إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

رشاد أبو شاور – عاشق مسافر

 

أصدرت دار الشروق للنشر والتوزيع مجموعة قصصية للكاتب والصحفي الفلسطيني الكبير رشاد أبو شاور. الكتاب يحمل عنوان “سفر العاشق” ويقع في 176 صفحة ويحتوي على 28 قصّة وتجربة ذاتية عايشها الكاتب ما بين عاصمة وأخرى. فتارة نجده في إحدى الجزر اليونانية ثمّ يطير لبراغ ليهبط في عمّان .. وهكذا. لكننا نشعر طِوال هذا الترحال بقلب الكاتب ينبض، يمارس الحياة بكلّ طقوسها، يعشق يستشعر الجمال في عينيّ امرأة، في خطوها وحضورها الأنثويّ الطاغي. هذا الرجل الستّيني كما يقول الكاتب في إحدى قصصه لا يتوقّف عن قنص ما تجود به الحياة، بل يمضي لأبعد من ذلك. يفتح أمام أعيننا الباب على مصراعيه لنرى الحياة بعينيه الثاقبتين، ولندرك بأنّ أبعاد النضال إنسانية خالصة، فيضخّ الحياة في قلب صخرة أدماها الرصاص، فتموت الصخرة ليحيا مناضل وعاشق. أينما فتحت الكتاب ستجد قلباً ينبض. عازفة البيانو والغجرية السمراء ذات الشعر المتمرّد وحبيبة الطفولة التي تظهر دون سابق إنذار لتوقظ ذكرى أصابها خدرٌ لكنّها لم تمت. رشاد الرجل يتبعثر، ومن برأيكم قادرٌ على بعثرته؟ امرأة جريئة تجاوزها فقررت أن تبعثره لتجمع شتاته مجدّداً، ورشاد الإنسان لن يمانع في ذلك لأنّه والحياة بكافة تفاصيلها وجموحها على موعد.

 

فاجأني الكاتب بآفاقه الشاسعة ولغته الجميلة ومفرداته الخصبة وقدرته على جذب القارئ بسلاسة السرد والمضيّ بعيداً في بحاره، ويدرك القارئ طوال الوقت بأنّه ليس بعيداً عن شاطئ الأمان، بل ويتمنّى أن يصعد معه إلى متن طائرة أو باخرة لمشاهدة تيار الحياة المتدفق عبر قلمه الذي يرفض إلا أن يكتب من اليمين إلى اليسار بعربية جميلة وقلب مليء بالحبّ للطير والحجر والجمال المنعكس في عيون الوطن والمرأة سمراء كانت أم شقراء، تدثّر القصّة برداءٍ وفير دافئ.  

 

سفر العاشق محاولة لكتابة سيمفونية متناغمة. أقرأ الوفاء بين كلمات الكاتب، وكأن بنيلوب خالدة ولم تمت يا سقراطوس، لذا لا تتوقف عن رشّ الحبوب للحمام الوادع. لا تخشَ الخريف وتساقط أوراق الشجر، فهناك عيونٌ سوداء ما تزال تنتظر عودتك من هيامك والركض خلف السراب وملاحقة ذيول الطائرات العابرة في أحلامنا لنُفْرِح قلوباً ونفجع أخرى. وللكاتب رؤيته الخاصة للعلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة. دعونا نقرأ معاً هذا المقطع من قصّة سفر العاشق “لمّا يحكي الرجل مع نفسه وهو مع امرأته فهذا يعني انه يحكي مع غيرها، ولا يريدها أن تعرف مع من يحكي!.” سأكتفي بهذا الاقتباس لأنّ القصّة تستحقّ أن تُقرأ ولأكثر من مرّة، فهي تمثّل مفهوماً عميقاً وفلسفيّاً للعلاقات الإنسانية المعقّدة. رشاد أبو شاور يشير بأصبعه موضّحاً إلى المنحدر الخطر الذي ينتظرنا حين نخون أنفسنا قبل الآخرين. حين نصبح غير قادرين على التعاطي مع احتياجات الفؤاد عدا ضخّ الدماء للأعضاء المتفرقة في الجسد. هناك نداء آخر، وقد أدرك أبو رياح هذه الحقيقة، حين أخبر زوجته بأنّه مسافر إلى حلب أو إلى آخر الدنيا، هناك حيث الأخرى، نحو المرأة التي تمكّنت من تحريك الرجل في داخله، فعاد ليهتمّ بنفسه وبتسريحة شعره وحضوره الذي كان مغيّب في عراك الحياة قبل أن تظهر في حياته وتخاطب الرجل أبو رياح، وليس الجدّ أو بائع البسطة عند مدخل المدرسة. لهذا قرّر أبو رياح أن يسافر إلى حلبه التي لن يصلها إل محمولاً على أذرع الرجال. وضع رأسه فوق المخدّة وطار إلى عالم آخر يقدر على استيعاب رجولته وترك أم رياح بين أبناءها وأحفادها. سفر العاشق من أجمل القصص التي قرأتها في منتج الأدب العربي مؤخرّاً، لأن الكاتب تمكن من اختزال روحه ومفهومه الإنسانيّ للحياة مستخدماً عامل الزمن والمكان بمهارة ودقّة دون أن يثقل على القارئ. القصّة القصيرة التي يكتبها رشاد أبو شاور هي لوحة سريالية في عالم الحداثة كعازف الأرغول الأخير. ذاك الذي أصرّ أن يترك بصماته في يوميات بيروت رغماً عن الحصار والقصف الإسرائيلي. كم نحن بحاجة لمثل هذه النصوص القادرة على تنشيط الذاكرة ومداعبة الفكر والخيال لدى القارئ، في زمن بات فيه الكتاب ترف لا يلجأ لدفتيه والغوص في أعماقه ودرره سوى القليل من المثقفين والأدباء ومحبّي الكلمة الجميلة الهادفة.          

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد