى الأرض ..تعرفين لماذا ؟! لأنها منها نبتت ..وإليها تعود.. وهكذا كلما ازداد الانسان علما ونبلا وخيرا وطهرا ..تواضع .. فهو بمن حوله يعلو .. ولمن حوله يكون .. وإليهم و إلى أرضه يجب أن ينتمي ..
 
 
 
غاليتي عليك أن تتذكري أن الأرض والسماء بأمر ربها احتفلتا بوصية لقمان لابنه 
 
((يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بَُني َّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ* وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير))
 
 
 
غاليتي وعليك أن تتذكري أن الأرض والسماء بأمر ربها نكَّلَتا بفرعون وهامان وقارون وأتباعهم في كل زمان ومكان   و يقول الحق جل في علاه مبينا جحود هؤلاء وأمثالهم وكبرهم وضلالهم إذ تركوا تعاليمه وهو المنعم المتفضل عليهم واتبعوا أهواءهم وأهواء من سبقهم في الضلال ..   (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ *وَإِ ذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ )) ….. إلى أن يذكر نهايتهم المحتومة .. فيقول :
 
 (( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ)) وتكون النتيجة .. أنهم إذا ماسقطوا فهم في جب النسيان يذكرهم من يذكرهم بكل سوء .. و في عين السماء والأرض إذا ما ماتوا نَكِرَات .. فلا يستحقون دمعة حزنٍ أو عَبْرَةَ فراق   .. كما حكى الله عن فرعون وقومه :
 
(( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا مُنظرين ))
 
 
 
 
 
(عشتم في خير .. ودمتم في سعادة )
 
حسين حرفوش
شاعر وكاتب مصري
الدوحة ـ قطر
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد