إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من العتبة إلى مضمرات النص

من العتبة إلى مضمرات النص
( مقاربة سيميائية  لقصيدة “تحت زيتونة تشتهي أن  تعيش”* للشاعر الفلسطيني: إبراهيم نصر الله)
 
عبدالجواد خفاجى
 
أولاً القصيدة :
 

تحت زيتونة تشتهي أنتعيش

رغبات :
إلى آخرِ الأرضِ خُذْني
يهمسُ غصنٌ لرفِّطيورٍ غريب
خُذيني، يقولُ السَّحاب لريحٍ، فلا شيءَ في هذهالصَّحَراء
خُذيني، يقولُ الجنونُ لأغنيةٍ عابرة
خُذيني، فلا شيءَ في مدنِالصمتِ إلا الحقيقة والعقلاء
خُذوني إلى الضوءِ، يهتف نايٌ لشعبٍ من الغجرِالعابرين
خُذيني إلى الشرقِ، يهتفُ حلْمٌ لقُبَّرةٍ لا تحبُّ الضّباب
خُذينيإلى ما تبقَّى هنالكَ من أبيضٍ،
للنّوارسِ يهتفُ هذا الغراب
إلى شِعْر طاغورَخُذنيَ، تهمسُ عصفورةٌ، فجأةً، للصباح
.. إلى المتنبي تقولُ الخيولُ التي عَلِقَتْفي سهولِ الجراح
خُذيني إلى السَّفح، يهمسُ بابٌ لنافذة
منذ عامين تؤلمنيالعتباتْ!
خُذيني إلى زرقة ليس فيها انحناءٌ، يقولُ لقافلةٍ تعبرُ الدَّربَمنهكةً في الظلامِ، النّخيل
أعدْني لبيتيَ، يهمسُ للموتِ، طفلٌقتيل

ذاهب للقائك

انتظرني إذن في
سوفأوافيكَ بعد قليل
خرجتُ صباحاً لألقاكَ فيك
ولكنني لم أعُد بعد
اجلِسْ هناواستعِرْ دفتري ودواتيَ واكتبْ قصيدتكَ الآن
عن حُلُمٍ ذاهبٍ للقائك
واقرأْكتابي الأخير
اقتبسْ منه ما لم أقلْهُ لغيرك
واغفُ قليلاً إذا شئتَ حتىأعود
قبلَ خمسِ دقائقَ مرَّ الجنود
قبل خمسِ دقائقَ كانوا هنا
يعبثونَبقلبي وهم يسألون
ويستجوبونَ الهواءَ لكي يستبيحوا جمالَك
انتظرني هنافيَّ،
سوف أوافيكَ بعد قليل
أنا ذاهبٌ كي أموتَ مكانَك

سَلام!

سأُلقي السَّلامَ على كلِّ شيء لأنيَفيهِ:
الحمَامُ على حافةِ السّور يَهْدِلُ والقطُّ إذ يترقَّبه
وعلى الزَّهرِيصعدُ من بين فكّيِّ مجزرة
مثلما يصعدُ الوردُ في أيِّ حقل
على طائرِ الشمسِينقرُ حبَّ النّدى هادئا
وعلى النَّحلِ يشربُ كأسَ الرحيق
سأُلقي السلام علىكلِّ شيء لأنيَ فيه
الرصيفُ المحاصرُ ما بين جيشينِ يقتتلان
على ما تبقَّىهنا من صغارٍ يفرّونَ من مقعدِ الدَّرس
كي يؤنسوا – خلسةً – صمتَ هذاالطريق
سألقي السلامَ على كلِّ شيء لأنيَ فيه
المسافةُ ما بين أغنيتين
وقدأقفرتْ من قلوبٍ تُعمِّرها بالحنين
وتطفئُ فيها امتداداً صقيعاً بعشقٍحريق
سألقي السلامَ على كل شيء لأنيَ فيه
السماء التي علَّقتْني هناكالصَّليبِ ثُريّا
على الأرضِ لا شيءَ فيها تبقَّى
سوى نخلةٍ في فراغٍعميقْ!
سألقي السلامَ على كلّ شيء لأنيَ فيه
صغاري الذينَ يطيرونَ حوليَ مثلَالفَرَاش
ولم يعرفوا الفرقَ ما بين ضوءِ القناديل، بعدُ،
ونارِالحريق
سألقى السّلام على كلِّ شيء لأني فيه
على النَّثرِوالشِّعر
يقتتلانِ إذا ما غفوت
ويقتتلانِ إذا ما صحوت
وقلبيالرهينة
هذا يقولُ: أريدُ القصيدةَ فِدْيةَ قلبك
ذاكَ يقولُ: الرواية
لميعرفا بعدُ أني بغير فؤاديَ لا أستطيعُ الكتابة
خُذْنا إذنْ فِدْيةً،سيقولانِ، واكتُب
كما شئتَ، ما شئتَ،
هذا زمانٌ يضيق
سألقي السلام علىكلِّ شيء لأني فيه
على امرأةٍ تترقَّبني منذ عُمْر
وأخرى حلُمتُ بها دونجدوى
وفرَّتْ من الحُلْم تعدو بعيداً بجيْدٍ طويلٍ وخصْرٍ رقيق
سألقي السّلامعلى كلِّ شيء لأنيَ فيه
الطفولةُ، تلكَ الأسيرةُ في دفتري ههنا
منذ خمسينَعاما
وتلكَ الكهولةُ إذ تترقّبني بسلامٍ هناكَ بلا قلق
في نهاياتِ ذاكالمضيق
سألقي السلام على كلِّ شيء لأنيَ فيه
على قاتلي المطمئنِّالأنيق
وعينِ الصديق التي تترقَّبُ زهرَ خيانتهِ يتفتَّحُ
ما إن تسيل هنا فيالممرِّ دماءُ الصديقْ!!!
سألقي السلامَ على كلِّ شيء لأنيَ فيه
سألقي السلامعليكم علينا
على نصفِ يومي الذي لم أعشْهُ
على نصفِ أمسي الذي فرَّ من راحتيْكاليمامةِ مُبتعِدا
سألقي السلام على نصفِ أرض
على ثُلث منفى
ورُبْعغناء
وخُمْس بكاء
وسُدْس حياة
وسُبْعِ رَدى
على ثُمْنِ حرب
وتُسْعِسَلام
وعُشْرِ مدى!!!!

تأملات

يتأمّلُغيمٌ بلاداً على حافَّةِ الهذيان
تتأمّلُ عاشقةٌ نافذة
لم تجدْ أفْقَها منذعامينِ في عَتَمَاتِ المكان
يتأمّلُ طفلٌ أباه الذي لم يزلْ واقفاً تحت شجرةِتوت
ومنذ سنينٍ يراه يموت
كأنَّ الزّمانَ هنا واقفٌ شبحاً فيالزمان
يتأمّلُ حقلٌ ذبولَ خطى النهرِ فجرا
ويُنشِدُ مرثيةَ الروحِ، صمتاً،بلا شفةٍ أو لِسان
يتأمّل زرْعٌ هبوبَ الخماسين
في أعينِ الناسِوالحيوان
تتأمّلُ هذي الدُّمى طفلة
فوق ذاكَ الرصيفِ تُشير بجبهتِهانحوَها
واليدانِ مقطَّعتان
يتأمّلُ جسمٌ بقاياه في السجن
كيفَتلاشى
ولم يبقَ من كلِّ أوصافِهِ غيرُ شكْلِ الرّمادِ وطعمِ الدُّخان
يتأمّلوجهٌ ملامحهُ في المرايا
ويبكي: المرايا كما الناس ذاكرةٌ من ضباب
ويسألهاهاذيا
أين ريحي وقامتُها
أينَ ذاكَ الحصان؟!
تتأمّل أغنيةٌ خطْوَها فيارتعاشةِ حنجرةٍ يَبِسَت وكَمان
يتأمّل بحرٌ ضحاياه
لمّا يزلْ بهم شغفٌلاقتيادِ العواصفِ من شَعرها
بالأغاني الحزينةِ والخيزرانْ!
تتأمّلُ حربٌحقولاً من الموتِ لا تنتهي
ونساءً بلونِ السَّواد
يَسِرْنَ على خطِّ دمعٍرفيعٍ ويذبلْنَ قبل الأوان
تتأمّلُ عصفورةٌ كلَّ هذا
ولكنّها لا تكفُّ عنالطيرانْ!

مفارقات

هنا أُفقٌ عالقٌبسحَابة
طريقٌ هنا عالقٌ بخطى هِرَّة
ومحيطٌ بصنّارة
رجلٌ محترم
عالقبإشارة
وفلسفةٌ ببقايا بِشارَةْ!
ونسْرٌ بأرنبة
وثلاثونَ طيراً محلقةٌبجناحِ ذبابةْ!
هنا جبلٌ عالقٌ بحجر
يتدحرجُ في الليل للمنحَدَر
وهنا ضحكٌعالقٌ بالكآبة والتواريخُ غابةْ!!

قناعات

كلُّ شيء كما ينبغي أن يكونْ!!
النهارُ هناطيب
والحرارةُ ضمنَ معدَّلها السَّنوي
الهواءُ نظيف
وليستْ هنالكَ أيّرطوبةْ!
الشوارعُ لا بأسَ، أوسعُ من خطوِنا
والرصيفُ عريضٌ ويكفي صديقينِ أوعاشقين
وسيدةٌ خلْفَها ولدَانِ وتسْعُ بنات
ولما تزلْ في أعاليالخُصوبةْ!!
الطيورُ التي لم نكنْ في القديمِ نراها هنا
فوقَ أسطحنا وحوافِّنوافذنا تتقافزُ باحثةً عن رقائقَ كانت تُسمّى البطاطا
على بُعْدِ شبرينِ منّاتحدِّق في وجهنا
وتُغنِّي لنا
لم تعُدْ خائفة!!
الحروبُ التي اندلعتْ فيثيابِ أبينا
وقامةِ جدَّتنا
ومضتْ للبعيدِ مُحمَّلةً ببقايا ابتساماتِأطفالنا
تتردّدُ مثل الصّدى في الليالي
وفي الفجر تصمت
لا نتذكَّر مَنعادَ منها
ولا نتذكَّر مَن ماتَ فيها
هنا ارتفعتْ نُصباً وتماثيلَ،أوسِمة
وأناشيدَ تصعدُ ريانةً
تتنقَّلُ من شَفَةٍ لِشَفَةْ!
الرِّجالُالذين رَمَوْنا إلى الموت
يبتسمونَ لنا كل يومٍ على شاشةِ التلفزيونِ فيالصُّحفِ،
الطُّرقِ، الشُّرفات
ولا يحلمونَ بأجسادنا وهي تُطحَنُ فيليلهم
قد قَبِلْنا بما تركوهُ لنا من جراحٍ لنزهو بها
أو نعيشَ مصادفةً،كالظِّلالِ، على الأرصفةْ!
البلادُ التي أخذتْ حصةَ الرُّوحِ من أجملِالعمر
عرسَ اليتيمِ ولقمةَ خبز الفقير
وتلْويحةَ الأمهاتِ لأبنائهنَّ علىطرقاتِ النَّفير
وكلَّ المقابرِ كلَّ الأكاليل
عادتْ لنا من جديد
وأغفتْعلى سورنا شجراً يابساً وظلالاً رمادية
وزنازينَ طيبةً مُرْهَفَةْ!
والكلابُالتي كانَ وقْعُ خُطاها
كوابيسَ في لحمنا
ههنا تتجوّلُ عند المساءِ بلاعُقَد
وكأنَّ الذي بيننا الآنَ أكثرَ من مَعْرِفَةْ !!
كلُّ شيء كما ينبغي أنيكون!!
ولكنْ، لعلَّ، وأعني هنا
ربما ينقصُ المرءَ بعضُالجنونْ!!

أمومة

قالَ ليالبيتُ:
سُوريَ عالٍ وكلُّ جدارٍ هنا قلْعَة
والنوافذُ تحرسُ سرَّالمكان
وتحرسُ ضوءَ الهلالِ الطريِّ على زهرةِ الفُلِّ فوقَ السِّتارة
فيالحَوْشِ أشجارُ سرْو
وخلفيَ، تعرفُ، غابةُ لوْزٍ وتمتدُّ حتى رؤوسِالجبال
فنمْ جيدا
ثَمَّ بحرٌ أنيسٌ يُعلِّمُ أطفالَنا العَوْمَ في ساعةِالظُّهر
يحْمي النّوارسَ من كلِّ شر
ويعرفُنا في الليالي الطّوال
ويفهمُناكالنّدى والظِّلال
على كَتِفِ التلِّ زيتونةٌ ولِدَتْ قَبْلَنا
علَّمتْناكلامَ القناديلِ في الشَّرق
والريحَ في طُرُقاتِ الشَّمال
فنمْ جيدا
خلْفَبيّارةِ الموزِ نهرٌ صغير
يُغنّي لطفلٍ على خشبِ الصَّلْب
يغسِلُ أرجلَهُبالبنفسج
جبْهتَه ببياضِ القُرنفل والياسمين
ويهمسُ: كنْ قمراًللجَمال
يمرُّ الظَّلامُ هنا واثقاً كالجنود
فنمْ، تحتَ رأسِكَ هذاالتراب
وظلُّ الجنود كظلِّ الرّياح: بقايا الرِّمال
فنم جيداً قالَ ليالبيت
لا ترتعِدْ إن رأيتَ سماءً مُعلَّقةً من ضفائرها
تتدَلَّى منالسَّقف
أو إن رأيتَ ذراعَ فتى – ليُعيِدَ السماءَ إلى نفسها- يتسلَّقُ فيالليلِ جذْعَ النّخيل
أو رأيتَ غزالاً يُطلُّ من النَّعْش
أو نجمةً تتعثَّرُكالطّفلِ خلْفَ دليل
قال لي البيتُ لا ترتعد
بعدَ يومينِ تنهضُ حيَّا
وإننِمْتَ كالآخرينَ قَتيلْ!

هنا

هنا في هدوءِالرَّصيفِ قتيل
هنا في انطِفاءِ الزّهورِ قتيل
هنا تحتَ زيتونةٍ تشتَهي أنتعيشَ طويلاً كأغنية
وهنا في ظلالِ الكَمانِ على كتفٍ ناعمٍ كالهواءِقتيل
هنا في امتداداتِ شَجْرَةِ سَرْو
تُناغي السّماءَ لتضحكَ لو مرَّةًللصغارِ قتيل
هنا فوق عَتْبةِ بيتٍ يُهدْهِدُ ساكِنَهُ كي ينامَ قتيل
هنا فياستراحةِ سيِّدةٍ بَعدَ نشْرَةِ أخبارِ هذا المساء
وما سيَلِيها قتيل
هنا فياتِّزانِ المذيعِ أمامَ الشَّريطِ المُصَوَّرِ للغارةِ الأَلفِ يَصحو قتيلٌ ويَغفوقتيل
هنا في خُطى القُبَّراتِ على خيْطِ نُورٍ،
هنا في حقيبةِتلميذةٍ،
فوقَ مَقْعَدِ درْسٍ،
على صمتِ شُبّاكِ صفٍّ تَعلَّمَ اسمَالصباح
فصادقَ شمساً وعشرينَ طائرَ دُوريْ قتيل
هنا في الأغاني، القصائدِ، فيلوحةٍ حَلَّقَتْ حينما التهموا البيتَ قَبلَ الغروبِ قتيل
هنا في لقاءِ سنونوبظلِّ الفراشةِ فوقَ المياهِ قتيل
هنا في ابتساماتِ عاشقةٍ تتساقطُ مثلَ الخريفِقتيل
هنا في جَنِيْنٍ -على حاجزٍ- يتفلَّتُ كي
يُمْسِكَ اسمَ أبيهِ لينجوقتيل
هنا فوقَ هذا السَّريرِ قتيل
هنا تحتَ هذا السَّريرِ قتيل
(وما كانَخلفكَ، ما زالَ خلفكَ: رُومٌ سوى الرُّوم
قل لي إذن
فعلى أيِّ جنْبَيْكَ سوفَتميْلُ؟ (!! *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهامش : *صياغة أخرى لبيت المتنبي
                    
                                 *******
 
 
ثانياً :المقاربة :
 
مما لا شك فيه أن السيميائية ساهمت في تجديد الوعي النقدي وتطوره ـ منذ خمسينيات القرن الماضي ـ من خلال النظر في طريقة التعاطي مع قضايا النص، ممن حيث ارتاكازها على المبادي الثلاثة الأساسية في عملية القراءة وهي :
التحليل المحايث والبحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة واستبعاد أية إحالة خارجية، ومن ثم  فالمعنى يُنظر إليه كما لو كان أثراً ناتجاً عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر.
ثم التحليل البنيوي حيث إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود  شبكة متينة من العلاقات. وهذا بدوره يؤدي بنا إلى التسليم بأن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر هذه الشبكة القائمة بينها، وهو مانسميه شكل المضمون، أي بعبارة أخرى تحليلا بنيويا لأنه لا يهدف إلى وصف المعنى نفسه، وإنما شكله ومعماره.وثالثاُ تحليل الخطاب: تمييزاً عن تحليل اللسانيات البنيوية التي تهتم بالجملة (1)
ومن ضمن ما اهتمت به السيميائية الحديثة هو دراسة عتبات النص، أو “النص الموازي” في اصطلاح آخر، مثل: العنوان الرئيس، والعناوين الفرعية، والعناوين الداخلية، ومدخل النص، ومخرجه، والديباجة، والتنبيهات، والتصدير والحواشي الجانبية، والسفلية، والهوامش المذيلة للنص، والعبارات التوجيهية، والإهداء، والزخرفة والرسوم، والشرطة، ونوع الغلاف، وما شابه ذلك، وهي كلها عتبات مباشرة، وملحقات وعناصر تحيط بالعمل سواء من الخارج، أو الداخل، وهي تتحدث مباشرة عن النص، إذ تفسر وتضيء جوانبه الغامضة، وتبعد عنه بوادر الإلتباس، وما يمكن أن يشْكُل على القارئ.
“ويأتي الدور المباشر لدراسة العتبات متمثلاً في نقلها مركز تلقي التلقي من النص إلى النص الموازي، وهو الأمر الذي عدته الدراسات النقدية الحديثة مفتاحاً مهماً في دراسة النصوص” (2)  
“ولعل من أبرز النقاد الغربيين الذين اهتموا بدراسة العلامات هو “جيرار جينيت” ثم نقاد آخرون من أبرزهم “كلود دوشيه” و “فيليب هامون” و ” هنري ميتران” و “شارل كريفل”. وقد عرَّف “جينيت” النص الموازي بأنه ” كل ما يمهد إلى الدخول إلى النص، أو يوازي النص” (3)  غير أن جينيت كان ينطلق إلى دراسة العتبات أو النص الموازي من خلال دراسات موسعة في المتعاليات النصيِّة .. “والمتعاليات النصية عنده خمس هي ( الموازي النص ، الميانصيَّة ، التناص ، التعالق النصيّ ، و معمارية النص” (4)   
وبصرف النظر في هذا المقام عما شهده المصطلح في الساحة العربية من تعدد المسميات مثل: المنصصات، أو المناص، أو الموازيات، أو محيط النص الخارجي، فالشائع عند كثيرين هو “النص الموازي” و ” العتبات”، فجُلّ ما يهمنا أن نركز عليه أن النص الموازي يعتبر من أهم المتعاليات النصِّة إلى جانب التناص ، ومعمارية النص، وله وظائف عدة تداولية وجمالية غير ما له من أهمية كبرى في فهم النص وتفسيره وتأويله من جمبع جوانبه والإحاطة به كلية ، باعتباره ـ كما أشار جينيت ـ ” خطاباً أساسياً ومساعداً ، مسخراً لخدمة شيء آخر يثبت وجوده الحقيقي هو النص” (5)
معنى ذلك أن “النصَ الموازي ـ ومهما بدا محايداً أو مستقلاً أو أوهَمَ بذلك ـ  شديد الارتباط بالنص الأساسي، ويقف في بواباته ومداخله ساعياً إلى تقشير جيولوجيا المعنى بوعي يحفز في التفاصيل، وفي النص الأدبي الذي يحمل في نسيجه تعددية، وظلالاً لنصوص أخرى”(6).
وبالعموم فإن ” موضوع النص الموازي متعدد ومتنوع، ومجالاته ووظائفه مختلفة أيضاً تبعاً لما أريد لها من تفجير دلالات مركزية أو هامشية تدور في مع المحاور النصيَّة وتعين على إظهار سياقاتها الدلالية والتداولية” (7).
 غير أن مقاربتنا لقصيدة ” تحت زيتونة تشتهي أن تعيش” لن تتوقف عند العتبات، فدراسة العتبات والمتعاليات النصية عمومًا ستمثل مستوى من مستويات البحث؛ إذ الغرض أن ننطلق إلى مداخلة النص اهتداءً بمنهج جان مولينو في التحليل السيميائي”وهو منهج ثلاثي الأبعاد أو يقتضي مقاربة على ثلاث مستويات: الأول: مادي موضوعي يحلل النتاج الرمزي من داخل البنى التي يتألف منها، بحثاً عن عناصر مكونة لهذا النتاج، منظمة ولافتة بتكرارها، أو ثماثلها، أو تضادها” (8) ولعل هذا المستوي المحايث يجيب عن السؤال: كيف بُنِي هذا النتاج الرمزي؟.
والقصيدة التي نحن بصدد مقاربتها تتكون من ثمانية مشاهد شعرية، ولكل مشهد علاقاته الداخلية بين البنى المكونة له، في الوقت نفسه يعتبر المشهد نفسه وحدة بنايئة داخل نظام أكبر يحتويه، وهو يرتبط مع بقية المشاهد بشبكة علاقات تواشج وتداخل واتصال، وهى موزعة في بنية النص الكبرى، ومن ثم فإن البحث عن هذه العناصر البنائية مهم لكشف شبكة العلاقات تلك وما يمكن أن تسفر عنه من مدلولات ترتبط بسياق وجودها.
المستوى الثاني: خارجي ” ينطلق من دراسة علاقة المنتِج بنتاجه، فيتم رصد المؤثرات الشخصية والبيئية والأيديولوجية والمرامي الكامنة وراء التأليف من خلال التصريح بالآراء، والمقابلات الشخصية؛ فالأضواء الملائمة التي تُستمد من هذه الدراسة تسهم في جلاء المعنى العميق والنهائي للنتاج الرمزي خاصة عندما نضعها في مواجهة التحليل الأول” (9) المحايث.
 ولعل دراسة المتعاليات النصِّية حسب اصطلاح “جينيت” تندرج تحت هذا المستوي من التحليل ولدينا منها متعاليتين نصيتين في هذه القصيدة التي نحن بصددها هما: التناص والعتبات التي اصطلح على تسميتها بالموازيات النصيَّة الخارجية، ونحن لا نمتلك في مقاربتنا هذه أية موزايات نصية خارجية، ومن ثم سنعتمد على ما هو متوفر من عتبات أو موازيات نصية داخلية مثل العنوان والهامش ومطلع النص ونهايته، وإن كنا لن نعدم من عتبة المؤلف من خلال سيرته المنشورةالتى حفلت بها مؤلفاته المنشورة.
أما المستوى الثالث من التحليل ” ينطلق من فعل النتاج الرمزي في متلقيه الذي يتفاعل مع بناه اللافتة، فيعيد تأليفه لفهمه واستجلاء معناه انطلاقاً من بعض العناصر المكونة له، أو بعض المؤثرات التى فعلت في مبدعه نفسه” (10) ولا شك أنه نوع من التحليل يعتمد على استراتيجيات التلقي ومواطن التأثير في المتلقي، وما يمكن أن يسهما فيه في كشف مميزات العمل الفني، وهي استراتيجية تبعد عن الانطباعية بقدر الإمكان إذ ترتبط في الاستنتاج والتفسير بالبنى اللافتة في نسيج النص .
وعليه فهو منهج في جانب منه داخلي محايث يرتكز علي شبكة العلاقات القائمة بين عناصر الدال،وفي جانب آخر منه يحفل بالسياق وما يرتبط بها من سياقات أخرى شارحة أو مفسرة، وفي جانب ثالث منه لايهمل مفهوم الأثر، أي أثر النص في المتلقي.
غير أن منهج “جان مولينو” كما نعيه لا يعنى الفصل بين المستويات الثلاثة بقدر ما يعنى تعاضضهما سياقيا في تفسير وتأويل النص بحثاً عن المعاني التحتية فيه، وإن أي تنضيد شكلي بحثي محتمل إنما يأتي في إطار التنضيد الشكلي الإجرائي المتعاضد جوهرياً إذ يسعى إلى البناء الدلالي الكلي في الوقت الذي يفكك فيه النص،و عليه أن يقدم دلالة كلية متعاضده للنص مهما بدا متفرقاً أو مفككاً أو منضدداً في المظاهر.
ولذلك فإن الجوانب التي  سيتم مداخلة النص من خلالها هي ما تحدد معالم البحث شكلياً وهي: المتعاليات النصية ( العتبات ـ التناص ) قبل أن ننطلق إلى البناء النصيِّ الكلي الأكبر في تضام وحداته البنائية والقراءة الكاشفة عن مضمرات النص.
 (1) العتبات :
لدينا في قصيدة ( تحت زيتونة تشتهس أن تعيش) أربع عتبات داخلية رئيسة هي : العنوان ، الهامش ، مدخل النص، نهاية النص.. نبغي الوقوف عند هذه العتبات قبل أن نجتاز العتبات إلى غيرها من المتعاليات النصية مثل التناص، وإن كان لابد بداية من التوقف عند عتبة المؤلف باعتبارها عتبة خارجية من شأنها أن تضيء الطريق نحو دلالات النص.
أ ـ عتبة المؤلف:
 ” إبراهيم نصر الله “ـ كما تقدمه لنا صفحات كتبه الصادرة وكما تحفل به صفحات الجرائد والدوريات الأدبية وكما قدم نفسه في كتابه الأخير ” أقل من عدو أكثر من صديق / السيرة الطائرة” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت، عام 2006ـ  هو شاعر وروائيّ، و فنّان تشكيلي ، ومصوّر فوتوغرافي،.من مواليد عمان، من أبوين فلسطينيين، اقتُلعا من أرضهما عام 1948، درس في مدارسوكالة الغوث في مخيم الوحدات، وأكمل دراسته في مركز تدريب عمان لإعداد المعلمين .. غادر إلى السعودية حيث عمل مدرسا لمدة عامين 1976-1978، عمل في الصحافة الأردنية منعام 1978-1996. عمل الآن في مؤسسة عبد الحميد شومان – دارة الفنون- مستشارا ثقافياللمؤسسة، ومديرا للنشاطات الأدبية فيها قبل أن يستقيل منها ليتفرغ للكتابة.
من أعماله:
الشعر:
الخيول علىمشارف المدينة – 1980، نعمان يسترد لونه – 1984، أناشيد الصباح – 1984، الفتىوالنهر والجنرال-1987، عواصف القلب-1989، حطب أخضر-1991، فضيحة الثعلب 1993،الأعمال الشعرية (مجلد) – 1994، شرفات الخريف – 1996، كتاب الموت والموتى- 1997،بسم الأم والابن –1999.
نُشرت مختارات من قصائده بالإنجليزية، والروسية،والبولندية، والتركية، والفرنسية، والألمانية.
الروايات:
 براري الحمى ( 1885 ـ ثلاث طبعات ) ، الأمواج البرية – سردية 1988 (خمس طبعات)، عو 1990 (طبعتان) ،مجرد 2 فقط 1992 (طبعتان)، طيور الحذر 1996 (ثلاث طبعات)، حارس المدينة الضائعة –1998- بيروت، طفل الممحاة 2000.
تمتترجمة روايته “براري الحمى” إلىالإنجليزية، وتترجم إلى الإيطالية والفرنسية.
كتب أخرى:
جرائمالمنتصرين – السينما حرية الإبداع ومنطق السوق.
معارض:
ـ كتاب يرسمونمعرض مشترك لثلاثة كتاب – عمان 1993. مشاهد من سير عين.
ـ معرض فوتوغرافي، دارةالفنون – عمان 1993.
نال سبع جوائز على أعماله الشعرية والروائية منها:
 جائزة عرار للشعر1991، جائزة تيسير سبول للرواية 1994، جائزة
 ـ سلطان العويسللشعر العربي 1997.
صدر له مؤخراً “أقل من عدو، أكثر من صديق” ـ سيرة ذاتية كتاب ثري بالحياة، والشاعريّة، وبحكايات تنعش الروح ـ صدر الكتاب عن منشورات المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر ـ بيروت، عام 2006م
 
*******
نحن أمام سيرة ذاتية تشير إلى الكثير، وتجعلنا بحالة ما أمام نص نتوقع معه أن نلمس اهتمامات ذات شاعرة تحمل هموم الذات الفلسطينية في صراعها  ومعاناتها مع العدو المحتل، وفي رؤيتها لطبيعة هذا الصراع.
من جهة أخرى هي تشيرة تشير إلى إمكانية الخبرة على مستويات عدة، ومن ثم نتوقع أننا أمام رؤية شعرية متسعة طامحة إلى الاستيعاب والشمول.
كما أنها تشير إلى التنوع على المستوى الفني، ومن ثم نتوقع أن نلمس تخطياً للحس الغنائي التعبيري الصرف، إلى توظيف أدوات درامية تعبيرية كالحوار والسرد، وإلى الإفادة من لغة الكاميرا والصورة والمشهد في بناء النص الشعري، تفاعلا وطموحاً نحو إنتاج نص يتسم بالدرامية الغنائية.
 
*********
 
 
ب : العنوان الرئيس تعالقاته وإشاريته:
     لدينا عنوان رئيس ( تحت زيتونة تشتهي أن تعيش) وثمانية عناوين فرعية، يهمني هنا أن أقف مع العنوان الرئيس، وربما توقفنا مع بعض العناوين الفرغية إجرائياً ومرحليا في الطريق، ومن دون أن نفرد لها مساحة مستقلة.
بداية يهمني أن أؤكد على إن ” سلطة عنوان النص الأدبي عمومًا تنبع من مركزيته، بمعنى ارتباطه دلاليًّا بكافة جوانب الأبنية النصية ومستوياتها، وهذا من شأنه أن يعطى للعنوان قيمته الجوهرية، ويجعل منه عمدة فى عملية التلقى، كما يجعل منه بوابة لازمة للولوج إلى عالم النص، وهو فى الغالب بوابة ضوئية مركزية، تنبثق منها خيوط كثيرة تمتد لتضىء كافة ما يمكن أن يطأه ذهن المتلقى” (11) ومن ثم ليس بمستغرب أن تبدأ هذ المقاربة بالعنوان وتركز عليه، وقد لاحظت أثناء قراءتى الأولية للقصيدة أن عنوانها يتمتع بحضور دائم أينما اتجهت، خاصة بقدرته على إثارة الأسئلة.
والأمر على هذا النحو جعلنى أتوقف عند سلطة هذا العنوان وإمكانية استثمار سلطته لصالح هذه المقاربة التى تسعى إلى تحصيل الدلالة بصفة كلية.
“ومن المؤكد ان اختيار عنوان النص الأدبي لا يتم بطريقة اعتباطية أو تعسفية، وإنما يجب أن يكون بينه وبين النص علاقة تناغم وانسجام في إطار دلالي كبير يستقطب كل التمثلات والسياقات النصية” (12) غير أنه “يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته، فهو يقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه، إذ هو المحور الذي يتوالد ويعيد إنتاج نفسه، وهو الذي يحدد هوية القصيدة، فهو ـ إن صحت المشابهة ـ يمثابة الرأس للجسد، والأساس الذي ينبني عليه”(13). وهو “مفتاح اساسي يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة، قصد استنطاقها وتأويلها” (14).
“ولقد حظيت العناوين بأهمية كبرى في المقاربات السيميايئة باعتبارها أحد المفاتيح الأولية والأساسية التي على الباجث أن يحسن قرءتها، وتأويلها والتعامل معها، فهي عتبة على الدارس أن يطأها قبل إصدار أي حكم، إنه إذن بمثابة المفتاح الإجرائي الذي يمدنا بمجموعة من المعاني التي تساعدنا في فك رموز النص، وتسهيل مأمورية الدخول إلى أغواره وتشعباته الوعرة” (15) .
مع العنوان ومنه ـ إذن ـ يمكننا أن نبدأ بثقة من يقف على المقدمات الدلالية للخطاب الشعري التي تستكمل “عبر متابعة العلامات الهابطة من الرأس إلى المتن، أو الصاعدة من المتن إلى الرأس، وما تحدثه في تقاطعاتها ـ في مراكز معينة ـ من ايحاءات وصور وإيقاعات” (16).
ترى إلى أي مدى يتفق عنوان قصيدة ” تحت زيتونة تشتهى أن تعيش” مع المعطيات السابقة، وهو يحيلنا بداية إلى غير المعين؟  إذ أتى خبراً لمبتدأ محذوف ؛ لنتساءل ما تقدير المحذوف .. هل هو أشياء، أم أشخاص أم أحداث تجري، أم أنه زمن يتوالى بأحداثه (تاريخ) ، أم أنه الموت الذي يفرض وجوده بقوة اشتهاء العيش؟ ولماذا حرص الشاعر على تغييب العامل الرئيس في الجملة؟ هل التغييب لسبب بلاغي يسعى إلى إثارة ذهن المتلقي، أم أنه تغيب دلالي يضعنا بداية أمام مكان معين بـ “تحت زيتونة” مسكون بعوامل تفريغ قهرية تمنع العامل من الظهو، أو تمثيل نفسه حقيقة؟ ثم لماذا هي زيتونة ولم تكن نوعاً آخر من الأشجار؟ هل هو اختيار دقيق مقصود يشير إلى شجرة معمرة، مقاومة لعوامل التصحر والجفاف، أو بمعنى آخر: عوامل إفنائها؟ ثم لماذا هي بصيغة الإفراد ولم تأتي بصيغة الجمع ليقول :” تحت أشجار زيتون تشتهي أن تعيش” ؟ ثم لنتأمل ” تشتهي أن تعيش” لنتساءل: هل أصبح العيش اشتهاءً؟ هل كل ما بقي من الحياة مجرد العيش؟ ثم لنتأمل المصدر المؤول ” أن تعيش” ولماذا لم يكن صريحاً ؟ .. لماذا لم يقل: “تشتهي العيش” ؟ هل لأن المصدر المؤول ينطوي على فعل إجرائي إرادي تُفترض معه حرية الاختيار وحرية الإرادة في واقع صادم يمنع من تحققهما، ومن ثم أمسى الاشتهاء هو التمكن من هذا الإجراء المؤهل للعيش؟ هل ثمة موانع تحول بين الطبيعي (الحياة) والفعل المؤهل للحياة؟
لاشك أنه عنوان مشحون، مثير لكثير من الأسئلة، إشاري إلى حد كبير، محفز في الوقت ذاته على فعل القراءة، وعلى بلوغ متعة الاكتشاف أو الكشف، الأمر الذي نتوقع معه أن يكون النص بتعالقاته وتقاطعاته مع العنوان مجيباً عن هذه الأسئلة، مفضياً إلى دلالة كلية تحتضن الإجابات.
لنتجه بالعنوان إذن إلى داخل النص، لنكتشف أن العنوان هو جزء من جملة شعرية طويلة وردت في سطرين شعريين من ضمن أسطر المقطع الأخير من القصيدة. الجملة تقول: ” هنا تحت زيتونة تشتهي أن تعيش طويلاً كأغنيةٍ / وهنا في ظلال الكمان على كتفٍ ناعم كالهواء قتيل ” لنلحظ مفردة “قتيل” التي تأخرت كثيراً حتى نهاية الجملة الشعرية الطويلة، لنفاجأ أن ” تحت زيتونة” مساحة مسكونة بالقتلة والموت، وكان الشاعر أرجأ التصريح بذلك في العنوان ليلفت إلى ما يتريب على القتل لا إلى القتل نفسه؟ أو بالمعنى: ليلفت إلى ما ترتب على الواقع المفزع (اشتهاء العيش) لا إلى الواقع المفزع نفسه ( قتيل). أو لكأنه أراد أن يلفت بشكل ضمني إلى واقع نفسى لا إلى واقع مادي، أو لكأنه أرجأ الإخبار بما يُفترض أنه معلوم ليخبر بما يفترض أنه غير معلوم من واقع نفسي لأصحابه ممن ينتمون إلى المكان (تحت زيتونة).  
لا شك أن عنوان النص هنا باعتباره عتبة أو نصاً موازياً يتفق إلى حد كبير مع ما أكده “جينيت” بقوله: ” إن النص الموازي هو ما يطرح نفسه على المتلقي أو الجمهور عموماً بمثابة كتاب مفتوح يتجاوز بنفسه الحدود بين ما هو داخل النص وخارجه، إنه العتبة أو منطقة عبور إلى النص، ومن هنا فإن العناية به مستقلاً كبرزخ لا تجذ به مياه الداخل أو الخارج تبقى واجبة” (17).
ولعل انتماء العنوان الرئيس للقصيدة إلى مقطعها الأخير يؤكد أن بوابة النص من الخلف، وليست من الأمام، وهذا من شأنه أن يوفر لنا إمكانيتين أولاهما: قراءة النص من الخلف وليس من الأمام لنبدأ في ملامسة مشهد شعري يشير إلى الموت ويعيِّنه، وهذا ما أراد العنوان الرئيس تعطيله منذ البداية، عندما افترع طريق الدخول لافتاً إلى “زيتونة” على ما بها من بقايا حياة تشتهي أن تعيش، وعندما افترع الشاعر طريق الدخول إلى النص إلى عدة “أبواب” عناوين فرعية للولوج إلى النص مرجئاً الدخول الأخير إلى النص من الخلف، ربما لأنه أراد ملامسة ممكنات للحياة قبل أن يصل إلى ما هو مسكون بالموت وحده، والمعيَّن في الفقرة الأخيرة ب” هنا” كعنوان فرعي للمقطع الأخير.. النص إذن مهموم باحتضان قيم الحياة قبل أن يكون مهموماً بتعيين قيم الموت، أو لنقل: إنه مهموم باحتضان قيم الإنسان المنتمي للمكان (تحت زيتونة) وإبرازها في مقابل قيم ( الآخر ) من يصنع الموت، والذي تستدعيه ـ ضمنيا ـ مفردة ”قتيل ” وتحيلنا إليه كقاتل معلوم، وإن كان مغيباً نصياً حتى الآن، وكأنه غاب لفرط العلم به.
الإمكانية الأخرى هي ملامسة نهاية الدائرة إذ تلتقي البداية والنهاية عند نفس النقطة، وكأننا أمام بناء شعري دائري في الأساس، يسعى إلى اكتمال دائرة الدلالة عند ثنائية (الموت ـ الحياة )، فإذا كان العنوان الرئيس يلفت إلى اشتهاء الحياة فإن الجملة التي احتوت العنوان في المقطه الأخير قد حددت محصلة الصراع بـ” قتيل/ موت ” .. إن اكتمال هذه الثنائية مع اكتمال الدائرة يلفت إلى شيئين هما: الصراع ومحصلته. وهو صراع مولِّد لمفارقة أن يكون مع القتل اشتهاء حياة، وأن تتواجد شجرة الزيتون الخضراء في مكان مسكون بالموت، وأن تكون شجرة الزيتون كرمز للسلام (قيمة موجبة) وكشجرة معمرة تهدي البشر الزيت / وقود مصابيحهم ضد الظلام  (قيمة موجبة) هي من يترصدها الموت، وأن تكون ـ رغم هذا ـ حالمة بإمكانية العيش، وحيدة تواجه القاتلين. وتُظِلُّ المقتولين، لتتحول قيمها الموجبة إلى قيم موجبة جديدة يفرضها الصراع. ولعل هذا ما يؤكد أن صراع القاتل والقتيل مرتبط ب”تحت” أي بالمكان، وربما أن مفردة “هنا” كعنوان فرعي للمقطع الأخيريؤكد هذا الارتباط.
وبتأمل العنوان الفرعي”هنا” يتأكد ارتباط الذات الشاعرة ـ التي تشير بإصبعها إلى المكان ـ بالمكان. إن بروزها كذات معيِّنة للمكان ومحددة له يؤكد أنها في قلب الحدث، لنتأكد ـ أيضاً ـ أنها ذات مهمومة شعرياً بنقل وقائع حية بدلاً من الإخبار عنها، أو نقل تصورات عنها عن بعد.
من جهة أخرى إن مفردة “هنا” تشير إلى المكان المحدد في عنوان النص بالرمز “زيتونة” وهي مفردة ترمز إلى المكان وصاحبه القتيل تحتها، وهي تجتاز بنا حدود الاستخدام الحقيقي إلى المجاز، وهي مفردة تشير بقوة إلى الآرض الفلسطينية من جهة، ومن جهة أخرى إلى السلام باعتبار أن غصن الزيتون ـ كما سبق القول ـ رمزاً قريب المأخذ للسلام. كما أنها تشير إلى التحمل والصبر ومقاومة عوامل التصرُّم باعتبار أن هذه خصائص مميزة وطبيعية في شجرة الزيتون، غير أن ورودها بصيغة الإفراد يؤكد عزلتها وانفرادها بهمِّ مواجهة الموت.
وإلى هنا نكون قد تأكدنا أن العنوان ” تحت زيتونة تشتهي أن تعيش” جاء بكيفية مخصوصة كنا معنيين بإبرازها، إذ الهدف لدينا منذ الداية هو تأكيد الكيفية المخصوصة والملائمة للمعني أو الدلالة، وأن ما يمكن أن نستنتجه من معانٍ ودلالات، لم يكن إلا لتوافر قدرات إشارية في العنوان، بجانب تعالقاته النصية والدلالية بالنص، وبالقدر نفسه تأكد لنا أن العنوان لم يكن ليضم كل المشاهد الشعرية تحته إلا ليشكل منها معماراً فنياً ـ رغم تعدده ـ يتجه بنا دلاليا نحو تمثيل هذا العنوان في ارتباطه بالواقع الفلسطيني الحرج، والتراب الفلسطيني وصراع شعبه من أجل البقاء فوقه، مع الإشارة إلى القيم الأصيلة الفطرية في هذا الشعب واولها الارتباط بأرضه، وثانيها توجه هذا الشعب نحو احتضان قيم الحياة لا الموت، وثالثها أن فعل المقاومة لديه يأتي في الإطار الطبيعي أو في إطار ما تمنحه الطبيعة.
*********
 
ج ـ الخاتمة:
تأتي الفقرة الأخيرة من المشهد الأخير لتمثل عتبة الخاتمة، متضافرة مع العتبة السابقة نحو إنتاج مزيد من الدلالة، وتساعدنا على فهم خصوصية هذا النص الشعري وتحديد مقاصده الدلالية والتداولية وتحديد ما بينها وبين النص الأدبي من وشائج.
وكان “فيليب هامون” قد وضع نصب عينيه خاتمة النص، ولم ينظر إليها كنهاية بالضرورة للنص، بل ميَّز بينها وبين الخاتمة ونهاية النص، فإذا كانت الخاتمة تعلن إغلاق النص، فليس من الضروري أن يكون النص قد بلغ نهايته، وهذا المعنى وضحه د. حميد لحمداني بالقول: ” ومن البديهي أن نتصور القارئ وقد أنهى قراءته للنص، وقد وجد نفسه لا يزال مشغولاً بعوالمه، مما يدل على أن الخاتمة ليست بالضرورو نهاية اشتغال النص” (18) .
معنى هذا أن الخاتمة بما توفره من إشارات دالة يمكن أن تكون عتبة باتجاه الداخل وليس الخارج، وأنها قد تفتح أمامنا دهاليز جديدة لملامسة دلالات النص، أو بالمعنى هي مؤهلة لدخول النص مرة أخرى؛ ولهذا هو يلتقي مع مفهوم العتبات عند “جينيت” ـ كما ذكر الدكتور حميد لحمداني بقوله: ” ظل مفهوم العتبات عنده مرتبط في العالب بكل ما يمهد الدخول إلى النص، أو يوازي النص” .(19)
جاء في خاتمة القصيدة:
هنا فوق هذا السرير قتيل
هنا تحت السرير قتيل
( وما كان خلفك، ما زال خلفك : رومُ سوى الرُّم
قل لي إذن
فعلى أيِّ جنبيك سوف تميل؟!)
المقطع الأخير الذي يحوي الخاتمة عنوانه ( هنا) في إشارة إلى المكان حيث تتكرر مفردة هنا كثيراً في الفقرة، وهو تكرار غير تأكيدي لأن (هنا) الأولي ليست هي نفسها (هنا) الثانية، فكل واحدة منها تحدد موضعاً مختلفاً عن الأخرى، وكل منها تحدد موضعاً لقتيل مختلف عن الآخر، ومثلها (هذا السرير) فتكرارها للتعدد وليس للتأكيد، فثمة أكثر من سرير مشار إليه، ولعل التكرار يعطي مؤشرًا في تنقل الذات صاحبة الخطاب بين أرجاء المكان، فارة بجلدها من الموت، يصدمها “قتيل” أينما اتجهت، حتى أنها وفي أماكن النوم ـ التي تظنها مخبأً آمنا ـ تصدم بالقتلى، هو قتل يصل إلى الأسِرَّة، قتل للمدنيين ـ إذن ـ ممن يعيشون في بيوتهم، أكثر منه قتل لمحاربين أو حاملي أسلحة، هذا ما تشير إليه مفردة سرير، غير أنها تشير إلى نهاية “الأمام” في مقابل “الخلف” المفتوح باتجاه الموت القادم.
إن مفردة (هنا) الذي تندرج تحتها هذه الخاتمة تأتي كظرف مكان يعززه ظرف مكاني آخر يشمله عنوان النص (تحت زيتونة) إذ العنوان جزء مقتطع من هذا المشهد ـ كما سبق القول ـ وكأن القصيدة بداية من عنوانها وحتي الخاتمة تتجه بنا نحو السؤال الختامي: ” فعلى أيِّ جنبيك سوف تميل” ولم يعد هنا غير الموت ومطاردة العدو، وقد وصل الموت إلى أسرَّة النوم؟ .
ولعل تنقل الذات صاحبة الخطاب لم يكن استكشافياً إذ الموت يطارها كغيرها، وربما لأن كل ما عاينته في طريق الفرار من الموت لم يكن غير الموت والقتلى، ربما هي تتجه إلى ذاتها بالحوار وقد خلى المشهد إلا من الموت ، لذلك تشتق من ذاتها طرفاً ثانيا للحوار، أو بالمعنى لم تجد غير ذاتها لتهمس إليها: ” وما كان خلفك ما زال خلفك” ثم لتلقي إليها بسؤالها الأخير: ” فعلى أيِّ جبيك سوف تميل؟!!” .. لعل “كان” هنا تشير إلى تاريخية الصراع، ولعل مفردة ” الرُّوم” تعطي للصراع بعده التاريخي، لأنها تحيلنا إلى الماضي وتاريخ وصراع العرب مع الروم، وكأن ما يحدث الآن هنا تحت زيتونة ليس إلا محصلة صراع تاريخي بدأ قديماً، وظل مستمراً في التاريخ حتى لحظة الخطاب، أو لكأن التاريخ بعيد نفسه بصراع مشابه لما حدث قديما. ولعل التحول في ضمير الخطاب في “وما كان خلفك، مازال خلفك” هو تحول من رصد وضع عام إلى الإفضاء بوضع خاص، بجانب أنه يشير إلى ما سبق أن أكدناه من أن الذات صاحبة الخطاب لم تجد من تحاوره غير ذاتها، نحن إذن أمام ذات منفردة في لحظة حرجة تشرف فيها على الموت، إذ تنحصر عندها محصلة صراع تاريخي طويل، لم يكن يخصها وحدها وإن كان عليها أن تجابه الموت وحدها باعتبارها الطرف المباشر فيه.
ولعل خاتمة القصيدة على هذا النحو تؤكد نهاية الذات صاحبة الخطاب ما لم تمِلْ على أحد الجنبين، هي ذات لا تبحث عن فرصة للراحة ؛ لأن الفعل لم يكن ” تتكئ” أو “تسترخي” بل كان” تميل” والإمالة هنا تعني الاستناد على، ولعل مفردة “الجنب” هنا لا تعني الجنب الجسدي، فالذات لا تروم فرصة للنوم أو الراحة في لحظة يترصدها فيها الموت، إن الاحتمال الأوجه أنها تبحث عن النجاة أو الاحتماء. كما أن مفردة ” جنب” لا تعنى ـ هنا ـ الجهة، فالجهة ـ منطقياً ـ موجودة، فإذا كان الروم من الخلف فالمفترض أن الأمام واليمين واليسار موجودون بطبيعة الحال، والتساؤل : لماذا حدد النصّ  الجنبين والخلف ، ولم يشير إلى الأمام / جهة الفرار؟ وهل السؤال: فإلى أي جنبيك سوف تميل؟!!” كان سؤالا تخييريًا؟.
السؤال التخييري ـ كما هو معلوم ـ لا ينتهي بعلامتي تعجب ـ على ما ورد في النص ـ ومن ثم فهو سؤال تعجبي يقطع احتمال خيار الذات نحو الجنب الميؤس منه لدرجة الاستغراب، ومن ثم فخيار اليمين واليسار ممتنع، أما الأمام فمن الواضح أنه انتهي عند السرير.. إذن لاخيار والجهات مقفلة، والخيار الوحيد هو الخلف، أو بالمعني المسافة بين الذات وعدوها.
مفردة “جنبيك” هنا في السياق ـ إذن ـ لا تعني الجانب الجسدي، ولا تعني الجهة، بقدر ما إنها تعني الصاحب بالجنب، أو الجار بالجنب وتتخطاهما إلى”النصير”، أما كون الذات تتساءل متعجبة، فهذا إشارة إلى أنه لا نصير في هذا الواقع، رغم افتراض وجوده، وإلا فما ضرورة التعجب، إن لم يكن الأمر كذلك.
غير ذلك فالتساؤل نفسه “فعلى أي جنبيك سوف تميل؟!!” سؤال استنتاجي وليس تخييري لارتكاذه على “الفاء” الاستنتاجية، فالمستنتج من تاريخ الصراع أنه لا نصير، ولا جنب، وصيغة السؤال في تلك اللحظة المحاصرة بالموت المحقق تشير إلى اشتهاء النصير .. إنها لحظة استغاثة أكثر منها لحظة تساؤل أو استغراب.. تري لماذا تحولت الذات عن صيغة الاستغاثة المفترضه إلى صيغ التساؤل؟ إن اختيار صيغة التساؤل هنا يؤكد ـ ضمنياً ـ يقين الذات أنه لاجدوي من الاستصراخ في مع انعدام النصير، أو بالمعنى: إن التعجب القار في السؤال هنا يرقى إلى مستوى الاقرار بغياب النصير.
 
د ـ الهامش:
لا شك أن دراسة العتبات أعادت الاعتبار للهامش “الذي ظل لا مفكراً فيه، بل مسكوتاً عنه، لنتبين أن أهمية الهامش لا تقل عن أهمية المركز، بل أن الهامش يلعب أحياناً دوراً حاسماً في إحداث تعبيرات دراماتيكية في بنيات المركز ومؤسساته” (20).
وبمطالعة هامش القصيدة التي نحن بصددها لاحظنا احتواءه على عبارة: “صياغة جديدة لبيت المتنبي” مع إشارة رابطة بين هذه العبارة والجملة التي جاءت مقوسة في الختام ( وما كان خلفك ، ما زال خلفك، روم سوى الروم / فقل لي إذن / فعلى أي جنبيك سوف تميل؟!!).
لنتساءل ما دلالة صياغة التعبيرات القديمة في سياق النص؟ وقد كان بمقدور الشاعر أن يتجاوز عن إعادة صياغة القديم؟ ثم لماذا بيت المتنبي تحديداً دون غيره من الشعراء، ثم لماذا هذا البيت تحديداً؟ ما السياق الأصلي لبيت المتني، وهل بينه وبين السياق النصيِّ هنا وشيجة ما، أو تشاكل من نوع ما يخدم دلالات النص أويؤكدها؟ .. أسئلة من هذا النوع يمكن أن يجاب عنها في خطوة تالية تخص مبحث في التناص نتناول فيها هذا التناص الحاد بين بيت المتنبي وختام هذه القصيدة التي بين يدينا.
بيْدِ أن ما يمكن أن نستنتجه هنا أن خاتمة النص لم تكن نهائية، أو لم تكن نهايته، إذ انفتحت على هامش نصيِّ متسع يفتح هويس الدلالة باتجاه المتنبي، وكأن القصيدة ما انتهت إلا لكي تبدأ، أو لكأنها أفضت بنا إلى اللانهاية وهي تعيدنا إلى الظرف التاريخي الذي صِيغ فيه بيت المتنبي وليس إلى بيت المتنبي فقط، فمن المعلوم أن كل نص يستدعي سياقه، هذه واحدة، أما الأخرى فإن الهامش لم يحدد نص البيت الذي أعاد صياغته، بَيْدَ أنه حدد اسم صاحبه، وكأنه يلفت أيضاً إلى المتنبي كشخصية عربية شاعرة عاشت ظروفاً تاريخية ما، واتسمت بمحددات معلومة كشخصية تراثية، والنص بهذا يؤكد توجهه نحو التقاطع مع ثقافة المتلقي واستثمارها لصالح الدلالة، هو يفتح الطريق ـ إذن ـ ولكن وفق شروط النص وما يوجه إليه.
قراءة الهامش هنا مشروطة بسياق النص ودلالته أو دعمها على الأقل .. ولعل الهامش يشير بشكل جلي إلى إمكانية إعادة الصياغات القديمة، وهذا إلى حد ما يُعَدُّ تطويراً لأليات فهم الحاضر في ضوء الصياغات القديمة، ليس هذا فقط بل تطوير لأليات الفهم للصياغات القديمة نفسها، وهذا كله يصب في خانة ما تؤسس له دلالات النص التي تتجه بنا نحو فهم طبيعة صراع ” القاتل ـ القتيل” ـ هنا ، تحت زيتونة ـ على أنه صياغة قديمة تتجدد، وأنه لا يخص الذات صاحبة الخطاب وحدها وإن كانت طرفاً رئيساً فيه.
ولنا أن نتأمل دلالات ورود كلمتي ( روم ـ المتنبي ) لندرك أن النص يرتاد بنا أفق الماضي موسعاً دائرة الصراع على مستوييّ الزمان والمكان، لا لشي إلا لأنه متسع وفق منطق الذات صاحبة الخطاب، وحسبما توفرت الإشارات الدالة في النص.
إن استخدام مفردة” الروم” لا لتؤدي وظيفتها القاموسية : ” جيل من ولد آدم بن عيص” كان بينهم وبين العرب حروب حُسمت لصالح العرب في لحظات تاريخية سالفة، ولا تشير إلى جنس غير عربي فقط، إنه إشارة إلى عدو غير مسلم وغير عربي، أو بالمعني ليس شرقياً، وهذا من شأنه أن يعطي مبرراً لفتح المجال لتحصيل الدلالة في إطار سياقات تاريخية مشابهة لمثل صراع “القاتل ـ القتيل” تحت زيتونة تشتهي أن تعيش إن لم يكن هو نفسه الصراع القديم المتجدد أو امتداد له.
من جهة أخرى إن الاتكاء على ثنائية “الروم ـ المتنبي” تُعدُّ إشارة ذكية تسعى إلى تعيين العرب والسلمين جميعاً طرفاً في الصراع رغم أنهم غائبون على النحو ما اتجهت إليه الدلالة سلفا في وقفتنا مع الخاتمة.
كيف يُعَـيَّن الغائب طرفاً في صراع ناجز؟ تلك هي المفارقة التي يفاجئنا بها النص في خاتمته وهامشه، أن تكون الأجناب الغائبة طرفاً في صراع، وإنها المناسبة لفتح الدلالة على ماضي الغائبين، ألم نقل: إن خاتمة النص وهامشه فتحاً للدلالة من جديد؟.
 
*******
(2) التناص:
 
التّناصّ: ظهر كمصطلح للمرة الأولى على يد جوليا كريستيفا عام 1966. وهي ترى أن “كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى، وقد “توسعت في تبيين القابليات الإجرائية لهذا المفهوم حين تناولت شعر لوريامون تحديداً، متوقفة أمام عمليات التحوير التي أقامها الشاعر على نصوص عديدة معروفة، بما يشبه “اختطافها” أو تحويلها عن مجراها”.(21)  
وقد تحدث الناقد الفرنسي جيرار جينت في كتابه: (طروس) 1982، عن “التناص” ” لكنه أدرجه في تصنيف منهجي جديد للعلاقات النصية المفارقة، وقد اجملها في خمسة أحوال: الاستشهاد والسرقة، وعلاقة النص ب”عتيبة النص” والعلاقات القائمة بين النص والنص الذي يتحدث عنه، وعلاقات الاشتقاق بين النص والنص السابق عليه ، والعلاقة بالأجناس الأدبية التي يفصح عنها النص ، وهو فهم يؤدي إلى ربط النص بما يحيط به، وبما سبقه ويحدده في آنٍ “. (22)  
وتنحصر أشكال (التناصّ) عند جينيت في نمطين، يقوم أحدهما على العفوية وعدم القصد، إذ يتم التسرب من الخطاب الغائب إلى الخطاب الحاضر في غيبة الوعي. ويعتمد الثاني على القصد والوعي، فتشير صياغة الخطاب الحاضر إلى نصّ آخر، وتحدده تحديداً كاملاً يصل إلى درجة التنصيص. “.(23)
والتناص يستمد مواده من مصادر متباينة، منها ما يتشكل عفواً أو عمداً في الذاكرة بفعل الدراسة والقراءة، أي في المخزون الشخصي الواعي واللاواعي، ومنها ما يتشكل بفعل ظروف حوارية معينة، ومنها ما يتشكل عند التنصيص، ويمكن تسميته “التقميش” أي ما يطلبه الشاعر في صورة قصدية واعية” (24)  و التناص نوعان:” تناصّ داخلي، وتناصّ خارجي: فالتناصّ الداخلي هو حوار يتجلى في (توالد) النصّ و (تناسله)، وتناقش فيه: الكلمات المفاتيح أو المحاور، والجمل المنطلقات والأهداف، والحوارات المباشرة وغير المباشرة. فهو إعادة إنتاج سابق، في حدود من الحرية.. أما (التّناصّ) الخارجي فهو حوار بين نصّ ونصوص أخرى متعددة المصادر والوظائف والمستويات” (25) وعلى ذلك فالتناص في قصيدة ( زيتونة تشتهي أن تعيش) هو تناص خارجي إذ يتقاطع الجزء الأخير من القصيدة مع بيت المتنبي ، كما جاء بالهامش، فيما يُعتبر أن بيت المتنبي هو المصدر التناصي.
 ولعل دراسة المصادر التناصية تعتبر عاملا مساعداً على تعيين مقاصد التناص. ولعل هذا المصدر  التناصي في قصيدة ( تحت زيتونة تشتهي أن تعيش ) من المصادر الطوعية أو الاختيارية التى تشير إلى ما يطلبه الشاعر بنفسه، أما الشكل الذي تبدي به التناص فهو ما يسمى بالاحتياز أو الحيازة ” على أن الحيازة لها آليات مختلفةـ كما يقول شربل داغر نقلاً عن محمد مفتاح : ” جرى الكلام كثيراً عن ” التمطيط ( أي الانطلاق من معنى ما، أو من عبارة، والنسج على منوالها، أو تفريعها أو تطويلها) أو ” التركيز” أو ” الاختصار” ( أي الانطلاق من مواد ما والتخفف من حملاتها، وضغطها وتكثيفها) وغيرها من العمليات التي تصيب عمليات التنصيص ، والأشكال هذه مختلفة ، قد تقوم على استعادة وحسب لجملة ، أو عبارة دون تبديل في مسعى اقتباسي، تضميني …… ومنها ما يقوم على”اختطاف ” الجمل وتحويرها” . (26)  
 
وقد حدد هامش القصيدة التي نحن بصددها المصدر بأنه بيت المتنبي، وإن لم يعنى بإيراد نص البيت:
 وسوى الروم خلف ظهرك روم      =    فعلى أي جنبيك سوف تميل
وهو بيت من قصيدة قالها  المتنبي يمدح سيف الدولة ويشكره على هدية بعثها إليه، وكتب إليه بها سنة 351 هـ من الكوفة إلى حلب. ولو ألحقنا بالبيت سابقه ولاحقه لاتضح لنا غرض المدح:
 
أنت  طول   الحياة   للروم   غاز   ***    فمتى  الوعد  أن  يكون   القفول
وسوى الروم  خلف  ظهرك  روم   ***   فعلى     أي     جانبيك     تميل
قعد  الناس  كلهم  عن   مســاعيـ   ***    ـك  وقامت  بها  القنا  والنصول
 
فيما جاء نص شاعرنا :
(وما كانَخلفكَ، ما زالَ خلفكَ: رُومٌ سوى الرُّوم
قل لي إذن
فعلى أيِّ جنْبَيْكَ سوفَتميْلُ؟!!)
ومن الواضح أن نص شاعرنا إبراهيم نصر الله لم يكن يرمي إلى غرض المدح وخطابه موجه من الذات الشاعرة وإليها، وقد أضاف إلى بيت المتنبي المقطع ” وما كان خلفك ، ما زال خلفك” ليشير إلى الماضي والحاضر، واستخدم ” سوف” لتشمل المستقبل. في حين أن بيت المتنبي ركز على الحاضر وتجدده واستمراره باستخدام صيغة المضارع ” تميل” بيد أن إبراهيم نصر الله أضاف المقطع ” قل لي إذن” لتأكيد استنتاجية استحالة الميل مستقبلاً بناء على معطيات سابقة وردت في نصه.
على أن دراسة التناص لا يجب تتوقف عند مجرد المقارنة والمقابلة التقليديتين بين النص السابق والنص اللاحق، وإنما يجب أن تكون قراءة التناص أوسع من مجرد حصر القراءة اللسانية في حدود النص في ذاته ، أو في عناصره المعدودة والمحسوبة في بنية مغلقة، ” وإنما يفتحها على التاريخ الأدبي، ومنه تاريخ التبادلات في مجتمع ما، أي ظروفه الحوارية”. (27)  معنى هذا أن التناص قابل للقراءة من منظور أنثروبولوجي ، غير أنه قابل للقراءة من منظور إدراكي ” فبعض الدارسين يميلون إلى النظر إلى التناص على أساس إدراكي ، وإلى ربطه بأنظمة سيميولوجية أخرى واقعة في المجتمع، ما يعنى أن النص متعالق مع غيره، وينسج تعييناته في سبل حوارية متعدده، منها مع نصوص سابقة أو مزامنة له، ومنها مع ” مناخات” وجدالات وإلحاحات واقعة في تبادلات المجتمع” (28) والحقيقة إنني أميل إلى التوسع أكثر من هذا في دراسة التناص في قصيديتنا هذه، ذلك لأن كل نص يستدعي سياقه، ومعني هذا أن التناص ـ خاصة الواعي منه ـ يمكن أن يرقى إلى مستوى حواري بين سياقين.
ولعل هذا ما قصده شاعرنا حين أشار في الهامش إلى أن الجزء المقوس أو المقمش من نصه هو إعادة صياغة لبيت المتنبي، وكان بالإمكان الاستغناء عن هذا الهامش دون أن يفقد التناص شكليته، ولكنما المقصودية التي ينبني عليها التناص ترمي إلى تخصيص المتنبي ، في إشارة إلى الشخصية صاحبة النص لا النص وحده، وهو استدعاء له مدلولاته وإشاريته إلى ما حول النص. وما استدعاء الشخصية المنتجة للنص التاريخي إلا استدعاء لسياق إنتاجه، فالمتنبي ليست كلمة مجردة من مدلولاتها التاريخية والجمالية والنفسية، وهكذا يمكننا أن ننفذ إلى الفضاء الذي يحيط بالنصين معاً وهو فضاء معبأ بالسياق الذي يسير فيه النص.
غير أن التعبير ” إعادة صياغة” كان بالإمكان أيضاً الاستغناء عنه دون أن يفقد القارئ هذا الإدراك، ولكن إلحاح الشاعر في التأكيد عليه له مدلوله أيضاً، فكأنه يرمي إلى إمكانية إعادة الصياغات القديمة في الظرف الراهن الذي أنتج فيه نصه، هذه الإمكانية نفسها تفتح المجال لإمكانية فهم التناص في إطار تقاطع سياقات النصوص لا النصوص نفسها، ذلك أن الظرف الراهن هو ما فرض استدعاء النص القديم وليس العكس، وكثيراً ما يقف المرء عند ظرف أو حدث راهن ليقول ما أشبه اليوم بالبارحه وهو يضع في ذهنه ظرفاً قديما مشابها حدث في الماضي، هذا التشابه في الظرف أوالحدث بين زمانين يمكن أن يستدعي نصاً قيل في سياق الحدث القديم ليتم توظيفه في الراهن، ومن هنا يمكننا أن نقول: إن التناص الحادث هنا كان نتيجة لتشابه سياقي الماضي والحاضر في وجه من الوجوه، أو بالمعنى: إن استدعاء النص القديم كان نتيجة لتشابه أو تماثل السياقين مع الإقرار بوجود اختلافات متباينة بالضرورة بين السياقين، إذ لكل منهما استقلاله التاريخي والسياقي. إن هذا التشابه أو التماثل هو ما يمكن أن نعبرعنها بالتقاطع أيضاً، فعندما يتقاطع شكلان ذو سياقين مختلفين في مساحة ما مشتركة، تكون بالضرورة متمماثلة في كليهما، تماماً كما تتقاطع أشكال ” فن ” رياضياً.
ولعل بيت المتنبي يشير إلى تفرد سيف الدولة وحده بهَمِّ محاربة عدو قوي وشرس (الروم) واضطلاعه بمسئولية التصدي لخطرهم في الوقت الذي يتلهي أو ينشغل بقية الحكام العرب والمسلمين عن هذا الهَمِّ، بل إن معظمهم فضل إقامة علاقات ود مع الروم، ولم يكتفوا بذلك بل عاونوا الروم ضد سيف الدولة تودداً إليهم وإتقاء لشرهم، وقد عناهم المتنبي بقوله: “خلف  ظهرك  روم ” ولعل التناص مع بيت المتنبي يأخذ نفس الدلالة هنا في سياق رؤية القصيدة، وكأن التاريخ يعيد نفسه مع تغير المسميات في الواقع العدو (الروم) تغير إلى عدو آخر ( إسرائيل)، والفلسطيني وحده يحمل هم مواجهة هذا العدو الذي يهدد كيان الأمة كلها ليقوم بدور “سيف الدولة ” قديمًا، في الوقت الذي يتلهي حكام العرب والمسلمين عن مسئولية الدفاع إلى إقامة علاقات ود وتطبيع وسلام مع العدو. وكأن القصيدة تنطلق من سمات متشابهة بين الحاضر و تلكَ الحقبة التي عاش فيها المتنبي.
 التناص إذن أدي وظيفته الإشارية والدلالية، ولكن سؤالنا: هل كان ذكر المتنبي استدعاء لشخصيته، أم كان تذكيرًا بنصه؟
ولعل الإجابة الأقرب إلى القبول أن بيت المتنبي له من الشهرة ما يؤهله للقيام بنفسه، فالمتنبي عاش في التاريخ عالة على شعره وليس العكس. ومن ثم فإن استدعاء المتنبي كان مقصوداً لغرض إشاري يدعم الدلالة ويوسع منها.
هناك أسباب لاستدعاء الشعراء لشخصية التنبي أوردها” ثائر زين الدين ” في كتابه “أبوالطب المتنبي في الشعر العربي المعاصر” أهمها : ” ـ النزعة العربيّة التي كان يحملها المتنبي وتجلّت في معظم أشعاره، فقد كانَ كما يُعبّر حسين مروّة: أعظم شاعِر عربي غنّى معاركَ النضال العربي، في زمن كانَ هذا النضال يحملُ أثقالَهُ فارسُ بني حمدان وحده من أمراء العرب.
– لقد كانت الحقّبة التي قُدّرَ لأبي الطيب أن يظهَرَ فيها (وهي القرن الرابع الهجري) حقبة عصيبة من تاريخ العرب، كانت البلادُ خلالها عُرضةً لهجمات الروم الطامعين، وكانت الانقسامات في الداخل شديدة، والاحترابُ على قدمٍ وساقٍ بين الأمراء، بالإضافة للانتفاضاتِ و الثورات المختلفة.
– عادَ المتنبي من الباديةِ إلى الكوفة يحملُ فكرةَ الثورة، سواء لاتصالِهِ وتأثّرهِ بالقرامطة، أو لغير ذلك.لقد عادَ وقد امتلأت نفسُهُ بأمرٍ كبيرٍ يدعوهُ أن “يرى الموتَ في الهيجا جنى النحلِ في الفمِ”، كانَ في ذلكَ الحين على شعورٍ بأنه يحملُ قضية هي أكبر من قضيتِهِ الخاصة، وأن هذهِ القضية ذات صلة بنظام الحكم، أو بالأشخاص الذين يُديرونَ أمر الدولة في وطنِهِ وقومِهِ.
– تميّز المتنبي بإحساسِهِ العميق بتلكَ الصلة الغامضة بين قضيّتِهِ الخاصة …. وقضية مجتمعِهِ من جهةٍ أُخرى بما يعنيهِ ذلك من الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة العامة التي يفرضُها نظام دخله الفساد، أو حكامٌ فاسدونَ مفسدُون.” (29)
هذه أهم الأسباب التي ذكرها “ثائر زين الدين” في كتابه مستعينا برؤي آخرين من الدارسين الذين تناولوا الموضوع ذاته، وقد آثرت أن أورد منها في هذا السياق ما يتفق مع توجهات النص الرؤيوية، ويؤكدها في الوقت ذاته. ، فإذا كان المتنبي وقد أمسى عنواناً لمرحلةِ التجزئة والفرقة العربية، وخنوع الحكام وانصرافهم عن محاربة الروم، و انصرافهم عن معاونة سيف الدولة في حمله هذا الصراع فإن شاعرنا يستحضرَهُ هنا ليصلَ من خلالِ ذلك إلى إدانةِ الواقعِ العربي الراهن كما فعَلَ المتنبي سابقاً.
وإذا كان التاريخ يعيد نفسه، الأمر الذي استوجب إعادة الصياغات القديمة، وإذا كان المتنبي عنوان مرحلته فإن إعادة صياغة بيت المتنبي الآن تستوجب متنبي آخر يكون عنوان هذه المرحلة الحالية .. ليس هذا طموحًا تتغياه الذات الشاعرة، وإنما هو الشعور بحجم وضخامة المسئولية التي يجب أن يضطلع بها الشاعر الفلسطيني عموماً ما دام شعبه هو الممثل لسيف الدولة في معادلة الصراع العربي مع عدوهم.
ولعل هذا الاستنتاج السابق يفضي بنا إلى استنتاج آخر أشد وقعاً، فالمتنبي ـ بكل ما عُرف عنه من نبل وفروسية وتغنٍ بالانتصارات العربية ضد أعداء الأمة، وبكل ما عُرف عنه من ثورية ضد الخنوع وتخلي حكام الأمة عن مسئولياتهم الكبري ـ لم يمت مقتولا بيد أعداء الأمة، بل مات بأيدٍ عربية ( أعداء الداخل) .. لقد عاش المتنبي حياته بفروسيّة، ودفَعَ دمه في النهاية ثمناً لذلك .. ثمة نبرة أسيانة يرددها الشاعر في نهاية قصيدته يستشعر فيها موته، قادماً من الأجناب، وليس فقط من الخلف وقد اكتملت دائرة الحصار:” قل لي إذن
فعلى أيِّ جنْبَيْكَ سوفَتميْلُ؟!!) .          
********
 
 
(3) ـ مضمرات النص:
لاشك وقد توقفنا أمام بعض العتبات والمتعاليات النصية الأخرى كالتناص، وقد تكشفت أمامنا جوانب كثيرة لأبعاد دلالية وؤيوية في هذا النص، يمكننا أن نبدأ في قراءة النص، غائصين فيه نحو أعماقه، متلمسين أغواره ومضمراته على نحو طامح نتغيى أن يكون يكون محققاً لجماليات التلقي من جهة، وفي إطار ما حددناه سلفا من توصيف منهجيّ من جهة أخرى:
1 ـ رغبات:
         يبدأ المقطع الأول من القصيدة  بـ: ” إلى آخر الأرض خذني
يهمس غصن لرفِّ طيور غريب
خذيني يقول السحاب لريح؛ فلا شيء في هذه الصحراء
خذيني يقول الجنون لأغنية عابرة
خذيني فلا شيء في مدن الصمتِ إلا الحقيقة والعقلاء”
من الذي يعلن عن رغبته في هذا المطلع، وممن ينتظر المنح، وماذا يطلب، ولماذا يطلب همساً (يهمس) وعلانية ( يقول) مثل هذه المطالب، وما دلالة هذه المطالب، وانعكاساتها؟ .. أسئلة محورية تواجهنا بداية، يتشكل من الإجابة عنها ما يضمره المطلع، وما يؤسسه من توجه رؤيوي، وما يمكن أن يفتحه من آفاق متسعة نحو دلالات النص الكلية في ارتباطه التأسيسي بها.
من الواضح أن مجمل الرغبات جاءت متمثلة في الفعل ” خذني” أو ” خذيني” وهو فعل متكرر في المطلع يؤكد حرص أصحاب الرغبات على الفرار إلى آخر الأرض بناء على رغبة الغصن، وإلي بيئة أخرى غير صحراوية بناء على رغبة السحاب، وإلى بيئة أخرى غير المدن بناء على رغبة الجنون .هل أول الأرض بيئة غير مناسبة للغصن حنى يعلن رغبته في الفرار إلى أول الأرض؟ وهل دلالة الأول والآخر هنا تنطوى على تحديدات جفرافية حقيقية، أم أنها دلالات مجاوزة لمعناها القاموسي تتخذ من السياق دلالة جديدة؟ أم أن الأول والآخر هنا تعبيرات محايثة تأخذ دلالة استخدامها من تكرار الفعل ” خذيني وخذني” والإعلان عن الرغبة في الرحيل والفرار همساً وجهراً بما يرقى الأمر معه إلى حد الرجاء؟ .. لا شك أن آخر الأرض هنا لا تستدعي أولها في السياق، لأنها مرتبطة بالرغبة في الفرار إلى أي مكان ليس فيه ما ينغص من تجهم  قسوة الصحراء أو حقائق العقلاء ومنطقهم وصمتهم.  ومن ثم فإن دلالتها النفسية هي الأقرب إلى السياق لأنها تأتي في إطار التعبير عن النفور والرغبة إلى الفرار إلى الحياة الحقيقية حتى لو كانت في آخر الأرض.
ومن الواضح أن مجمل الرغبات تنتهي إلى رغبة واحدة رغم تكرار الفعل” خذني” ورغم تعدد أصحاب الرغبات. فالمعلن هو رغبة الجميع في الفرار من أطر مكانية وحضارية متمثلة في إتجاهين ( صحراء، ومدن) وكأن المكان / العالم بحضره وباديته أضحى منفراً وطارداً وغير ملائم للعيش أو الإقامة.
وبتأمل طرفي العلاقة المتحاورين في المطلع نجدهما : طرف يرجو وينتظر المنح وهم الأيمن (غصن ، سحاب، الجنون) ولعل اثنين من عناصر هذا الطرف يمثلان قيماً موجبة، بالنظر إلى دلالة المعاني القاموسية للمفرات، فالغصن قيمة جمالية نابضة بالحياة نامية باتجاه المستقبل واستمرار الحياة، وهي مصدر الزهر والثمر. وكذلك السحاب مصدر الماء / سبب الحياة فوق الأرض، والتساؤل كيف يرتبط “الجنون” بهذا الطرف ؟ هل أضحى ” فقد العقل” قيمة موجبة أيضاً؟ لا شك أن ارتباط الجنون بهذا الطرف يعطيه قيمته الموجبة في السياق.
ولنتأمل كيف يكون “الجنون” قيمة موجبة أو يرتبط بالقيم الموجبة في هذا العالم .. ولنتأمل أيضاً الطرف الأيسر المرجو أو الذي يُنتظر منه العطاء، فهو ( رفُّ طيور غريب، الريح، أغنية عابرة) ولعل الريح تدل على القوة والحركة وهي قيمة موجبة في الطبيعة، ولعل “الطيور” تعطي قيمتها الإشارية في القيم الجمالية التي تنتمي إلى الطبيعة، أما “أغنية” فتعطي أشارتها باتجاه القيم الجمالية التي تمتُّ إلى الإنسان. الإشكالية أن  اثنين من هذه القيم الموجبة في الأساس اتصفا نصِّيَّاً ب(غريب، عابرة) الأمر الذي جعل منها قيماً متنحية وعابرة، ولعل هذا وحده ما يفسر أن يكون الجنون قمة موجبة في عالم أضحت قيمه الجمالية عابرة وغريبة.
ولعل هذه الاستنطاقة تعد مؤشراً رؤيوياً يتجه بنا نحو ملامسة رؤية الشاعر في مطلع نصه، إذ تتجه الرؤية إلى إدانة ما هو قائم بالفعل في هذا العالم من نظام تتنحى فيه  القيم الموجبة وترحل مشمولة بغربتها.
أما أن يصبح الجنون قيمة موجبة كطرف مناقض للعقل، فلا شك أن المتهم في إطار رؤية الشاعر هو العقل الإنساني، وأي عقل؟ إنه أتى مضافًاً إلى “مدن” أي عقل مدني؟ وربما أن رغبة الأطراف في الهجرة والفرار من هذا العالم هي بسبب هذا العقل، وما يمكن أن يخلفه من منطق وحقائق مزعومة مفزعة. أإلى هذا الحد أضحت العقلية المدنية منفرة وباتت الحقيقة في هذا العالم مفزعة؟!
غير أن ” المدن” متصفة ب”صامتة” والصمت هنا أتى في إطار أو سياق الإدانة .. إدانة المدنيَّة الناجزة فوق الأرض( المعاصرة)، أما كون المدن في دلالتها المباشرة فهي صاخبة تعج بالحركة والمركبات والصراع المادي والتغييرات السريعة المتلاحقة، ولكن في إطار سياق النص تأخذ مفردة” صمت” دلالتها في اتجاه الصمت غير الجميل كقيمة سلبية، ترتباط بقيمة مدانة في الأساس.
وعلينا أن نتأمل في هذا السياق جملة ( لا شيء في مدن الصمت غير الحقيقة والعقلاء) أي الموجود وحده في هذه المدن هم العقلاء والحقائق الناجزة، ولنا أن نتساءل: كيف تكون الحقائق مدانة أيضاً؟ هل لأنها حقائق مقلوبة، مفزعة مدمرة، منفرة ؟ لنا أن نسأل ذلك ونحن نلحظ أن الجملة تعطي دلالتها في نفي العقلاء لغيرهم من المجانين أو من غير العقلاء، وهكذا ينقسم العالم إلى عقلاء مرتبطين بالحقائق والمدنية، وغير عقلاء متسمون بالجنون محرومون من تمثيل أنفسهم حقيقة في هذا العالم، وهم على مابدا نصياً ودلاليًا يمثلون القيم الموجبة الباقية في الحياة.
لا شك أن الذات الشاعرة تنحاز لقيم الطرف الراغب في الفرار، رغم الحياد الظاهري لأدوات الشاعر إذ تتخفي الذات الشاعرة تماما في المشهد ولم تمثل نفسها بأي من ضمائرها، ولم تعلن عن موقفها إلا من خلال الكاميرا الراصدة ( السارد المحايد) ، فقد بدأ النص تعبيريًا برصد الأطراف الراغبة في الفرار واحداً واحداً مؤكداً أن ثمة مطالب طبيعية لمفردات الطبيعة والحياة تعلن عن رغبتها في الفرار من محددات هذا العقلية المدنية المعاصرة الصامتة، فلا شك ـ غذن ـ أن الشاعر ينحاز ـ ضمنياً ـ إلى هذه المفردات على المستوى الوجداني غير المعلن في النص إذ الذات الشاعرة متخفية في الأساس وراء أداة راصدة، تنقل الوقائع كما هو ، شأنها شأن كاميرة الفيديو أو شأن السارد المحايد في البناء الروائي، لكنها ستظل وحدها ذاتًا تمتلك إحداثيات الرصد التى جعلت منها طرفاً مساوياً لكل الأشياء المرصودة الراغبة في الفرار . من هذا المنطلق الأخير يتضح انحياز الذات الشاعرة في ارتباطها بالقيم الموجبة الراغبة في الفرار من هذا العالم الذي ينفي العقلاء الآخرين فيه من حق تمثيل أنفسهم ، ولم يعد في مدن الصمت غير العقلاء، وحدهم يسيطرون بمنطقهم، وتوجهاتهم المنفِّرة، ومعهم الحقيقة التى أضحت كذلك منفِّرة وغير مرغوبة، وهم صامتون صمتًا غير جميلٍ  يأتي في إطار القيم السالبة ويرتبط بها.
هل نتوقع أن يكون النص محتضناً رؤية متسعة تبدا باستيعاب واقع حضاري معاصر مباهٍ بعقليته وضميره الميت ومنطقه وحقائقه المقلوبة .. واقع منفَّر بقيمه المدنية اللإنسانية المتسيِّدَِة فوق الأرض؟ وهل نتوقع أن الرؤية الشعرية تتجه نحو إدانة هذا الواقع، معلنة عن نفورها، داخلة في القيم الجمالية الأصيلة سواء الطبيعية أو الإنسانية التى بدأت تنسحب مجبرة من هذه الحياة، والمتعارضه مع النظام الطبيعي والكوني؟
ربما أن هذه الأرضية التي توصلنا إليها صالحة لملامسة الأغوار التحتية لهذا النص الإشاري المتسع على ما يشي مطلعه.
 
*********
وباتجاهنا نحو الأغوار التحتية لهذا النص يمكننا أن نتأمل دلالة الرغبة التالية من هذا المقطع :
خذيني إلى السفح يهمس باب لنافذة
منذ عامين تؤلمني العتبات!
 هذه الجزئية تؤكد أن الباب في الأعلى والنافذة في السفح ، لكأن الوضع مقلوب في هذا العالم وقد أضحت الأبواب في الأعلى تؤلمها العتبات ولم تؤلمها أرجل الداخلين .. هل لأن الداخلين اعتادوا الدخول من النوافذ؟ .. لعل هذه إشارة ذكية في مطلع النص تشف عن رؤية الشاعر للواقع، وهي رؤية تتجه ـ كما سبق ـ نحو إدانة هذه الأوضاع المقلوبة، وغير ذلك من سمات العلم ما نلمسه في الرغبة التالية:” خذيني إلى زرقة ليس فيها انحناء، يقول لقافلة منهكة في الظلام ، النخيل” ولنا أن نتامل ما يمكن أن تكشفه مفردة ” النخيل” في دلالتها على الشموخ الذي يعيقه “الانحناء” على ما لهذه المفردة من دلالات على الانتكاسة والعجز، هو عالم لم يهيأ لاحتضان شموخ النخيل ، هو عالم أيضاً لم يعد مهيأ أو مناسباً للحرية والانطلاق ، هكذا يمكن أن تشير رمزية “العصافير” الراغبة في الفرار من هذا العالم، إذ تعلن عن رغبتها في الفرار إلى شعر طاغور: ” إلى شعر طاغور خذني، تهمس عصفورة فجأة، للصباح”
لدينا في هذا المقطع مفردتان تحيلان إلى الشرق ، هما ” طاغور” و ” المتنبي” في الجملة الشعرية التالية: ” إلى المتنبي تقول الخيول التي علقت في سهول الجراح”.
ولنا أن نتأمل في هذه الجملة الشعرية ” الخيول” ودلالتها، فالخيول تعطي مدلولها في الفروسية، والإنتصارات والأمجاد ، وهي الآن تحن إلى المتنبي كشخصية رامزة إلى فروسية الشعر، وفروسية العرب في الآن ذاته، وإلى فروسيته هو كشخصية عرفت بالإعتزاز الشديد بالنفس، والتغني بالانتصارات، وقد أضحى العصر غير مناسب لاحتضان هذه القيم، وقد أضحت القيم نفسها عالقة في سهول الجراح. ولعل مفردة “السهول” تثير الانتباه أيضاً ، فالخيول لم تكن عالقة في الجبال أو الوعر من الأرض، وإنما في السهول، وهذا يؤكد اتجاه الدلالة إلى ضعف هذه الخيول، وكثرة الجراح، باعتبار أن السهل من الأرض أكثر اتساعاً من الوعر.
إن إرتباط الخيول بالمتنبي، يشير أيضاً إلى قيمة أخرى رمزية في الخيول، فهي في القصيدة تتجه إلى الإنسان لا الحيوان، خاصة إنها ترغب في الوصول إلى المتنبي الإنسان بقيمه الشعرية والإنسانية والحضارية، ومن هنا فإن الخيول التي تشير دلالتها إلى الرفروسية تتجاوز ذلك إلى الفارس نفسه، أي الإنسان العربي الذي تكاثرت عليه الجراح المتوالية، وقد استدارت مزولة الوقت إلى الغرب / صانع الجراح.
 ولنعد إلى  طاغور والمتنبي كرمزين شرقيين يميزان حضارة الشرق قديما وحديثاً، وهي حضارة شاعرة إذ العلمان شاعران، وهما يشيران إلى مضمونين شعريين متميزين ، طاغور في دعوته إلى السلام العالمي وإلى الحرية وإلى الارتباط بالفقراء والبسطاء في وقت كانت بلاده محتلة من الإنجليز، والمتنبي بما عرف عنه من نبل وحكمة وتمجيد للبطولات والفروسية في وقت كانت الحضارة العربية تعاني من ويلات الحروب مع الروم ، كلا العلمين يميزان حضارة شرقية لم تكن تهدي العالم غير نبلها وشاعريتها في مقابل حضارة غربية منفِّرة محتلة همجية تتحكم في مصير الأرض وما فوقها من إنسان بمنطقها المغلوط وضميرها الميت ومحقائقها المقلوبة ، هي وقفة مقارنة تشير إلى حضارتين متناقضتين وربما لهذا أشارت الرغبة التالية : ” خذيني ، يهتف حلم لقبرة لا تحب الضباب” .
ولنا أن نتأمل دلالة “القبرة” كرمز شعري يشير إلى قيم جمالية، وهي تحلم بالشرق أو بقيم الحضارة الشرقية التي تفتقدها في واقع الحال.
ولعل الجملة الرابعة التي وردت في هذا المقطع تشير إلى هذا الإتجاه: ” خذيني إلى ما تبقى هنالك من أبيض / للنوارس يهتف هذا الغراب” فالغراب الأسود وهو رمز شعري وشعبي أيضاً ترتبط دلالته بالشؤم أو التشاؤم يرجو النوارس أن تأخذه إلى الأبيض في الشرق، هكذا يرتبط البياض بالشرق، فيما ارتبط السواد بالغرب، وهنا تتضح الضدية في استخدام اللونين الأبيض والأسود ، وهما ثنائيتان رمزيتان ترتبطان بالخير والشر، يرتبط الخير منهما بالشرق، إذ تعلن جميع الكائنات والأشياء والقيم الجمالية الفرار إليه، بَيْدَ أن الشر ارتبط بالغرب إذ تعلن الكائنات والأشياء الرغبة في الفرار منه.  
ولنا أن نتأمل دلالة مفردة الضباب وما تحمله من رمزية ، فهي تشف عن عدم الوضوح واختفاء الشمس / الحقيقة .. في هذا العلم الضبابي تبرز مفردة الشرق كحلم ترتجيه الكائنات والأشياء، وهي رغبات تؤكد ضجر الكائنات جميعها بالغرب الذي يأتي على طرف نقيض من الشرق الذي يتسم بالشاعرية والنبل والفروسية والتسامح، وإن كانت مفردة “ضباب” أيضاً تشير إلى الغرب ، ألم يطلق على “لندن” عاصمة الضباب؟ . .
هكذا تبدو ملامح العالم الذي يسيطر عليه الغرب مقارنة بما كانت عليه حضارة الشرق التي دمرها الغرب وأقاموا حضارتهم على أنقاضها.
إلى هنا نكون قد تلمسنا مشهداً شعرياً يضم مجموعة من رغبات متوازية نصياً لم يحرص الشارعر على الربط بينها نحوياً، لكأنها تأتي في إطار التعبير عن صورة العالم المشرزم .
وغير ذلك لم يتأكد حضور الذات الشاعرة، وكأن الشاعر قد تخفى وراء كاميرا ناقلة، أو لكأنه أراد أن يكون محايداً في نقل رؤيته مستخدماً أداة محايدة كل مهمتها نقل الرغبات صوتاً وصورة ، لنعي من مجمل هذه الرغبات ما يمكن أن يشير إلى صورة العالم الذي تريد أن تفرَّ منه وصورة العالم الذي تحلم بالفرار إليه.
وإلى هنا نكون قد تلمسنا رؤية شعرية لم تكن تبدأ بالواقع الفلسطيني لاحتضان قضيتها الخاصة قبل أن تتجه صوب العصر وإنسانه وحضارته.
وقد تلمسنا ملامح تلك الرؤية في اتساعها، وسخطها، ونقدها وإدانتها، وسخريتها مما يجري في هذا العالم من عقل وأوضاع وحقائق مقلوبة ومغلوطة، وربما أننا لم نعدم تلمس الجذر الأيديولوجي الذي شكل هذه الرؤية التي تنتمي إلى شرقيتها، مؤكدة اعتزاز شاعرها بتراثه الحضاري الشرقي والعربي، هذه الأيديولوجيا التي تحكم العمل الأدبي هي ما يعرفها أوسبنسكي بأنها ” منظموة القيم العامة لرؤية العالم ذهنياً، وهذا المستوى لا يظهر منفصلاً في بناء النص الأدبي، بل يتخلل أجزاءه العمل الأدبي” (30)
********
2 ـ  ذاهب للقائك
” انتظرني ـ إذن ـ فيَّ “
“إذن” مفردة استنتاجية يترتب ما بعدها على ما قبلها، ولا شك أن رؤية الشاعر ـ على ما سبق الإحاطة بها ـ تستدعي أن ينزوي الإنسان ـ بكل قيمه الجمالية والمثالية ـ  داخل نفسه .. لم يعد الخارج ( صورة العام المعاصر ) صالحاً لاحتضان أي قيمة موجبة، تتعلق بالحياة كما تأملها الذات الشاعرة. ربما لهذا أتت الحوارية الدائرة في المشهد أقرب إلى المناجاة التي يخاطب الإنسان فيها ذاته ، ولعل هذا يؤكده وحدة الصوت المحاور، إذ الصوت الآخر لم يرد طوال المشهد .. وكأن الذات اشتقت من نفسها أنيساً تتجه إليه بالحوار وتفضي إليه، أو كأن العنوان ” ذاهب للقائك ” يكشف عن ذات تبحث عن ذاتها في ذاتها ” خرجتُ صباحاً لكي ألقاك فيك ” ومع مناسبة مفردة ” صباح” ودلالتها على الإشراق والأمل والغدو تأتي جملة ” لم أعد بعد” مؤكدة الضياع واستمرار السعي رغم ذلك، فيما يظل الأنيس المشتق يعبر عن أحلامه شعراً “اجلس هنا واستعرْ دفتري ودواتي واكتب قصائدك الآن” .. هكذا يبدو إعلان الذات الشاعرة عن نفسها في هذا المقطع، كذات ترى الشعر مؤهلا لمعانقة حلمها، بيد أن ” اقرأ كتابي الأخير واقتبس منه ما لم أقله لغيرك ” تشف عن الملكوت الزاخر لهذه الذات بأسرارها وطموحاتها وأحلامها ومكبوتاتها من جهة، ومن جهة أخرى تدعونا إلى تأمل مفردة ” الكتاب”، فالمشهد الذي يسيطر عليه الجنود “قبل خمس دقائق مرَّ الجنود / قبل خمس دقائق كانوا هنا / يعبثون بقلبي / ويستجوبون الهواء لكي يستبيحوا جمالَك ” يستحيل معه أن يكون الكتاب في الخارج وإلا لعثر عليه الجنود الذين يستجوبون الهواء ويفتشون القلوب..إن مفردة الكتاب تشير إلى ما هو منقوش في تلافيف النفس من رغبات تخشى أن تتحول إلى فعل، ولم يعد الفعل حقيقة غير فعل الجنود؛ ربما لهذا تفر الذات إلى الشعر، فيما يذهب أنيسها إلى الموت، لكأن الذات الشاعرة محاصرة من جهتين: بالموت والضياع ، وقد آثرت في لحظة ما أن تضحى بشقها من أجل أن يبقى الآرخر ممارساً قيمه الجمالية ” أنا ذاهب كي أموت مكانك” .. إنها التضحية إذن ، وإنه الموت الذي يبحث عن ضحاياه دون تفرقة، تواجهه الذات وهي ميقنة بموتها من أجل أن تحيا الأخرى الشاعرة.
أية وحدة وأية عزلة إذن يمكن أن نستشفها من هذا المشهد الذي لا تجد فيه الذات غير نفسها للحوار وهي وحدها المعنية بمواجهة الموت وهي الوحيدة المعنية بالتضحيات .. لا شك أن المشهد يتجه نحو الواقع الفلسطيني وتفرده بمعاناته وهمه وحده.
 
*******
 3 ـ سلام :
انتهى المشهد السابق بلحظة تضحية” ذاهب كي أموت مكانك” ، حيث الذات التي اختارت أن تموت فداءِ لذات أخرى شاعرة، وفيما بدا أن بقاء الذات الشاعرة بقاءً مؤقتاً أيضاً في حصار الموت المفروض، والجنود الذين يفتشون الهواء والصدور، وإن كان الأمر يشير أيضاً إلى رغبة الذات في ضمان بقاء احتضان الإنسان لقيمه الجمالية لآخر لحظة في مواجهة آلة الموت، وإن كان بقاءً مؤقتاً إلا أنه رغم ذلك لم يكن بغير تضحيات.
الموت مفروض إذن، والتضحيات واجبة، ربما لهذا ينفتح هذا المشهد على قيم تتعلق بلحظة وداع .. الذات الذاهبة إلى حتفها المحتوم تودع ( تلقي سلام الوداع) على مفردات الطبيعة والمكان .. هي لحظة مشحونة بالشجن، وإن كانت تنم عن فرادة نادرة، أن يذهب المرء إلى الموت طوعاً، وأن يودع أشياءه الأثيرة لآخر مرة ” سألقي السلام على كل شيء لأني فيه” .. ثمة أشياء أثيرة، بعضها يمُتُّ إلى الطبيعة “: الحمام، الزهر ، طائر الشمس، النحل” وبعضها يشير إلى الإنسان ” أطفال، صغار، نساء، الطفولة، الكهولة” وبعضها يمت إلى المكان” الرصيف، المسافة، السماء، الأرض” وبعضها يمت إلى القيم الجمالية والفكرية” الشعر ، النثر” وبعضها يشير إلى الآخر ” قاتلي” وبعضها يشير إلى الآخر الذي يعاونه “صديقي” .الملاحظ أن كل المفردات التي علي الذات أن تودعها محاصرة بالموت، فالزهر يصعد بين فكيّ مجزرة، والحمام يهدل والقط يترقبه، وغير ذلك بدت مفردات تشير إلى قيم إما مسالمة وإما جمالية وإما ضعيفة، وإما بريئة ، وجميعها ثمثل قيم الحياة في صورتها المثلى، وكلها محاصرة بالموت المحتوم والدمار الذي يستشري في أوصال الحياة، وكل ذلك يتم بدم بارد واطمئنان ” قاتلي المطمئن” ولعله اطمئنان يتفق مع قيم المدنية الصامتة المعاصرة ومنطق العقلاء فيها، فيما بدت الذات المعنية بمواجهة الموت وحيدة تحمل وحدها مواجهة الموت وحمل تبعة الصراع، رغم أنها ظاهرياً لا تمتلك ما يؤهلها لمواجهة الشر غير صمودها كنخلة وحيدة في فراغ ” على الأرضِ لا شيءَ فيها تبقَّى / سوى نخلةٍ في فراغٍعميقْ!.
 
4 ـ تأملات:
الذات التي أعلنت عن حضورها في المشهد السابق من خلال ضمير المتكلم في “سألقي السلام ” هي نفسها التي تعلن عن حضورها في هذا المشهد متوقفة أمام كسور وبقايا حياة ” نصف أرض، ثلث منفى، ربع غناء، خمس بكاء، سدس حياة، سبع ردى، ثمن حرب، تُسع سلام ، عُشر مدى” هذه هي مكتشفات الذات التي كانت مهمومة بتوديع مفردات وطنها في المشهد السابق، لكأنها ما صادفت في لحظات الوداع غير هذه البقايا والكسور في كل جهة تتوجهها.. حياة فتات يأتي المشهد مسلطاً عليها عين ساردة، لتنقل مفردات تتعلق بالمكان المفتت، وأشباه الحياة المبعثرة. وهو مشهد بحاجة إلى تأمل، نلاحظ فيه ـ كما في المشهد السابق ـ إحتفاء النص بنقل مفردات المكان والطبيعة والإنسان، وكأن الذات الشاعرة تحاول من خلال أدواتها احتضان المكان وقيم الحياة فيه في لحظات حرجة يكاد يجهز عليها الموت والدمار، في وقت لم تعد فيه الذات مالكة لشيء تدفع به هذا الهلاك؛ فكل ما لديها ” ثُمن حرب” و ” تُسع سلام” ، والمشهد برمته بحاجة إلى تأمل وإن بدا أن كل الأشياء تتأمل بعضها، وكأنها ترثى لحال بعضها في لحظات أخيرة.
ولعلنا لاحظنا ما بين هذا المشهد وسابقيه من إشارة إلى صُنَّاع الموت /الجنود (في المشهد الثاني) و قاتلي المطمئن ( في المشهد الثالث) ، ليضاف إليهم في هذا المشهد ” حرب ” و ” حقول من الموت لا تنتهي” ونتائج ذلك:  ” نساء بلون السواد / يسرن على خط دمع رفيع / ويذبلن قبل الأوان” .
 
6 ـ قناعات:
لعل المشاهد السابقة كانت كفيلة بعرض صورة شديدة الدكنة ترطم العين بالسواد والدماء والأحزان، وقد تبين لنا أن الذات الشاعرة لم تعد واثقة في الضمير العالمي، وهذا هو إفرازها ماثلاً في المشاهد السابقة يتحمله الشعبي الفلسطيني وحده، هل من قناعة لدى الذات يمكن أن تقدمها لنا غير ما نستشفه بأنها رهن الموت، وأن كل ما لديها بقايا وطن يستشرى فيه الموت، وأن الضمير العالمي ماضٍ في أزمته فوق جثث الأبرياء؟!، وأن ما يحدث هو إفراز العقلية الغربية بتوجهاتها الحضارية التي تتسيد بها العالم الآن ؟ .. هل من خيارات لدى الذات الشاعرة غير الكفر بهذه العقلية، وبتلك القيم الحضارية التي تحكم توجهاتها، هل لدي الذات غير اعتناق الجنون كقيمة تبدو إيجابية في مقابل العقل الذي أفرز كل تلك المآسي الإنسانية؟ .. هل أمام الذات غير أن تتمادى في جنونها موغلة باتجاه اليقين؟ أو التمادي في اليقين باتجاه الحلم؟ أو الفرار من اللحظة المميتة باتجاه المستقبل، متعللة بكل رهانات التعلل.. إنه العزاء ـ إذن ـ أن تجد الذات الشاعرة فسحتها في الترامي نحو المستقبل الحالم، أو باتجاه اليقين الذي يتراءى لها.
في هذا المشهد تلعب تقنية الاستباق دورها في استشراف المستقبل البعيد الذي تتلمسه الذات في حلمها، هاجسة بما هو يقين لديها، وإن كان الاستدراك متجهاً نحو التمني؛ لتعلن بصيغ إخبارية” كل شيء كما ينبغي أن يكون !! / ولكن لعل وأعني هنا : / ربما ينقص المرء بعض الجنون!! ” .. نعم إن الاستسلام للحسابات الممنطقة في هذا العالم المعقْـلَن قد توقع في اليأس والإحباط، وما على الذات غير التمادي نحو التبرؤ من كل ما يربطها بهذا الإفراز المعقلن وقيمه الحضارية الكابوسية، إن جنون الذات هنا هو ما يهيئها للحلم بعيداً عن الكوابيس، ويعنى الهجس بالمستقبل بعيداث عن محددات اللحظة الحرجة، وفيما بدا أنها لا تملك خيارات أو معطيات غير هذا .. ربما لهذا أتى المشهد معتمداً على تقنية الاستباق .. تستبق الذات الزمن فارة إلى حلمها بامتلاك وطنها محرراً بعد طول احتلال ودمار، هي لحظة بالغة الشاعرية ـ إذن ـ أن تعانق الذات وطنها محرراً في الحلم، لتعيد بناءه من جديد، وقد أصبح كل شيء سيء ذكرى، و ” الحرب التي اندلعت في ثياب أبينا / وقامة جدنا / ومضت للبعيد محملة ببقايا ابتسامات أطفالنا / تتردد مثل الصدى في الليالي / وفي الفجر نصمت / نتذكر من عاد منها / ولا نتذكر من مات فيها ….. ” وهنالك يبدأ الشعب الفلسطيني تضميد جراحه وإعادة الحياة إلى نصابها، وقد ملأت الأم الفلسطينية عالية الخصوبة أرض الوطن بالأبناء.
مشهد يضمد الجراح ويزرع الأمل ويتنبأ بالمستقبل، فراراً من لحظة الموت وفداحة الإبادة ودكنة المصير.
وهكذا يمكننا أن نسأل: إذا كان جنون الذات / كفر الذات بقيم الحضارة الغربية وعقليتها هو ما أهلها لملامسة مستقبلها المشرق، فما بالنا لو استشرى هذا الجنون في كل ذوات الأرض؟ .. إننا نلمس في هذا المشهد دعوة مفادها: إن المستقبل الأفضل للبشرية لن يكون إلا بالكفر بكل قيم الحضارة الغربية المعاصرة وإفرازاتها.
 
 7 ـ أمومة :
 
“قال لي البيت : “
بهكذا بدأ المشهد، وبملاحظة مجمل ما قاله البيت لصاحبة نجده يأتي في إطار الشفقة والتطمينات وتأكيد الحميمية، وهذا ما وصفه العنوان ب” أمومة” ولأن البيت مذكر كنا نتوقع أن يكون الأمر موصوفاً بالأبوة.. ولكن لأن المشهد كان حافلاً بمفردات الوطن الجميل الذي يحفظ أبناءه مهما كان الخطر، ولأنه يعيدهم أحياء حتى بعد موتهم ـ كما جاء بنهاية المقطع ـ “قال لي البيت لا ترتعد:/ بعد يومين تنهض حيًّا / وإن نمت كالآخرين قتيل! ” من هنا ترتقي مفردة البيت إلى وطن . وكل وطن أم، بل الأم أصل لكل وطن، ومن ثم فهناك تداخل بين دلالة كل منهما.
نهاية المقطع تشي بأن الشعب الذي يترصده الموت عصيّ على الفناء، أو هو كالعنقاء قادر على العودة إلى الحياة من رماد الاحتراق، وربما أن النهاية تعطي دلالتها في الأم الولود التي ـ ومهما ترصده الموت أبناءها ـ فإن بيتها سيظل عامراً بالأبناء، ولعل النهاية ـ أيضاً ـ تعطي دلالتها باتجاه الشهداء الأحياء بعد الموت .. في كل إتجاهات الدلالة نحن أمام تواجد يتسامي فوق موته ويتحداه بتشبثه بالحياة وبقدرته على إنتاج الحياة لا الموت، وبإيمانه بأن الموت الذي يترصده ويستشري فوق ترابه لن يفنيه أبداً.. وبأن الموت الذي يترصد الأحياء لا يعني نهاية الوطن.
الملاحظ في المشهد ـ أيضاً ـ أنه حفل ـ كغيره من المشاهد ـ بإبراز الطرفين النقيضين: صناع الموت، وصناع الحياة ، أو حفل بإبراز طرفي الصراع : الخير والشر .. القيم الجمالية/ قيم الحياة في مقابل قيم الموت والإبادة .. فرأينا احتفاء بمفردات البيت / الوطن : سور، نوافذ ، ضوء الهلال ، زيتونة على كتف التل ، زهر الفل فوق الستائر، الحوش وأشجار السرو، غابة لوز تمتد حتى رؤوس الجبال، بحر أنيس يتعلم الأطفال فيه العوم، بيارة موز، نهر يغني لطفلٍ ، القناديل التى تعلم الناس كلام الشرق… إلخ .. احتفاء وحشد لمفردات دالة على الروعة ، ومشيرة باتجاه حميمية العلاقة بين الذات الشاعرة والمكان، بل دالة في العلاقة الحميمية بين الإنسان والمكان، وربما أن ذلك ما حرص النص على إبرازه: “على كتف التل زيتونة ولدت قبلنا / علمتنا كلام القناديل في الشرق” .
وسط هذه القيم الجمالية ووسط هذه الحميمية والارتباط الجميل المتبادل بين المكان وإنسانه يبرز الشر كالحاُ بقيمه وأدواته: ” يمرُّ الظلام هنا واثقاً كالجنود” ، ” ظل الجنود كظل الرياح ” . إنه تقابل كثيراً ما حرصت المشاهد السابقة على تأكيده، وهو يخلف كل مرة مفارقات يحار العقل فيها .. من هذه المفارقات ” السماء معلقة من ضفائرها تتدلي من السقف” و ” طفل على خشب الصلب ” أو ” إذا رأيت ذراع فتى ـ ليعيد السماء إلى نفسها ـ يتسلق في الليل جذع النخيل” و ” غزالاً يطل من النعش” و ” نجمة تتعثر كالطفل خلف دليل” كلها صور لحياة تعج بالمفارقات ، وربما بالأوضاع المقلوبة، أن تكون السماء رمز الهداية، الحكمة، الديانات ، الكتب السماوية، المنهج الإلهي، معلقة من ضفائرها تتدلى من السقف، هكذا أضحت قيم السماء بالنسبة لصناع الموت والأشرار فوق الأرض، يستهينون بهذه القيم السماوية. ومن ثم ليس غريبا على مثل هؤلاء الأشرار أن ” يصلبوا الطفولة” تماماً كما صلبوا المسيح قديما، هو الشر يعيد نفسه، يترصد البراءة والجمال وقيم الخير ويصلبها مثلما صُلِب أنبياء الله من قبل. لهذا ليس غريباً أن تكون ذراع فتى على إفرادها ـ ورغم الليل البهيم حولها ـ هي من تعيد السماء إلى نفسها.. الفتى لا الساسة أو المصلحون، الفتى لا الجيوش ،الفتى لا الدساتير والقوانين، الفتى بقيمه الشرقية والحضارية .. الفتى بإصرار وشموخ كشموخ النخيل هو من سيعيد للسماء اعتبارها.
ليس غريبا وسط هذه المفارقات أن نري غزالاً يطل من نعش أو نجمة تتعثر خلف دليل، هذا هو الافتراض المستبعد، إجتراح العقل والمنطق، كل ما هو مناقض للفطرة والطبيعة يتحقق على أيدي صناع الموت.
يحفل المشهد أيضاً بما سبق ان حفل به المشهد الأول من إشارة إلى الحضارة الشرقية وقيمها الإنسانية النبيلة ورسالتها السامية، ولنا أن نتأمل ” زيتونة ولدت قبلنا / علمتنا كلام القناديل في الشرق”  ثمة ارتباط بين “كلام” و ” قناديل” والقناديل من شأنها أن تضيء، والكلام من شأنه أن يهدي أو يعلم أو يبلِّغ أو يُفَهِّم ، أو يحْمِل رسالة .. كل هذه المعاني المتضمنة في الكلام حلت محل النور المفترض مع القناديل، ليأخذ الكلام قيمة النور، وكأنه كلام نوراني تختص به الحضارة الشرقية بدأ إشعاعه على الدنيا من هنا .. من تحت الزيتونة الرمز التى تعطي دلالتها غير المباشرة في الأرض الفلسطينية. ومع استخدام كلمة ” الصليب” في النص أكثر من مرة تتضافر الرموز والدلالات باتجاه الرسالات السماوية، وباتجاه الأرض التي شهدت مولد المسيح ورسالته . هذه هي الأرض المباركة التي اختارتها السماء لميلاد الأنبياء والرسل والتي أهدت البشرية رسالات سمحاء نورانية إنسانية .. هي نفسها من يعيث الجنود / صنَّاع الموت فوقها فساداً ودماراُ، وإنهم لنتاج الحضارة الغربية المدمِّرة للإنسان وقيمه وحضاراته.
 
 8 ـ هنا :
محصلة الشر هنا، أو ما يمكن أن نعاينه ماثلاً من أفعال صناع الموت. هي محصلة كانت تتجه إليها الدلالات منذ بداية النص، وربما أنها هدف المسيرة الشعرية أن تنتهي عند المكان ” هنا” حيث تتجسد أمامنا ذات شعرية تشير بإصبعها إلى المكان لتعينه بالقول” هنا” وكأنها تقول لنا: انظروا هنا حيث أشير، وكأنها بعد مسيرة شعرية حافلة باحتضان قيم المكان وتاريخه وإنسانه أرادت أن تعيِّنه وتخصصه أمامنا للمرة الأخيرة؛ لتفاجئنا بالمحصلة، وقد لاحظنا في المشاهد السابقة أن كل مشهد كان ينتهي بخاتمة موتيَّة، تأتي كصدمة أخيرة تلخِّص محصلة الصراع الدائر في كل مشهد بين القيم الجمالية والحضارية التي تخص صناع الحياة أصحاب أصحاب الأرض، وصناع الموت / الجنود الذين يشنون غاراتهم ويعيثون في الأرض دمارًا.
في هذا المشهد الأخير كان مشهد الموت في كل سطر، ليشخص أمامنا طرفي المعادلة: صناع الموت في مقابل القتلى. هذه هي المعادلة التى حرص النص على أن يبرزها كمحصلة أخيرة، وهي المعادلة التى يصمت الضمير الغربي عنها، وهذا هو أفرازه الحضاري.
على أن المشهد حفل بتتبع القتلى واحداً إثر واحد ليخصص المواضع التي يتواجدون فيها ويعينها ويصف ما فيها من قيم جمالية وإنسانية وحضارية، إنه احتفاء بالمكان بحجم الدمار والقتل، ولم يكن الهدف هو إحصاء القتل أو تتبع القتلى بقدر ما كان الأمر تتبعاً لقيم المكان الذي شهد أعمال القتل، فمفردة ” قتيل” جاءت في جميع المواضع نكرة، وكل قتيل في عملية الرصد استوى مع القتيل السابق، لكن المكان كان في كل مرة موضع عناية ووصف، وكانت السمات الإنسانية والحضارية فيه هي التي تبرز كخصيصة تفرق بينه وبين مكان سابق له. 
والملاحظ أن الأماكن التي تم رصدها لم يكن من بينها ثكنة عسكرية أو خندق أوقواعد أو تحصينات عسكرية، بل كانت أماكن مدنيين، والمتواجون فيها في الغالب نساء وأطفال مسالمون أبرياء .. أماكن تشير إلى حياة هادئة عامرة بالجمال والروعة والرغبة في الحياة .. أماكن تحوى قيماً حضارية وعلمية وجمالية، كلها تعرضت لغارات للمرة الألف، حتى أن القتل وصل إلى غرف النوم وتحت الأسرة.
المشهد أيضاً حافل كغيره من المشاهد بإبراز طرفي الصراع كطرفي نقيض: صنَّاع حياة في مقابل صناع موت ودمار، لينتهي المشهد بالسؤال الفاجع المفاجئ : فعلى أي جنبيك سوف تميل؟! وقد عزَّ النصير في الجوار.
وهكذا ينتهي النص دون أن تنتهي الماساة على الأرض .. تلك المأساة التى كان النص معنياً بتفنيد جوانبها على الأرض، وقد أشار إلى جذورها التاريخية والحضارية، فاضحاً الطابع المدمر الشرير للحضارة الغربية، مشيراً في الوقت ذاته إلى تفرد الشعب الفلسطيني بمعاناته وتحمله وحده عبء الصراع ومواجهة آلة الموت والدمار.
*******
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والإحالات :
القصيدة نشرتها وجريدة ” الرأي ” الأردنية في عددها 13977 الصادر بتاريخ 16 يناير 2009م كما نشرتها جريدة “الرياض”  في الخميس 3 صفر 1430هـ – 29 يناير2009م – العدد 14829
(1)    يرجع في هذا إلى:
ـــــ محمد اقبال عروي ـ السيميائيات وتحليلها لظاهرة الترادف اللغوي ـ مجلة عالم الفكر ـ مج 24 ـ ع 3 ـ يناير/ مارس 1996
ــــ عبد الرحيم جيران: ( مفهوم السيميائيات)، الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد1، السنة 1    يناير1988، ص:7؛
ـــــ أنور المرتجي: سيميائية النص الأدبي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،ط1، 1987، ص: 3؛
ــــ مبارك حنون: ( السيميائيات بين التوحد والتعدد)، الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد2، فبراير 1988، السنة1، ص: 8؛
ــــ فرديناند دي سوسير: محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة عبد القادر قنيني، ط1،
1987،أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، ص:88؛

(2) ـ د. معجب العدوان ـ تشكيل المكان وظلال العتبات ـ النادي الأدبي الثقافي ـ جدة ـ الطبعة الأولى 1423 هـ / 2002 م
 
(3)ـ د. حميد لحمداني ـ عتبات النص الأدبي ـ مجلة علامات في النقد ـ النادي الأدبي بجدة ـ مج 12 ـ ع 46 ـ شوال 1424 هـ صـ 8 .
(4) ـ محمد بوغزة ـ من النص إلى العنوان ـ مجلة علامات في النقد ـ النادي الأدبي بجدة ـ مج14 ـ ع 53 ـ رجب 1425 هـ صـ 411 ( بتصرف)
    (5) ـ د. عبدالعال بوطيب ـ برج السعود وإشكالية العلاقة بين الروائي والتاريخي ـ المناهل ـ المغرب ـ العدد 55 السنة 22 يوينيو 1997 ، صـ64
(6) ـ د. شعيب حليفي ـ ( النص الموازي للرواية ـ استراتيجية العنوان) ـ مجلة الكرمل ـ قبرص ـ العدد 46/ 1992 م صـ 82 .
 (7) ـ سعيد الأيوبي ـ عتبات النص في ديوان ” آدم الذي … ” ـ مجلة علامات ـ العدد 18 ـ 2004
 (8 ) ـ د. انطوان طعمة ـ السيميولوجيا والأدب ـ عالم الفكر ـ مج 24 ـع 3 ـ يناير/ مارس 1996 ( بتصرف).
(9) ـ المرجع السابق صـ 209
(10) ـ المرجع السابق ص 209
(11) ـ عبدالجواد خفاجى ـ لحس العتب وسلطة العنوان ( قراءة في رواية لحس العتب لخيري شلبي) ـ مجلة الرواد العدد 11 أكتوبر 2005 ـ صـ 34
 (12) ـ محمد مفتاح ـ عتبات النص ـ المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء ـ المغرب ـ ط1 ـ 1987 ـ صـ72.
(13) ـ محمد مفتاح ـ دينامية النص ـ المركز الثقافي العربي ـ الدار البيضاء ـ المغرب ـ ط 1 ـ 1987\ـ صـ 72 .
(14) ـ د. جميل حمداوي ـ السميوطيقا والعنونة ـ عالم الفكر ـ الكويت ـ مج 25 ع 23 ـ يناير، مارس 1997 ـ صـ 96.
 (15) ـ د. جميل حمداوي ـ مرجع سابق ـ صـ 90 .                                                        
(16) ـ د. خليل الموسي ـ الشعر العربي الحديث والمعاصر ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ سوريا ـ 200 م ـ صـ .
(17) ـ د. هشام العلوي ـ من الخطاب الوامن إلى أوار التخييل ـ العلم الثقافي ـ السنة 31 ع 4 نوفمبر 2000
(18) ـ د. حميد لحمداني ـ عتبات النص الأدبي ـ مرجع سابق ـ صـ8
(19) ـ د. حميد لحمداني ـ المرجع السابق ـ صـ8
(20) ـ محمد بوغزة ـ من النص إلى العنوان ـ مرجع سابق صـ 408 .
(21) ـ شربل داغر ـ التناص سبيلا إلى دراسة النص الشعري وغيره ـ مجلة فصول ـ مجلد 16 ـ    عدد 1 ـ صيف 1997 صـ 127)
(22) ـ السابق ـ ص 128  
(23) ـ محمّدعزَّام ـ النــَّصُّ الغـائب (تجلّيات التّناصّ في الشعر العربي ) ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 2001 م ـ صـ 40
(24) ـ شربل داغر ـ التناص سبيلا إلى دراسة النص الشعري وغيره ـ مجلة فصول ـ مجلد 16 ـ عدد 1 ـ صيف 1997 صـ 133
(25) ـ محمّدعزَّام ـ النــَّصُّ الغـائب مرجع سابق ـ صـ 32
(26) ـ شربل داغر ـ مصدر سابق ـ صـ 139
(27) ـ الساق ـ صـ 142
(28) ـ السابق صـ 142
(29) ـ ثائر زين الدين ـ أبوالطب المتنبي في الشعر العربي المعاصرـ منشورات إتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1999ـ صـ 13   
(30) ـ سيزا قاسم ـ بناء الرواية ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب (مكتبة السرة) ـ 2004 ـ صـ189
 
********
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد