إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تأجيل تقرير جولدستون وتأجيل المصالحة وجهان لعملة واحدة

تأجيل تقرير جولدستون وتأجيل المصالحة وجهان لعملة واحدة

بقلم: زياد ابوشاويش

يحتاج المرء للكثير من الهدوء والتروي لمعالجة قضيتين شديدتي الأهمية وصاخبتين إلى أقصى الحدود وتختلف فيهما الآراء من منطلقات مختلفة ومن زوايا رؤية متعددة وربما محرجة.

الأخ خالد مشعل تحدث في المسألتين قبل أسبوعين أو ما يزيد قليلاً في خطابه بقلعة صلاح الدين الأيوبي على هامش المسيرة الشعبية التي نظمت لدعم القدس والمسجد الأقصى في ذكرى تحريرها من الغزاة الصليبيين. في هذا الخطاب أجرى رئيس المكتب السياسي مقاربة هامة وواقعية للموضوعين فاصلاً بطريقة سليمة بين موقف سلطة رام الله الخاطيء تجاه طلب تأجيل التصويت على التقرير ووقف بحثه وبين عملية المصالحة الحيوية للغاية لاستمرار المشروع الوطني الفلسطيني على سكته الصحيحة، وقد شهر الأخ خالد مشعل سيف التحدي للكيان الصهيوني، وفي وجه الذين ارتكبوا خطيئة طلب التأجيل بالقول أننا رغم كل ما جرى ذاهبون للمصالحة وللقاء القاهرة مع نهاية شهر تشرين أول (أكتوبر)، وأن الألم والغضب الذي نشعر به جراء تلك الجريمة لن يحول بيننا وبين إنجاز المصالحة التي سعينا إليها وقدمنا من أجلها الكثير من التنازلات على حد تعبيره.

لقد استبشر كل المهتمين بالشأن الفلسطيني والحريصين على وحدة الحركة الوطنية والشعب الفلسطيني خيراً بهذا الخطاب وانتظر الجميع إتمام اللقاء لكل الفصائل لتوقيع الورقة المصرية، وفجأة انقلب الحال وأعلنت حماس ومعها حلفاؤها بدمشق تأجيل الموعد إلى أجل غير مسمى ولم تكتف الفصائل بالمؤتمر الصحفي الذي عقدته قبل يومين للإعلان عن هذا الموقف بل أكمل الصورة المحبطة خطاب الأخ خالد مشعل الأخير أمس الأول في دمشق القديمة وأعلن فيه عن قطيعة كاملة مع السلطة في رام الله بسبب قصة التأجيل مرفقاً ذلك بعبارات قاسية تجاهها ومتهماً إياها كما قيل في المؤتمر الصحفي بالخيانة وبعدم أهليتها لقيادة الشعب الفلسطيني أو تمثيله وأنها لم تعد شرعية منذ كانون ثاني(يناير) مطلع هذا العام، وأنه لا لقاء مع من ينسق مع العدو ويحاوره…إلى آخر ما هناك من عبارات توحي بأن ليل الانقسام سيطول كثيراً. في المقابل أبدى الرئيس الفلسطيني ومعه حركة فتح وكل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إستعدادهم للتوقيع على الورقة المصرية لإنجاز المصالحة والتزامهم بالموعد المحدد وفي نفس الوقت قام العديد من قيادات فتح وكادراتها المعروفة بتخطئة طلب التأجيل لتقرير جولدستون وإدانة المتسبب فيه حتى لو كان الرئيس الفلسطيني شخصياً، ولتأكيد هذا الموقف وافق الرئيس على تشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤولية والأسباب التي أدت لهذا الموقف الخاطيء والذي أدى إلى خسارة كبرى للقضية الفلسطينية وأساء لسمعتنا كشعب وقدم خدمة لا يستهان بها للعدو الصهيوني وأركان قيادته ناهيكم عن سمعته ومكانته التي ستصبح في مهب الريح لو تم إدانته في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

لم يكتف السيد عباس بهذا بل أوعز لممثلي منظمة التحرير وكل المعنيين بالعودة مرة أخرى لطرح الموضوع على لجنة الأمم المتحدة لإعادة النقاش بالتقرير ومشدداً على أهمية الاستمرار في ملاحقة الأمر في استجابة واضحة لضغط الشارع وللرأي العام داخل حركة فتح التي أعلنت لجنتها المركزية عدم مسؤولية الحركة عن طلب التأجيل، وأدانت ذلك في بيان علني. إن ذلك يعني اعترافاً صريحاً من الرئيس وأركان سلطته وفصيله بأنهم أخطأوا وأنهم يحاولون إصلاح الأمر. صحيح أن ذلك أتى نتيجة هبة عارمة ضدهم من الشعب الفلسطيني وكل الفصائل الوطنية في إطار منظمة التحرير وممن هم خارجها، وكذلك الغضب العارم الذي اجتاح الوطن العربي من هذا الموقف، وتنصل الدول العربية والإسلامية من تبعات هذا الموقف إلا أن ذلك لا يقلل من قيمة الرجوع عن الخطأ الذي مثله الاعتراف به والعودة عن طلب التأجيل.

في ظل ما تقدم والموقف الجديد لحركة حماس وحلفائها من مسألة المصالحة كان طبيعياً أن نشهد تكتلاً فتحاوياً وسلطوياً أقله على المستوى القيادي وراء رئيسهم للرد على هجوم حماس الشديد، خصوصاً بعد أن نجحت حماس في إلغاء الموعد المقرر لتوقيع الورقة المصرية ووضعت كل قصة المصالحة على كف عفريت.

العودة للأسس والمعايير الوطنية مهم هنا لفهم العنوان الذي وضعناه لمقالنا، هذه الأسس التي تبدأ وتنتهي بمعيار لا يمكن ليس فقط الانتصار على العدو بدونه، بل وحتى الاستمرار في المشروع الوطني لاستعادة الحقوق، هذا المعيار والأساس هو الوحدة الوطنية التي تشكل عصب الحياة لمرحلة التحرر الوطني التي نعيشها، والتي لم يتمكن أي شعب من الاستقلال والتخلص من الاستعمار بدونها. الوحدة الوطنية التي تجمع أغلبية القوى والشعب تحت سقف واحد وداخل إطار واحد وعلى برنامج القواسم المشتركة.

إن حركة فتح تمثل نسبة كبيرة من الشعب الفلسطيني وهي ليست قوة هامشية في المجتمع الفلسطيني حتى يتم تجاوزها، وشئنا أم أبينا فإن فتح لها قيادة ورئيس، نحبه أو لا نحبه، نحترمه أو لا نحترمه لكنه يمثل الحركة كلها وليس فقط المنحرفين والعملاء، وغني عن القول أن الأغلبية الساحقة في حركة فتح هم وطنيون مخلصون وشرفاء وأن حركة فتح قادت المشروع الوطني ولا تزال وأن المصالحة إن تمت اليوم أو بعد عشرة أعوام فلن تتم إلا معها، وأن الوقت الراهن هو الأنسب لعقد مصالحة معها إذا كان المعيار هو الحفاظ على المصلحة الوطنية العامة.

تأجيل تقرير غولد ستون الذي أدناه بأكثر العبارات وضوحاً ووصفناه بالخطيئة المميتة والذي طالبنا بمحاسبة المسؤولين عنه أياً يكونوا أو تكون مواقعهم ليس في الحقيقة أخطر أو أكثر سوءاً من تأجيل المصالحة الفلسطينية وإعادة الوحدة الوطنية في ظل ما أشرنا له من اعتراف السلطة بالخطأ والتراجع عنه لأن تأجيل التقرير ربما حرمنا من إضافة رصيد مهم لعدالة قضيتنا وكشف عدونا، لكن تأجيل المصالحة يأكل من هذا الرصيد ويتسبب في استمرار الخراب في الساحة الفلسطينية بما في ذلك استمرار معاناة الشعب الفلسطيني وعدم وصول أي عون يساعد على محو آثار العدوان على غزة، ولذلك كان على الأخوة في حماس والجهاد وغيرهما التروي والتفكير العميق قبل اتخاذ موقف مقاطعة لقاء القاهرة تحت عنوان التأجيل الذي أضاف هماً جديداً على ما نعانيه من هموم تسبب بها ولا يزال قادة الشعب الفلسطيني من كلا الطرفين المتخاصمين، وقد حان الوقت ليعرف كل طرف أين تقع مسؤوليته في هذه المعاناة ليبادر بالتصحيح، لأن التأجيلين بكل صراحة ووضوح هما وجها عملة الإضرار بمصالح الشعب الفلسطيني والعبث بقضيته الوطنية والاستخفاف به وبرأيه المنادي بأهمية الوحدة الوطنية كمناداته بوقف المفاوضات والتنازلات مع العدو الصهيوني وأكثر.

[email protected]

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد