إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

يا ليتهم ما عادوا!

Fayez(1)د. فايز أبو شمالة
أولئك القادة الذين اختصروا حق العودة إلى فلسطين بعودتهم هم، وزوجاتهم، وأنسابهم، وسائقيهم، وتخلوا مقابل عودة الآلاف منهم عن حق عودة ملايين اللاجئين، يا ليتهم ما عادوا، ولا عادت بهم الإبل التي سارت من ثقب إبرة الأمن الإسرائيلي، فصارت مركبات مرخصة باللغة العبرية، وصارت بنادق يحشو رصاصها ويوقع عليها الجيش الإسرائيلي، وصارت هوية متمايزة عن هوية السكان الأصليين الذين ظلوا مقاومين للغاصبين حتى جاءهم القادة العائدون بوظائف الذل، وترقيات المهانة. يا ليتهم ما عادوا؛ هذا ما يقوله معظم الناس في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولاسيما بعد فضيحة تقرير “غولدستون”.
ويقول الناس: رغم قسوة الاحتلال فقد كانت الخدمات متوفرة لنا في غزة والضفة الغربية كأحسن ما يكون، وكان مستوى حياة الناس يوازي مستوى حياة الإسرائيلي في تل أبيب، وكانت المساعدات الدولية، والخيرات تتدفق على السكان، وكان العمل في إسرائيل متاحاً لأكثر من مئة وخمسين ألف عامل يوفرون لوازم الحياة لنصف المجتمع، وكان الاستيطان مرعوباً من المقاومة، ولا يقاس بما هو عليه اليوم، وكان الاحتكاك اليومي المباشر بالجندي الإسرائيلي يبعث الأمل بحق العودة إلى فلسطين، ويحرك ضمائر العالم بأن إسرائيل تحتل شعباً يفتش عن حريته، وكم كانت إسرائيل في حرج من المجتمع الدولي!.
ولكن بعض الناس يقول: ما هذا الجحود بحق الوطن، كيف تنتقدون عودة أي فلسطيني مهجر إلى دياره، حتى ولو تفنن في التنسيق مع إسرائيل، وصار وفياً لمبادئ “دايتون”؟ لتجيب الأغلبية الصامتة: أن عودة القادة لم تكن عودة المنتصرين الفاتحين، ولا هي عودة المتسللين رغم أنف الغاصبين، لقد كانت من البداية عودة الموقعين على ضياع ثلاثة أرباع فلسطين، ليبدأ التفاوض على الربع الأخير، بعد أن خذلوا، وتخلوا عن مصير الملايين من اللاجئين، وتركوا مصيرهم للمجهول؟
نحن مع عودة أي فلسطيني إلى بيته، وإلى وطنه، على أن لا تكون العودة انتقائية، وعلى المزاج، ووفق الهوى، ليموت غريباً عن وطنه من استمسك بالثوابت، ويظل مهجراً حتى يومنا هذا، بينما عاد من ورد اسمه في كشف القيادة، وتمت تزكيته ليمر بعنقه عن سكين الدولة العبرية، عاد أولئك الذين توكأت عليهم القيادة في هرولتها، فكانت عودة مدفوعة الأجر. حتى أن بعض الأسماء القيادية المعروفة قد عادت لتأخذ رقم الهوية العبري، وتحمل جواز السفر المختوم بالموافقة الإسرائيلية، وتغادر البلاد مع راتب شهري، بعد أن ضيعوا الفرصة على أولئك الذين يتضورون شوقاً للعودة، تأكل لحمهم الغربة، ولا يحق لأيهم أن يرى أمه، وأبيه، ولا زوجته، وذويه، ولا يحق لجثمانه أن يتوارى تحت ثرى فلسطين.
عادوا، ويا ليتهم ما عادوا، يا ليتهم ظلوا يرفرفون بالحلم، ويبيعوننا الوهم؛ بأنهم قيادة من الصفوة، لا يشغلهم ولدٌ، ولا زوجةٌ، ولا وزارةٌ عن ذكر فلسطين، يا ليتهم ما عادوا وظلوا يوهموننا بأنهم لن يتساقطوا عند أول حبة شعيرٍ تلقى لهم على مائدة المستوطنين.
عادوا ليعاودوا التوقيع، والتنسيق، والتفاوض، وتشجيع التطبيع، عادوا ليحملوا بطاقة “vip” يمرون فيها عن الحواجز الإسرائيلية، ويجتازون لأجلها العوائق الوطنية التي حالت بين الاحتلال وبين تحقيق أهدافه عشرات السنين، فإذا بقادة العائدين في زمن قصير يهرسون عظم العطاء، ويلوثون معاني الوفاء، ويبعثرون الانتماء، ويذبحون الصمود، والفداء، ويسخّفون المقاومة، ويدفنون تقرير “غولدستون” في عفنهم، حتى سار الغضب جيشاً من الساخطين، وصارت القيادة الفلسطينية أمام الناس حفنه من الساخرين الخاسرين الخاسئين.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد