إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحرب والسلام والديمقراطية في زمن العولمة الحلقة الأولى

شريف سالمبقلم: شريف سالم
 
يقول الفيلسوف البريطاني جون لوك :
 
ليس هناك من شيء تستطيع أن تقنع به أحداً بأنه على خطأ, سوى أن تضعه أمام الحقيقة.”
 
هذه محاولة لنفض الغبار المتراكم على بعض خفايا وأسرار نظام العولمة … و لإماطة اللثام عن الوجه الحقيقي لما يسمى بالنظام العالـمي الجديد, لعلنا نستطيع من خلالها أن نضعك عزيزي القارئ أمام الحقيقة… أو نضع الحقيقة أمام عينيك عارية بكل ما تحمله من تفاصيل.      المؤلف
 
تمهيد:
 
مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين واشتداد حمى العولمة بما تحمله من مشاريع ومخططات مشبوهة, شعر العرب والمسلمون على وجه الخصوص بأنهم مستهدفون أكثر من أي وقت مضى وبأنهم أمام تحديات حقيقية وجسام مختلفة تماماً عما ألفوه من قبل. لم يعي العالم العربي والأسلامي في واقع الآمر حقيقة الأخطار التي يمكن أن تنشأ فيما لو نجح أساطين فكر العولمة في تنفيذ تلك المخططات تحت مسمى العولمة أو النظام العالمي الجديد. أمام هذا الواقع , يقفز إلى الذهن سؤال غاية في الأهمية لابد من الاجابة عليه , هل نمتلك القدرة على استيعاب المتغيرات المتسارعة والكبيرة التي ترافق حركة العولمة تلك مع الحفاظ على هويتنا العربية الاسلامية ثقافياً وفكرياً ودينياً واجتماعيا ؟
 
لابد أن نعترف أولاً أننا, كأمة, لا زلنا نرزح تحت نير جملة من الأزمات الحقيقية والمركبة التي تطال كل الجوانب الحياتية في مجتمعاتنا. إن نسبة عالية من أفراد تلك المجتمعات تفتقر إلى الحد الأدنى من الحقوق البشرية الأساسية, إضافة إلى أنهم مغيبين عن المشاركة الحقيقية في صناعة القرار داخل دولهم وكياناتهم. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فان تلك المجتمعات تعاني من أمراض مجتمعية مزمنة كالبطالة والفقر والتخلف بمعناه الشمولي, والتي شكَلت بمجملها بيئة خصبة لنمو الفكر المتطرف الذي بات ينخر جسد مجتمعاتنا التي أنهكتها تلك الأمراض منذ زمن بعيد. فعندما نتحدث عن ظاهرة التطرف في مجتمعاتنا , فإننا بكل تأكيد لا نقصد التطرف الديني فحسب , وإنما التطرف بمعناه الشامل, فانه من غير المنطقي إن نختزل ظاهرة التطرف على جانب واحد فقط , فأمانة القول تحتم علينا الإقرار بأن تلك الظاهرة تعدت هذا الجانب لتشمل الميادين الثقافية والسياسية والاجتماعية وغيرها . لقد أصبح هذا الفكر يشكل أحد المعوقات الحقيقية التي تقف أمام عجلة التطور والنماء لمجتمعاتنا بشكل عام. إن هذا الواقع الأليم قد أسهم آسهما مباشراً في رسم صورتنا التي نحن عليها اليوم , وينبغي أن نعمل على ألا يكون له أي دور في رسم صورة المستقبل لهذه الآمة .                     
 
قد يقول قائل ما علاقة ظاهرة التطرف التي تجتاح بلادنا بحركة العولمة والنظام العالمي الجديد . لا نشك إطلاقا بان السياسات التي وضعتها الدول المتنفذة في هذا العالم والتي أسست القواعد العامة للنظام العالمي بشكله المطروح حالياً والقائم على سياسات التجهيل والتفقير والهيمنة والسيادة المطلقة لتلك الدول على باقي شعوب الأرض , قد أسهم إسهاما كبيراً في توسيع الفجوة بين الشرق والغرب , الآمر الذي رفع درجة الشعور بالخوف لدى العديد من تلك المجتمعات الضعيفة على مستقبلها ومستقبل أفرادها , لذلك فقد وجدت العديد من الفئات والمجموعات داخل تلك الدول في التطرف وسيلة للدفاع عن دولهم وكياناتهم ومكتسباتهم .                                                             
                          
منذ القرن السادس عشر وما دون, كان العالم يمر بمرحلة من التعددية القطبية إضافة إلى تعددية حضارية فريدة, بعيدة كل البعد عمّا ’يعرف اليوم بصراع الحضارات. فمعظم الصراعات التي شهدتها تلك المرحلة كانت لا تتعدى البحث عن تحقيق بعض الأهداف السياسية المحدودة . ما من شك إن هذا الوضع قد أسهم في خلق مناخ عالمي استمتع فيه الناس بحالة من الاستقرار النسبي مما ساعد بالتالي على سهولة التبادل الحضاري والمعرفي بين الأمم , حيث كان ذلك من أبرز السمات التي ميزت تلك الحقبة عما تلاها من حقب تاريخية حتى يومنا هذا . لقد اختلف الآمر تماماً بعد الحرب العالمية الثانية, فلم يعد العالم ينعم بتلك الميزة, واتسعت الفجوة بين سائر الأمم والشعوب بشكل لم يحدث من قبل, حيث أصبح تأثير حضارة الغالب على المغلوب واضحاً تماماً بشكل لم يسبق له مثيل.
                                                         
مع بداية القرن الماضي , بدأ نجم الولايات المتحدة الأمريكية بالظهور كدولة عظمى , حيث ما لبثت أن دخلت ساحة صراع الجبابرة لفرض نفوذها وسيطرتها على العالم مع بعض الدول الاستعمارية الأخرى كبريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي آنذاك . ما من شك أن السياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في الحربين الكونيتين وما بينهما, إضافة إلى الظروف الدولية التي كانت تسود العالم في ذلك الوقت, كان لهــا الدور الأكبر في بلورة حجم ومكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى على الساحة الدولية فيما بعد . لكن هذا الدور وتلك المكانة ما كان لهما أن يكتملا بوجود بريطانيا على وجه الخصوص , كقوة استعمارية كبيرة ذات نفوذ في معظم أرجاء العالم, فكان لا بد من تقليم مخالبها بشتى الطرق والوسائـل لرفع يدها عن بعض الدول النامية التي تمثل مناطق نفوذ إستراتيجية في غاية الأهمية للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي الذي كان يشكل الخطر الأكبر أمامها آنذاك , إضافة إلى أن تلك الدول كانت ولا زالت تشكل أكبر مصادر الطاقة والثروات الطبيعية في العالم .
                                                                 
لقـد أدركت الولايات المتحدة مبكراً أن الحفاظ على مكانتها ودورها الدوليين مرتبطان ارتباطا وثيقا بالسيطرة على هذه المناطق من العالم , لهذا فقد لجأت إلى تطبيق مبدأ الإزاحة الفيزيائي مع أقرانها في النفوذ السيطرة الاستعمارية , فكان من الطبيعي جدا أن تتمدد وتفرض نفوذها على كل بقعة تنال شرف التحرر من نير الاستعمار لتجد نفسها أمام احتلال من نوع آخر لم تعرفه في الماضي , والمتمثل في السيطرة الاقتصادية والهيمنة السياسية على مقدرات الشعوب ومصائر الأمم .
                     
بهذا الشكل تقلص النفوذ الاستعماري لبريطانيا العظمى وباقي الدول المثيلة ليتقلص معه الدور الذي كانت تضطلع به على مدى مـئـات السنين . تجدر الإشارة هنا إلى أن عملية تحرر الشعوب من نير الاستعمار التقليدي التي شهدتها كثير من دول العالم مع مطلع العقد العاشر من القرن الماضي , لم تطبق على بعض المناطق العربية المحتلة وخصوصا فلسطين التي حلت القوات الإسرائيلية محل القوات البريطانية في عملية تبادل استعمارية فريدة من نوعها في العصر الحديث , حيث لا زال الوجود الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة يشكل الاحتلال العسكري المباشر والوحيد في هذا العالم ثم تلاه حديثا احتلال القطر العراقي الشقيق من قبل القوات الأمريكية وحلفائها .                
 
لقد شكلت نهاية الحرب العالمية الثانية والنتائج التي ألت إليها منعطفا تاريخيا غيّر مجرى الأحداث برمتها حيث ساهمت في رسم خارطة سياسية جديدة للعالم , وانقسم العالم إلى قسمين آو ربما إلى ثلاثة أقسام وأفرزت وجه جديد من أوجه الصراع بين الشرق والغرب ,عُرف فيما بعد بالحرب الباردة , والتي استمرت بضع عقود من الزمن , تشكلت على أثرها التكتلات السياسية والأحلاف العسكرية وكان أشهرها حلف شمال الأطلسي المعروف بحلف (الناتو) , حيث ضم هذا الحلف معظم الدول الغنية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وتبنى النهج الرأسمالي , ويقابله على الطرف الآخر ما كان ُيعرف بـ (حلف وارسو) والذي ضم بعض الدول الفقيرة نسبيا وتبنى النهج الاشتراكي و كان بزعامة الاتحاد السوفييتي آنذاك.                                                                                      
 
عندما احتدم الصراع بين الحلفين للسيطرة على مراكز النفوذ في العالم , كان من الطبيعي أن تجري جل الصراعات بين هذين المعسكرين , إن لم نقل كلها , في بلدان العالم الثالث الأكثر فقراً وضعفاً . لقد وصلت حدة الصراع بين هذين العملاقيين النوويين الكبيرين , في كثير من الأحايين إلى نقطة الالتحام العسكري المباشر , ألأمر الذي وضع العالم برمته على شفير حرب كونية في مناسبات عديدة , لو قّدر لأحدها أن تقع ما كانت لتبقي ولا تذر , سيما وأنهما يملكان أكبر ترسانتين نوويتين في العالم . الجدير بالذكر أن قيام هذين الحلفين لم يرتكز على أسس ثقافية وحضارية أو حتى عرقية , بل أقتصر على عوامل سياسية وأيديولوجية بحتة , الآمر الذي أدى بشعوبهما إلى طرح السؤال الكبير ” من نحن وما هي هويتنا ؟” لقد كانت نتيجة هذا الطرح واضحة للعيان بعد انهيار المعسكر الشرقي عندما تفتت إلى دويلات عرقية ودينية مختلفة .
 
في خضم هذا الصراع, قامت بعض الدول الصغيرة والتي كان معظمها من دول العالم الثالث, بتشكيل تجمع سياسي عُرف فيما بعد باسم (دول عدم الانحياز). كان الهدف من وراء إقامة هذا التجمع هو المساهمة في تخفيف حدة التوتر الدولي وحل الخلافات الدولية بالطرق السلمية لتجنيب العالم ويلات أي التحام عسكري محتمل بين القطبين الكبيرين. وعلاوة على ذلك, فقد كان هذا التجمع بمثابة إطارا سياسيا للدفاع عن المكتسبات السياسية التي تحققت لهذه الدول بعد الحرب.
 
إننا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن هذا التجمع (دول عدم الانحياز) لم يكن له نصيب من اسمه إلا ما ظهر منه , ففي واقع الآمر كانت هناك بعض الممارسات المخالفة لمضمون الشعارات التي كان يطرحها ويناضل من اجلها هذا التجمع , فمعظم الدول المنتسبة إليه كانت منحازة لأحد الحلفين بطريقة أو بأخرى , مما كان له أكبر الأثر في إضعاف الأهداف والتوجهات التي وُجد أصلا من أجلها , وكان السبب الرئيس وراء مغادرته الملعب السياسي مبكرا .                                                
 
بقي الحال على ما هو عليه فيما يتعلق بالصراع على مراكز النفوذ أثناء الحرب الباردة , باستثناء بعض القفزات التي كانت تحسب لهذا الطرف أو ذاك , ولكن في مجملها لم تكن ذات أهمية لتحسم الحرب لصالح أي من المعسكرين اللدودين , إلى أن جاء ميخائيل غوربتشوف إلى رأس السلطة في الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات من القرن الماضي , حيث قام بحركة إصلاحات جذرية في المجتمع السوفييتي شملت مختلف القطاعات المجتمعية فيه ُسميت بـ (البروستوريكا) الروسية وكان من نتائجها المباشرة انهيار الاتحاد السوفييتي وتقسيم منظومته إلى دويلات مستقلة وانتهى بذلك حلف وارسو الذي كان يشكل كابوسا يجثم على صدر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لعقود من الزمن . لست هنا في معرض مناقشة الأسباب الحقيقة التي أدت إلى هذا الانهيار التاريخي الكبير لأحد أكبر الأحلاف العسكرية التي عرفها التاريخ , ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الرجل ”غوربتشوف” قد قدم خدمة تاريخية للولايات المتحدة وحلفائها لا تقدر بثمن , وبالتالي حقق لهم هدفا غاليا أمضوا عقودا طويلة من العمل الشاق والمضني لتحقيقه إضافة إلى المليارات من الدولارات التي أهدرت في ماراتون سباق التسلح
 
 

يتبع في الحلقة القادمة / الولايات المتحدة و أوروبا                                                                             

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد