إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الهروب من الحكومة..!

Osama(1)أسامة عبد الرحيم
تزاحمت الأحداث بشكل دراماتيكي في الأسابيع الماضية، وتعذر على مسكين مثلي أن يقف عند هذا أو يعلق على ذاك، وأصبح حالي حال التائه تحت دش تندفع من فتحاته الضيقة زخات من الأخبار الساخنة التي لا رابط بينها سوى أنها تسر العدو وتغم الصديق.
 
ما استوقفني حقيقة الأمر هو “خيابة” النظام عبر إعلامه الأعور في توظيف أحداث بعينها لإثارة الغبار والتشويش على أحداث المسجد الأقصى، الأكثر سخونة وأهمية – في تقديري – من الآخرين، في محاولة غبية لإعادة تمثيل مشاهد فيلم ” الهروب” للراحل عاطف الطيب .
 
ولو طابقنا نيجاتيف فيلم “الهروب” مع حادثتي فندق “سميراميس” ومدرسة أحمد الليبي الأزهرية، لأذهلنا تفوق “عاطف الطيب” على الحكومة في توجيه إرادة المشاهدين.
 
“الهروب” كشف تواطؤ الإعلام الذي يشارك في تضليل الرأي العام وخداع الناس، وذلك للتمويه على الاستجوابات المقدمة إلى مجلس الشعب ضد الحكومة التي سهل أحد قيادتها هروب “المرأة الحديدية”، بعد استيلائها على ملايين الجنيهات من عرق الغلابة المصريين.
 
لم يفشل “عاطف الطيب” في دمج إرادة المشاهد مثلما فشلت الحكومة، بل إنه في مشهد محوري يتسلل بنا خلسة إلى مطبخ السلطة، ونشاهد المسئول الأمني الكبير يقتنع بوجهة نظر الضابط القادم من أمريكا مؤخراً، وخلاصتها أن الإعلام يمكن توظيفه ليطفو بحدث تافه فوق السطح؛ ويسحب حدث آخر أكثر أهمية إلى قاع الوعي الجمعي للجماهير.
 
أما في مشهد فندق “سميراميس” فقد فشلت الحكومة في تعويم خبر ضبط فنان “عجوز” من جيل “الوكسة” في أوضاع شاذة، مع أن الحدث توافرت له كافة عوامل التعويم الناجح نحو السطح، حيث أعطيت حملة “التضخيم” الضوء في الصحف، بالإضافة إلى البرامج الحوارية على الفضائيات.
 
ولأن أحداث المسجد الأقصى هي الأخطر فقد حافظت على طفوها بقوتها الذاتية، وسقطت أحداث فندق سميراميس إلى القاع من جديد؛ لأن المُشاهد مل أن يلعب دور “العبيط المغفل” في سيناريو إعلامي حاز على أعلى درجات الفشل، بذات الجدارة التي حاز بها سيناريو “الهروب” على أعلى درجات النجاح.
 
يتصدر “عاطف الطيب” المشهد بقوة ما يجعلنا نشفق على خيل الحكومة الإعلامي، حيث يعرف كيف يسرق وعي الجماهير في “الهروب”، وينجح في توريطه بالاهتمام بهروب “منتصر” من قاعة المحكمة، وصرفه عن هروب “المرأة الحديدية” إلى خارج مصر.
 
لم يقف “عاطف” عند السخرية من صدمة المُشاهد الذي هاله حجم التزييف في مطبخ السلطة، التي مارست إرهاباً فكرياً تعاقب عليه في حالة تطبيق القانون، بل تخطى ذلك وهو يجعلنا نرى عملياً سرقة وعينا وتحويلنا عن مآسينا الحقيقية، عن طريق تعويم أحداث بعينها إعلامياً، وهو بذلك قد فك طلاسم حيرتنا تجاه سياسة الإعلام الذي يمارس التزييف حتى آخر نفس.
 
أتاح “عاطف الطيب” فرصة استرداد شيء من وعي الجماهير المسروق، ليفلت الخيط من بين يدي الحكومة خاصة أن هناك جانباً غامضاً في موضوع فندق “سميراميس”، يعبر عنه السؤال التالي: هل كان الثلاثي المقبوض عليه في غرفة الفندق مرصوداً من السلطات مسبقاً، أم أن الحظ وحده قاد عاملة الفندق إلى ساحة الإبداع الفني ..؟!
 
في المشهد الأخير تحاول الحكومة انتزاع الخيط ثانية من المُشاهد، وذلك بحشو مشهد دخيل على السيناريو المحترق، وفيه يصل “طنطاوي” – شيخ الأزهر- على رأس قوة إلى مدرسة أحمد الليبي الأزهرية للبنات، ويصدر أوامره بإطلاق النيران على “النقاب”، في مشهد آخر – وليس الأخير- من مذابح الفضيلة .
 
وبشكل درامي يتسارع الجميع – علماني وقومي وحكومي وإسلامي- إلى لعن الموظف الجليل، وشجب الهجوم على النقاب ومصادرة الحريات، مع أنه – أي طنطاوي- الذي أفتي بأنه يجوز لفرنسا إلزام المسلمات بخلع الحجاب، أو بترك شيء أوجبه الله عز وجل عليهم.
 
صدمة الجماهير لا تقل عن صدمة وزير الداخلية الفرنسي، عندما جاء إلي القاهرة حالماً بأن يفتي شيخ الأزهر بخلاف هذه الفتوى، لأن الوزير – غير مسلم- يعارض اتجاه حكومته في حظر الحجاب؛ وذلك سعياً للفوز بأصوات 6 ملايين مسلم في انتخابات الرئاسة ضد الرئيس الحالي ساركوزي.
 
جاء وزير الداخلية الفرنسي إلى الأزهر، وهو مطمئن أن شيخه سيقول :”لا يحل خلع الحجاب”، إلا أنه فوجئ بفتوى الموظف – الجليل- و رجع بخفي حنين وألف علامة استفهام، ضارباً كفاً بكف.
 
لماذا سمح المُشاهد للإعلام الحكومي أن يسرق وعيه ونسى فتوى “طنطاوي” الشهيرة حينما ذهب إلى موريتانيا، وأفتى هناك للمسلم بجواز أن يرتد لأجل لقمة العيش ، كانت الفتوى كالتالي:”مسلم يريد أن يأكل عيشه ضيقوا عليه في بلد ما ولا يجد رغيف الخبز عرضوا عليه النصرانية، عرضوا عليه اليهودية، هل يجوز أن يرتد وأن يترك دينه للقمة العيش، قال : نعم ..!
 
لماذا سمح المُشاهد للإعلام الحكومي أن يسرق وعيه ونسى صالة الزواج في مشيخة الأزهر، التي صارت عرض أزياء مبتذلة لا تمت إلى الدين أو الحشمة بصلة، يدخلها نساء يلبسن فوق الركبة وأحياناً فوق “السُرة”، وتُلتقط الصور التذكارية مع الموظف الجليل الذي يعقد القران بجانب العروس، التي كشفت عن شعرها وعضدها ويديها وصدرها ، وقد وقف الموظف الجليل إلى جانبها مبتسماً.
 
العجيب أن القانون في صف شيخ الأزهر و ينص على أنه لا يعزل ولا يخرج من منصبه إلا بالموت، أو الخرف ، فلماذا لا يتق الله ويرجع عن هذه المواقف الشاذة، حيث إن من وهبه الله علماً حتى صار اعلم من “اللي خلفونا”، ينبغي أن يتق الله و يراعى حق العلم و حق الله في قول الحق، فاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
 
ورغم ما مر من أحداث إلا أن طفو جراح المسجد الأقصى الأخيرة فوق ما دونها من أحداث تم توظيفها، يستحق التأمل جيداً ويعطينا مزيد أمل في الاحتفاظ بخيط الوعي في أيدينا، وإحباط المحاولات الحكومية المتكررة لسرقته ثانية؛ وذلك عبر صرفنا عن المهم في حياة الأمة إلى الحدث التافه وعديم القيمة.
 
 
 
أسامة عبد الرحيم
صحفي مصري
Osama Abdul-Rahim
Egyptian Journalist
0020105276035
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد