إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الخطيئة الفلسطينية المميتة

Naser(17)بقلم نقولا ناصر*
 
انصب غضب الإجماع الوطني الفلسطيني من “تأجيل” الاقتراع على تقرير لجنة غولدستون حول العدوان الذي شنته دولة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة الشتاء الماضي في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على رئاسة منظمة التحرير — وهي مجرد “الأداة” الفلسطينية التي استخدمتها واشنطن — لإذعانها لما تفضل الإدارة الأميركية تسميته ب”الدبلوماسية المكثفة” الأميركية، بدل وصفه باسمه الصحيح ك”ضغط وتهديد” أميركي سافر، وغابت عن هذا الغضب اليد الأميركية التي كانت وما زالت تحرك أدواتها الفلسطينية كأحجار الشطرنج، بينما كانت الجولة الخامسة هذا العام التي بدأها المبعوث الرئاسي الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، جورج ميتشل، في المنطقة يوم الخميس الماضي مناسبة ملائمة ليتسع التعبير عن الغضب الفلسطيني فيشمل الأداة واليد التي تحركها معا.
 
ولا يستطيع إلا مكابر إنكار أن الولايات المتحدة قد نجحت، بعد تصفية القائد الراحل ياسر عرفات، في “تغيير النظام” في منظمة التحرير الفلسطينية لصالحها ضمن سلسلة محاولاتها الحثيثة، حربا وغزوا أو “سلما”، لتغيير الأنظمة السياسية في عهد إدارتي جورج بوش الابن السابقتين، بدءا من أفغانستان ومرورا بالعراق وانتهاء بهندوراس. ومثلما هو الحال في الدول الثلاث الأخيرة، فإن الرئاسة الفلسطينية الحالية مرتهنة بحكم الأمر الواقع ارتهانا كاملا لراعيها الأميركي ولا خيار ولا قدرة لها في عدم الانصياع لإرادته، بغض النظر عما تعلنه للاستهلاك المحلي، كما أثبت إجبارها على الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية لسلطة الحكم الذاتي أوائل عام 2006، وجرجرتها إلى مؤتمر أنابوليس أواخر عام 2007 التالي، وقمة نيويورك الثلاثية الشهر الماضي مع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم تراجعها الأخير في مجلس حقوق الإنسان بجنيف عن مشروع كانت هي المبادرة إليه حول تقرير لجنة غولدستون، كما تقول الآن في معرض احتوائها للغضبة الشعبية والسياسية العارمة على تراجعها، بعد توريطها أربع تجمعات إقليمية دولية شقيقة أو صديقة قبل إحراجها جميعا بالتراجع المفاجئ عنه انصياعا للضغط الأميركي، ثم إحراجها مجددا بالتراجع عن تراجعها.       
 
وتكاد المسؤولية الأميركية الحاسمة عن “التأجيل” تفلت من دفع ثمن فلسطيني وعربي لها نتيجة تركيز عاصفة الاحتجاج الفلسطينية على المسؤول الفلسطيني عن هذا التأجيل، لكن مسؤولية “الدبلوماسية المكثفة” الأميركية عن إجهاض الاقتراح الليبي بعقد جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي نهاية الأسبوع الماضي لمناقشة تقرير لجنة غولدستون عادت لتذكر بالدور الذي لعبته دبلوماسية واشنطن خلف الكواليس في مجلس حقوق الإنسان بجنيف من أجل “التأجيل”.
 
ومباشرة بعد إعلان لجنة غولدستون عن الانتهاء من كتابة تقريرها وقبل تقديم هذا التقرير إلى مجلس حقوق الإنسان، استنفر نتنياهو كل ترسانته الدبلوماسية وجماعات الضغط اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة بخاصة لتجنيد إدارة أوباما في جبهة ثنائية ضد التقرير، لإدراكه بأن مصير التقرير سوف يعتمد “إلى حد كبير على موقف الولايات المتحدة”، كما قال، واستخدم في نفيره ذريعتين، الأولى أن السماح للتقرير بأن يتحول إلى قرار دولي سوف “يوجه ضربة مميتة إلى عملية السلام”، والثانية أن تحول التقرير إلى قرار دولي ينطوي على “خطر كامن” كونه يمثل “سابقة” تهدد سجل الولايات المتحدة الحربي ضد المدنيين في العراق وأفغانستان لأنه “يجعل دفاع البلدان الديموقراطية عن نفسها ضد الإرهاب غير شرعي بصفة أساسية”، كما قال نائب وزير خارجية دولة الاحتلال داني أيالون للمندوبة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس، مما يقتضي “التأكد من أن التقرير لا يعرض للخطر الولايات المتحدة”، كما قال الناطق بلسان سفارة دولة الاحتلال في واشنطن جوناثان بيليد، في ابتزاز واضح لواشنطن بكشف سجلها ضد المدنيين العراقيين والأفغان وغيرهم. وفي أواخر الشهر الماضي نقلت وسائل الإعلام أن الجانبين اتفقا على أن التقرير “لن يصل إلى أي منتديات دولية ملزمة” (“هآرتس” والأسبوعية اليهودية الأميركية “فورورد”، مثلا).
 
وتركت دولة الاحتلال ل”الدبلوماسية المكثفة” الأميركية هذه المهمة كوكيل لها، وأوضحت واشنطن بكل الوسائل أنها لن تسمح للتقرير بالانتقال من مجلس حقوق الإنسان إلى مجلس الأمن الدولي وبأن ذلك إن حصل فإنها سوف تستخدم حقها في النقض “الفيتو”، وأبلغ البيت الأبيض الأميركي قادة المنظمات اليهودية الأميركية بأن التقرير سيلقى “نهايته الطبيعية” في مجلس حقوق الإنسان ولن يتجاوزه، وأوضح أنه أبلغ “السلطة الفلسطينية عن عدم رضاه” عن طلبها إيصال “المزاعم الواردة في التقرير إلى المحكمة الجنائية الدولية” (جويش تلغرافيك آجينسي “جيه تي إيه” في 23 الشهر الماضي).
 
وقالت سوزان رايس إن التقرير “غير متوازن وأحادي الجانب وغير مقبول أساسا”،وقالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون للصحفيين إن واشنطن”يساورها قلق خطير من توصيات التقرير” وأصرت على أن “المؤسسات داخل إسرائيل هي المكان المناسب للتعامل مع توصيات التقرير”، وأن مجلس حقوق الإنسان هو المكان المناسب لذلك “على الصعيد الدولي”. وبادرت كلينتون عشية الاقتراع على التقرير في جنيف إلى مهاتفة محمود عباس لتنقل إليه آراءها، لتكتب أميرة هس في هآرتس بأن عباس “استسلم للضغط الأميركي بعد زيارة له من القنصل الأميركي في اليوم نفسه (الأول من الشهر الحالي)” لتؤكد إسثر بريمر، مساعدة كلينتون، في اليوم التالي “التدخل الأميركي” قائلة “إننا بحثنا مع .. القيادة الفلسطينية كيفية مقاربة تقرير غولدستون”، بينما أكد مسؤول أميركي رفيع للأسوشيتدبرس أن القرار الفلسطيني ب”التأجيل” جاء بعد “دبلوماسية مكثفة” من واشنطن “لإقناع” هذه القيادة بان عدم تراجعها سوف “يلحق الضرر بعملية السلام. وقد أدرك الفلسطينيون أن هذا ليس هو الوقت الأفضل للمضي قدما” بطلبهم!
 
إن الخطيئة المميتة في مسلسل الأخطاء والخطايا التي ترتكبها قيادة منظمة التحرير بحق القضية الفلسطينية تكمن أصلا في السماح بنجاح “تغيير النظام” الفلسطيني لصالح الولايات المتحدة، وفي استمرار ارتهان هذه القيادة ل”حسن نوايا” الإدارات الأميركية المتعاقبة بعد سنوات لم يثبت خلالها إلا أن هذا القيادة إنما تشتري الوهم الذي تبيعه لها. ومرة أخرى، يثبت الموقف الأميركي من لجنة غولدستون وتقريرها — الذي اعتبر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عملا من أعمال “الدفاع عن النفس” — أن الوقت قد حان لوقف الرهان الفلسطيني على الولايات المتحدة.
 
في الشهر الماضي، نشرت نتائج استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه مؤخرا معهد السلام الدولي الذي يرأسه منسق الأمم المتحدة الخاص السابق للشرق الأوسط، تيري رود لارسون، أظهر أن سدس الفلسطينيين فقط ينظرون بإيجابية للولايات المتحدة، وأن حوالي 70% منهم لا يؤيدون أوباما، وأن أقل من أربعين في المائة منهم فقط يعتقدون بأنه سوف ينجح في إحراز تقدم في “عملية السلام”. ونترك للقارئ أن يتوقع نتائج أي استطلاع مماثل يجريه لارسون ومعهده بعد “ثلاثية نيويورك” ومعركة تقرير غولدستون المستمرة. ويتساءل المراقب عن مصير “احتواء العداء لأميركا” الذي حوله باراك أوباما إلى هدف رئيسي لإدارته من أجل تحسين صورة بلاده في الخارج، وبخاصة في الشرق الوسط، حيث تزداد هذه الصورة سوادا بدل تبييضها بعد أكثر من تسعة أشهر من وصوله إلى البيت الأبيض.
 
*كاتب عربي من فلسطين
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد