إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

خطاب إلى رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين نحو مستقبل أفضل للاتحاد

السيد يوسف شقرا رئيس الاتحاد المحترم:
لقد ألح علي الأصدقاء في ضرورة انتسابي إلى الاتحاد، وكان من جملة الدواعي إلى ذلك أني كاتب خصب، ولي مؤلفات ومعروف نسبيا في المشرق بسبب ما كتبته من مقالات في مجلاته المحكمة ، وما نشرته من مقالات كذلك في منتديات الأدب في العالم العربي ، ثم أنني حصلت على جائزة الاستحقاق من دار ناجي نعمان ببيروت عام2008 وقبلها جائزة القصة القصيرة عن اتحاد الكتاب العراقيين عام2007 وأخيرا اختيار قصتي:طيور الشمال من بين أفضل النصوص التي قدمت إلى دار نجلاء محرم بالقاهرةسنة2009،وكنت قبلا أتحجج بكثرة المهام وأتعلل بالأسفار نظرا لوظيفتي كمفتش للتربية الوطنية ، وأتهرب ولكن إلحاح الأصدقاء هذه المرة حال بيني وبين الهرب بعد أن قبض علي متلبسا بتهمة المشاركة في لجنة التحكيم لمسابقة شعرية على الأثير نظمتها مديرية الثقافة في المدينة التي أقيم بها برج بوعريريج وكان هذا دليلا ماديا على نشاطي وأحسبها تغالي وتهبني من النعوت ما أحسبني لست جديرا به .
لقد صرت عضوا عاملا بالاتحاد – كما قيل لي – والسيد رئيس الاتحاد ختم بختم الاتحاد بطاقة العضوية وأمضاها في فندق الترقي بمدينة برج بوعريريج أثناء زيارته لها في رمضان للاجتماع بأعضاء المكتب الولائي- ولم أكن حاضرا هناك- وسمع ثناء علي كما تناهى إلى مسمعي.
لقد كنت قبلا أرفض الانتماء إلى أي تنظيم سياسي أو ثقافي في البلد لأني أعتقد أن المثقف الحقيقي لا يمكنه السعي إلى جمع البطاقات والجري وراء الاجتماعات لأنها تصرفه حقا عن ما يمارسه من فعل وما يؤمن به من قناعات فكرية فضلا عن الانزلاق الأخلاقي-لاقدر الله-
السلطة في عالمنا العربي عبر تنظيماتها لا تسعى إلا إلى الابتزاز والمساومة،والثقافة كما تفهما وترعاها هي ثقافة المباركة والتهنئة، وأنت بين خيارين :أن تصطنع موقف ابن باجة في تدبيرالمتوحد وموقف أبي حيان في مثالب الوزيرين، وابن الرومي في ديوانه العظيم ،أو بين موقف أبي العتاهية في مدح الخليفة وشوقي في الثناء على الخديوي، الأول موقف إنساني كان له تبعاته وتضحياته، والثاني أملته ضرورات العيش والتطلع إلى مباهج الدنيا وطيباتها على حساب العامة والرفاه الحقيقي في التقدم والنهضة للأمة برمتها وذلك يمر حتما بالمعارضة والمغالبة والمطالبة عبر لا وليس نعم.
ثم أن التنظيمات في عالمنا العربي خاصة السياسية ليست إلا كالطحالب التي تنمو في جوار المنهل أو كذباب اللحم الذي يستمد مبرر وجوده من العيش على قطعة اللحم الميتة لكن التنظيمات الثقافية تعرف جيوشا من الأدعياء وللأسف حولوا الثقافة إلى خادم للسلطة في سبيل إشباع الحاجات الخاصة،تماما كما تحولت المؤسسات الدينية إلى أجهزة تأتمر بأمر السلطة وتوظف الدين لتكريس الواقع وتجد له السند في النصوص المقدسة
إنه نوع من المورفين يحقن في الوريد ، وعالمنا العربي بحاجة إلى غسيل مخ وإلى إعادة صياغة للمفاهيم فالعالم ليس الذي يقارع الطبيعة بلغتها أي قوانينها المتحكمة فيها لفهمها والاستفادة منها في الزيادة من رفاهية البشر أو فهم الظواهر البشرية والفكرية والروحية بروح الحياد والموضوعية للوصول إلى الحقائق التي تزيد من معرفة بأنفسنا ومحيطنا، بل العالم هو الذي يحسن الكلام بصوت جهوري ويتمثل بالإشعار ولا ينضب معينه.
ولتذهب رفاهية الشعب وتقدم البشر ونهضة الإنسان إلى الجحيم! وما أكثر ما نصطدم بمؤلفات استهلكت ورقا وجهدا ومالا بلا فائدة ، والأدهى أن الجامعات تحولت إلى أوكار للكساد والعجز والعته والاستنساخ- ليس الجيني – بل الورقي، دراسات مستهلكة لا تخدم المجتمع ولا الجامعة ولا الحياة وتمنح عليها الشهادات العالية لتتكرس الرداءة ويستمر المجتمع في سباته الطويل.
لقد كتبت مقالا طويلا عن الثقافة والمثقف نشرته منذ عامين تقريبا وهو في كتابي “وهج الأربعين” عنوانه :عراف البراري أو:الصورة السلبية للمثقف في الشعر الحديث وكان في جملة ما أتيت به من شعر لرسم هذه الصورة لهؤلاء الأدعياء قول عبد الوهاب البياتي في قصيدة ” مهرج الملك”:

يداعب الأوتار
يمشي فوق حد السيف والدخان
يرقص فوق الحبل
ينثني مغنيا سكران
يقلد السعدان
يركب فوق متنه الأطفال في البستان
يخرج للشمس إذا مدت إليه يدها اللسان
يكلم النجوم والأموات
ينام في الساحات

لقد كنت أرفض الانضمام إلى الاتحاد لهذه الأسباب وكنت اعرف أعضاء ليس لهم مؤلفات-لا مطبوعة ولا مخطوطة- ولكنهم أعضاء وأكاد أشعر بالغثيان وأنا أرى أن الاتحاد صار يكاثر بعدد منخرطيه وليس بنوعيتهم
ومدى جديتهم وإسهاماتهم ،هل هي الشعبوية ، تماما كالتنظيمات السياسية المساندة؟
وشيء آخر آلمني وحز في نفسي كثيرا أن يبارك الاتحاد الانتخابات الرئاسية فهذه قاصمة الظهر،.متى كان المثقف والسلطة على وفاق؟إن الكوجيتو الديكارتي الذي ينص على أن الوجود الحقيقي هو في الفكر صار بالنسبة للمثقف في عالمنا العربي المتسم بكل سمات النقص والضحالة والعبثية هو الرفض” أنا أرفض إذا أنا موجود”.
إن محبتي للقلم واعتزازي بجهدي المتواضع وتوسمي المستقبلي في عطاء صغير وإيماني بجدوى الفكر وأسبقيه المثقف على الحاكم وتحميل المثقف مسؤولية الوضع الذي نعيشه والحضيض الذي صرنا إليه، هو الذي دفعني إلى إبداء موقفي الفكري ورؤيتي للقضايا فانا أفكر بصوت مسموع.
إن مصداقية الاتحاد وجدواه تمر حتما بمراجعة ونقد ذاتي لبتر كل الزوائد والأورام في سبيل عافية الجسد ومن ثمة قدرته على العطاء.
ينبغي أن يصير الاتحاد محل احترام الرجل البسيط في الشارع والقارئ المتصفح لجريدة وهو يقرأ خبرا عن الاتحاد ومحل خوف السياسي وقلقه الدائم وهي في رأيي المحك، وإلى أن يصير ذلك نظل نحن الأصوات المرتجفة المتدثرة بزمهرير الليالي أمام ركام الأكفان والجثث المكدسة

نحلم ونحلم إلى أن يصير الحلم حقيقة فمتى نصبح على حقيقة؟
ولا يسكننا الذي سكن روح الشاعر خليل حاوي ذات مرة فدمر ذاته:
في جبال من كوابيس التخلي والسهاد
حيث حطت بومة سوداء تجتر السواد
الصدى والظل والدمع جماد !
محبتي الخالصة

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد