إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حسام يبحث عن الحب

حسام يبحث عن الحب
 
بقلم: نبيل عودة
 
 
 
حسام مأزوم. صار عمره 23 سنة ولم يتعرف بعد على فتاة تحبه ويحبها.. الشوق يتفجر في قلبه.. وبات التعرف على فتاة شغله الشاغل. أخوه التوأم يغير كل أسبوع صديقته ويختار أخرى جديدة.. دائماً تلفونه الخلوي رنان.. يختلي في غرفته وترتفع ضحكاته… ودائماً يحدثه عن مغامراته، مما يثير الغيرة في نفسه والحسرة في قلبه.
 
كاد حسام يصاب بالجنون. كلما اقترب من فتاة تعطيه ظهرها… تجرأ مرة مع فتاة أعطته ظهرها. قال:
 
-       الوجه جميل ولكن الظهر يأخذ العقل.
 
فالتفت إليه وصفعته صفعة من القوة حيث استمر رنينها في أذنه ليوم كامل.
 
كان يخجل من مفاتحة أخيه بتياسته في الوصول إلى قلب فتاة، وبما انهما توأمان متشابهان بالشكل وكأنهما نقطتا ماء، فكر أن يقترح على أخيه أن يتعرف هو على فتاة، ثم يستبدلان الأدوار، ولن تعرف أنها مع الشق الثاني من التوأم، وليس مع الشخص الذي سبى قلبها.
 
تردد وخاف من عواقب أفكاره… ثم حسم أمره وتردده وخجله واعترف لأخيه بمشكلته في الوصول إلى قلب فتاة واحدة، سيخلص لها كل العمر…
 
-       أنت تعشقها بالكلام وأنا أعشقها بالفعل…
 
-       ما هذا التخريف يا حسام؟ أنا لن أقبل لك هذا الوضع.. أنت لا تختلف عني.. لا ذكاء ولا علماً ولا شطارة..
 
-       أكاد أطق.. لا أعرف كيف أتصرف، وبتُّ أجفل من صفعة جديدة.
 
-       لا عليك يا أخي.. سأرشدك لأساليب تكفل الوصول لهدفك.. وبعد أول مرة ستجد الطريق مفتوحة مثل الاوتوسترادا السريعة…
 
-       كيف..؟
 
-       إذا التقيت بفتاة ضعيفة الجسم، يجب أن تهتم بثلاث نقاط أساسية. أولاً امدح نحافتها الرائعة، وقدرتها في الحفاظ على جسم متناسق تتمناه عارضات الأزياء… بعد ذلك اسألها عن عائلتها، لتفهم انك جاد لا مجرد مغامر يريدها لنزوة.. وثالثاً لتُظهر لها اتساع ثقافتك وأنك كامل العقل، تحدث حول الفلسفة.. أما إذا كانت ممتلئة، أو تميل إلى السمنة، فهي بالتأكيد تحب المأكولات الجيدة والدسمة، وهذا يعني أن تسألها عن الطعام والمأكولات الفاخرة التي تحبها، مثلاً دجاج محشي، رقبة خروف محشية، قص خروف محشي، محمر، مسخن، مشاوي، وكل ما يخطر على بالك من الأكل الفاخر.. ولا تنسَ بعد ذلك أن تسألها عن عائلتها لتفهم انك تهتم بها وتفكر بها جدياً.. وانهِ اللقاء بالحديث عن الفلسفة لتفهم انك مثقف واسع الاطلاع.. وأعتقد انك أشطر مني في هذا الموضوع. وسترى انك بارع وساحر للجنس اللطيف..
 
سجل حسام الملاحظات على ورقة ثم دسّها في جيبه ليحفظ تفاصيل الخطط للوصول إلى قلب فتاة أحلامه.
 
وخرج للصيد…
 
من بعيد لمح فتاة ضعيفة الجسم، تنطبق عليها المواصفات الأولى..، قرأ ملاحظاته في الورقة وتمتم مردداً: “جسم عارضة أزياء، عائلتها والفلسفة”.
 
اقترب منها. نحافتها شديدة لدرجة أن عظم صدرها يكاد ينجلي. لا بأس.. التغذية ستحسن حالها.. وباشرها بدون مقدمات:
 
-       مرحبا
 
-       مرحبا
 
-       ردت عليه باستغراب.
 
-       هل تحبين أن تكوني عارضة أزياء؟
 
-       لم تفهم عليه، ولم تفهم ما يريده منها.. فلم ترد.
 
-       هل تعيشين مع والديك؟
 
-       والداي توفيا.. وأعيش في ملجأ؟
 
-       كيف تفسرين القانون الفلسفي تحول الكم إلى كيف في حياتك العملية؟
 
فصفعته صفعة جعلته يشعر أن خده الأيمن انتقل إلى الشقة اليسرى من وجهه، وابتعدت عنه غاضبة تثرثر بشيء لم يسمعه لأن رنين الصفعة يدوي مثل ضجيج طائرة في أذنه.
 
عاد إلى البيت خائباً باكياً، أخرج كيس ثلج من البراد، لفه بفوطة، ووضعها على خده ليبرد حرارة الصفعة وحرارة الخيبة…
 
مساء اليوم التالي استعاد ثقته وتصميمه.. وانطلق بقرار مسبق أن يبحث عن فتاة ممتلئة، وحتى لو كانت تميل إلى السمنة..
 
بحث ووجد ضالته… فتاة في جيله كما يبدو، تجلس أمام طاولة في مقصف وتلتهم البوظة بشراهة واضحة.
 
اشترى حبة بوظة واقترب منها…
 
–       البوظة رائعة وشهية.. أليس كذلك ؟
 
التفت إليه ولم تعره اهتماماً… واصلت التهام بوظتها.
 
-       آنستي الرائعة… هل تحبين أكلة أل… أل..
 
غابت أسماء المأكولات الفاخرة عن ذهنه وكان من المعيب والمهين له أن يخرج ورقة الملاحظات من جيبه أمامها.. وبقوة، تذكّر ما أعدّته والدته للغذاء اليوم، فعاد يسأل:
 
-       هل تحبين أكلة المجدرة؟
 
نظرت إليه والبوظة تملأ فمها مما منعها عن النطق، ولكن إشارات ضحكة كبيرة تبصبص من عينيها.
 
-       المجدرة يا آنستي مع فحل بصل وزيت زيتون، أكلة رائعة، لا شك انك تحبينها.. ها..؟
 
نجح أن يجعلها تبتسم ابتسامة كبيرة.. بل تضحك بصمت غير قادرة على بلع البوظة أو الضحك بصوت مرتفع.. خوفاً من التشردق بالبوظة. غمرته السعادة والنشوة انه على طريق الملك.. ها هي تبتسم، بل تضحك سعيدة، وما هي إلا خطوة صغيرة أخرى حتى تكون برفقته في جولة داخل الحديقة القريبة، يتبادلان الحديث عن عائلتها والفلسفة.
 
-       أمي تطبخ مجدرة ممتازة، كل من ذاق مجدرتها يقول أنها أحسن طباخة مجدرة في الحارة. مثلاً جارتنا التحتا تقول أنها أفضل طباخة مجدرة في المدينة كلها، وجارتنا الفوقا تقول أنها أحسن طباخة مجدرة في الدولة كلها، وخالتي التي تسكن بقربنا تقول انها أفضل طباخة مجدرة في العالم، ولكن أمي تقول لهم ببساطة أنها أحسن طباخة مجدرة في هذه الحارة.
 
ارتفع ضحك الصبية بعد أن التهمت ما تبقى من بوظتها.. وكانت تضحك دون قدرة على التوقف.. وعيناها تدمعان سعادة، وهو منفعل ويسوق الحجج عن شطارة والدته في إعداد المجدرة.. التقطت أنفاسها وسألته وهي تهتز من الضحك:
 
-       هل تريد أن تحدثني عن شيء آخر غير المجدرة؟
 
-       هل لديك أخوة ؟
 
-       لا أنا وحيدة.
 
-       لو كان لديك أخوة، هل كانوا سيحبون المجدرة..؟
 
أمسكتها نوبة ضحك قوية جديدة، لدرجة أن وجهها احتقن من الضحك الشديد وعدم قدرتها على التقاط أنفاسها. هذا أسعده وأشعره انه سيد الموقف وفارس العشاق. قال لنفسه: “حان وقت الفلسفة”.
 
-       آنستي الرائعة.. هل تعرفين الفرق بين ديالكتيك هيغل وديالكتيك ماركس؟
 
انفجرت بنوبة ضحك لم تكن متوقعة من سؤال فلسفي بكلمات معقدة لم تسمعها بحياتها. وخبطت بيديها على الطاولة وهي في نوبة ضحكها ملفتة نظر جميع رواد المقصف.. كانت تحاول أن تقول شيئاً لمن يجلسون على الطاولة المجاورة.. ولكن الضحك الشديد يمنعها، وعندما هدأ ضحكها بعض الشيء، التفتت للطاولة القريبة ونادت أحدهم:
 
-       سعيد.. تعال ابعد هذا المجنون عني.
 
 
 
الحمد لله.. عاد إلى البيت هذه المرة بدون صفعة!!
 
 
 
نبيل عودة – كاتب وناقد وإعلامي فلسطيني
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد