إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

اللاجئون العراقيون في أميركا: طبيب يقلب الهمبرغر، وصيدلاني يغسل الصحون، ومهندس يملأ السيارات بالبنزين!!

Iraq Usa
في الغربة حيث لا أهل ولا أحبة ولا أصدقاء، يتحوّل (الوطــــــن) الى غصّة، وانهمار دموع، وشجى، وتداعيات، وتساؤلات. وتبدأ الخطوة الأولى نحو المجهول –عندما يحط اللاجئ قدميه على تراب غير تراب بلده- بإحساس الذل والمهانة وبالضجر وبالإحباط..وكلها بلغة واحدة من المهاجرات كبيرات السن (طيحان حظ) يهرب إليه المرء كمن يفر من الرمضاء الى النار. هي رسالة إذن (من دم وأعصاب) إلى كل من يحلم بالهجرة إلى أميركا أو أية دولة أوروبية للخلاص من (اللاأمان)!. رسالة تذكرة يوجهها كثيرون من أبناء جلدته سبقوه إلى الضياع والتشرد والعيش كفقراء الزنوج. وإذا كان الطبيب لا يعمل ليعيش إلا بتقليب الهمبرغر، والصيدلاني يغسل الصحون، والمهندس في محطة بانزين، فما الذي يصنعه من يذهب بخفي حنين!. إن رحلة الانتقال هذه، كما وصفها نائب رئيس لجنة إنقاذ في الولايات المتحدة ((عاصفة عاتية يمر بها هؤلاء الناس))…ويكفي المرء ذلاً أن يعيش في أرض، يجد نفسه فيها غريب اليد والقلب واللسان، بتعبير أحد اللاجئين.  
ويبدأ شريط القضية بتأكيد شارون كوهين وليزا أوركن عمانوئيل في تقرير كـُتب لحساب الأسوشييتد برس، ونشر في صحيفة الواشنطن بوست، أن العراقيين الذين انتهى بهم المطاف في الولايات المتحدة الأميركية، يواجهون أوقاتاً صعبة، وصلت بالعديد منهم إلى الضياع و(الدمار الشخصي) بحسب تعبير أحد العراقيين هناك، وحتى الى التشرّد، تماماً كفقراء الزنوج!.
يقول المحرران: بيتها في العراق قـُصف، وتلاشت مهنتها الطبية، ومستقبلها الذي كانت تحلم بتحقيقه في بلدها الحبيب، فقط في اليوم الذي وجدت فيه مظروفاً أبيض تحت ماسحة زجاج السيارة. كانت بداخله إطلاقة بندقية. وتصف ذلك وسن ياسين بقولها: ((إنها علامة التهديد بالموت))!. ومن ساعتها، سمعت فحيح الخطر، وأدركت أن عليها أنْ تهرب. وحط بها الرحال في النهاية على الأرض الأميركية، أي البلد الذي احتلت جيوشه العراق، فأثارت كل تلك النكبات التي يعاني منها العراقيون الآن!. وبعيداً عن تهديدات حياتها في العراق، كانت أختها قد رُميت بالرصاص حتى الموت، زميلتها في العمل اختطفت. وفي حياتها الجديدة في فلوريدا، يفترض أنها وفرت لها ملاذاً آمناً من الحرب، لكن النهاية لم تكن سعيدة. ولم يتحقق لها ذلك –في الأقل- حتى الآن.
كانت السنة الأولى لوسن ياسين في الولايات المتحدة مليئة بالإحباط، وحتى المرور بتجارب أشعرتها بـ(الإذلال)، فهي تعيش في شقة صغيرة في منطقة جاكسونفيل المعروفة بانتشار الجريمة. تشتري الطعام بالبطاقات..لا فرصة عمل، برغم أنها متخصصة بعلم أمراض النساء، بالإضافة الى أنها قادت شركة بناء أثناء الحرب.
وسيف النصيري، 31 سنة، مترجم في وقت الحرب،و صحفي، كان صيدلانياً سابقاً في مستشفى كبير في العراق. وهو الآن مساعد صيدلاني في صيدلية بنيوجرسي. يقول إنّ حياته في أميركا عملية تبادل: وظيفته كانت الإشراف على عشرات العمال, وبيته المريح، وحديقته المعشبة في بغداد، ذهبت كلها، لكنه يمتلك شيئاً آخر الآن: الأمان!.
ويضيف: ((نحن آمنون، وهذا مهم جداً بالنسبة لنا. لكن هناك أشياء كثيرة. لقد أمضيت سنوات أبني في بغداد…وكنت معروفاً في الحي الذي أسكنه. يسمونني دكتور. وهناك الكثيرون من الناس الذين يحترمونني. هنا بدأت من الصفر. وكل يوم أقول: OK، لقد اتخذت القرار الصحيح.. وبعد ساعتين، أقول مع نفسي: هل كان القرار صحيحاً حقاً؟)).
ويؤكد محررا الوكالة: بالنسبة لآلاف العراقيين الذين استقروا في أميركا، كان انتقالهم مؤلماً مليئاً بالأسئلة، والشكوك، وبعض الأحيان باليأس. لقد اكتشف الكثيرون من العراقيين أن ملخصات الكفاءة الذهبية تفتح القليل من الأبواب في بلد يترنّح اقتصاده من أسوأ هبوط اقتصادي مرت به منذ فترة كساد الثلاثينيات. والقصص تكثر في أوساط أصحاب الشهادات الذين باتوا يعملون في مهن حقيرة: طبيب يقلب الهمبرغر، وصيدلاني يغسل الصحون، ومهندس يملأ خزانات السيارات بالبنزين. ويكافح العراقيون في رحلة إبحارهم في بيروقراطيات نظام الخدمة الاجتماعية الذي لا يعطي أحياناً المال الكافي لتأمين الحاجات الأساسية.
يقول بوب كيري، نائب رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، التابعة لوكالة مساعدة اللاجئين: ((إن كل شيء يمرون به نوع من التآمر ليجعلهم يشعرون بوقتهم الصعب)). وأوضح قائلاً: هنا في أميركا اقتصاد متدهور، والأسباب هي الظروف ذاتها التي هربوا بسببها من بلدهم، وأوصلتهم الى الغربة. إن الحقيقة هم ماهرون جداً، وأحياناً بمهارات استثنائية)). وأضاف: ((إنها العاصفة العاتية بالنسبة لهم))!.
ويقول المراسلان كوهين وليزا فقط عدد ضئيل جداً من المليوني لاجئ عراقي استوطنوا أميركا منذ بداية الحرب. معظمهم اندفعوا كالسيل الى سوريا، والأردن، أو بلدان أخرى مجاورة. نحو 38,000 عراقي فقط جاؤوا الى الولايات المتحدة خلال ثلاث سنوات سابقة. الأغلبية الساحقة كانوا لاجئين، وآخرون تسلموا تأشيرات هجرة خاصة، مُنحت الى المترجمين أو لأولئك الذين عملوا مع الحكومة الأميركية أو الشركات المتعاقدة مع الجيش الأميركي، أو وزارة الخارجية.
وتقول الخارجية الأميركية إن النزوح الجماعي للعراقيين لم يبدأ حتى سنة 2006، أي بعد تفجير ضريح سامراء، الذي أشعل العنف الطائفي. بينما ظلت مجموعات الحماية، وبعض صناع القرار في الولايات المتحدة يتهمون الحكومة الأميركية بأنها تباطأت كثيراً في الاستجابة لأزمة لجوء العراقيين الهاربين من بلدهم الى دول الجوار، وعرّضت للخطر حياة أولئك الذين كانوا مستهدفين، لأنهم عملوا مع الأميركان. وألقى لائمة ذلك على الإجراءات البيروقراطية في دوائر الأمن الأميركية.
 
 
ويؤكد محرر الأسوشييتد برس أن الأشياء تطوّرت في ما بعد. وبعد جلسات في الكونغرس، صدر قانون جديد، جعل الأمور أسهل بالنسبة للعراقيين من منتسبي المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأميركية الذين رغبوا بالانتقال الى الولايات المتحدة مع عوائلهم، وعيّن القانون مستشاراً في الخارجية الأميركية للتعامل مع هذه القضية. وعلى ضوء ذلك ارتفعت سرعة قبول اللاجئين والمهاجرين منذ سنة 2007. وسمّت إدارة أوباما هذا الصيف منسقاً لجهود اللاجئين العراقيين.
ورغم ذلك، لم يصل الى الولايات المتحدة منذ سنة 2003، سوى ما نسبته 20 بالمائة من أصل في الأقل 20,000 عراقي قدموا طلباتهم بسبب ارتباط ما بالأميركان، طبقاً لتقرير صدر في نيسان الماضي عن منظمة (حقوق الإنسان أولاً). والبعض انتظروا أكثر من سنة في بلدان أخرى، غير قادرين على العمل. وحسب روذي أبشتاين، المعدّ الرئيس للتقرير المذكور: ((كان هناك إحتمال كبير فعلاً لوضع هؤلاء الناس في عالم النسيان)).
وفي كل حال، فإن العراقيين الذين يصلون الى الولايات المتحدة يواجهون مشاكل جديدة أيضا. ويقول مراسلا الأسوشييتد برس إن الكثيرين من العراقيين الذين جرت مقابلتهم في (أطلنطا) و(فينيكس) قد استنفدوا مساعدات الحكومة والخدمات الاجتماعية، طبقاً لتقرير صدر حديثاً عن لجنة الإنقاذ. وفي هذا الصدد يقول كيري: ((نحن حقاً لدينا التزام أخلاقي كبلد لمساعدة هؤلاء الناس انتهاء بالوسائل الأساسية في معاملتهم بطريقة محترمة)). وأضاف: ((في الوقت الحاضر، لا يحدث هذا)). ويؤكد المراسلان أن كل عراقي –تقريباً- له الآن قصة رعب في العراق، تليها قصة شقاء العيش في الولايات المتحدة.
ويتابع المراسلان شارون كوهين وليزا أوركن عمانوئيل رواية التفاصيل، قائلين: إن سمير أورو، يعتبر نفسه مدير مطعم وبار يعمل لصالح متعاقدين مع الجيش الأميركي في العراق، والذي افتتح في ما بعد مخزناً للمشروبات الروحية بالقرب من فندق بغداد. ويقول سمير إنه في سنة 2005، اختطف، عُصّبت عيناه، وألقي في حوض السيارة الخلفي، وكانت السكين دائما على حنجرته. وحُرر من مختطفيه بعد سبعة أيام، عندما دفعت زوجته فدية قدرها 35,000 دولار، بعد أن باعت سيارة زوجها وذهبها الخاص.
والسنة الماضية، انتقل سمير أورو مع عائلته الى كاليفورنيا، حيث يعيش أخوه. وفي البداية، كانت المساعدة التي يتلقاها (1,350 دولار) شهرياً من الحكومة الأميركية (إضافة الى بطاقات الطعام المجاني) كافية، ولكن في ما بعد تقلصت المساعدات. والآن يجب أن يقترض نحو 400 دولار شهرياً من ابنة أخته، لكي يدبّر أموره. ويشعر هذا الرجل البالغ من العمر 57 سنة والذي كان مدير خدمة سابق في شركة طيران، قائلاً: ((إننا لم نأت هنا لنبدأ معاناة جديدة)).
وأوضح المراسلان أن وزارة الخارجية الأميركية تعطي لكل قادم جديد من أجل الاستيطان في الولايات المتحدة مبلغ 900 دولار لكل فرد من اللاجئين؛ نحو نصفها يذهب الى الاحتياجات الأساسية، كالإيجار، والنصف الآخر يذهب للخدمات مثل نقل العائلة من المطار الى مكان السكن.
واللاجئون أيضا مؤهلون للحصول على المساعدة النقدية لمدة 8 أشهر، والتي تتفاوت من عائلة إلى عائلة، كما يقول كيري. ووجدت مجموعته أن معدل المساعدة الشهرية لكل عائلة من أربعة أفراد (في ولايات فيها مكاتب لوكالته) تتراوح بين 309 الى 575 دولاراً، والتي تعد قليلة جداً جداً بالنسبة لمتطلبات العيش، بأدنى مستوياته.
وبدلاً من ذلك، يمكن للعراقيين اختيار التمويلات من وكالة فيدرالية خاصة، لمدة 4 أو 5 شهور، بينما يبحث الأشخاص عن عمل. ولكن يقول كيري: فقط نحو 30 بالمائة من اللاجئين قادرون على الاستفادة من هذا البرنامج لأن تمويلاته محدودة. وأوضح قوله: ((إن السبب هو فوضى النظام)).
ويشير المراسلان إلى أن العراقيين الذين يصلون وفي رؤوسهم أحلام هوليوود والشهرة عندما كانوا في بلادهم، يفيقون بسرعة على حقائق مؤلمة، كما يقول ذلك محمد يوسف (29 سنة) وهو مترجم سابق يعيش في ضواحي واشنطن دي سي. وبدلاً من ذلك –يضيف محمد- فإن وكالة الاستيطان وضعتهم في شقق ذات أسعار لا يمكن تحملها (نحو 1,700 دولار شهرياً للشقة). لقد انتقل إلى مكان آخر، لكنه يؤكد أنه الآن يعيش في شقة صغيرة من غرفتي نوم، ضيقة عليه وعلى أطفاله الأربعة. إن الأصدقاء ساعدوه بكرم-كما يقول- لكنه يعتقد ((أن المرء يبحث عمن يساعده في العثور على وظيفة يعيش منها)). ويشدّد على القول: ((وذلك ما أريد)).  
أما رائد شوكت (46 سنة) اللاجئ العراقي الذي يعيش في شقة صغيرة جداً تسمى ستديو في مدينة كينت بواشنطن، فيؤكد أنه يواجه مشاكل مشابهة. الوظيفة الوحيدة التي عثر عليها، كانت عبارة عن عمل حقير، طـُرد منه بعد ثلاثة أسابيع. وهو الآن يدرس إدارة الأعمال في المعهد. وشوكت، مالك سابق لمحل هدايا، ومعرض رسوم، يقول إن المسؤولين الذين روّجوا لطلبه في القاهرة أكدوا له: ((سيكون سهلاً جداً في الولايات المتحدة العثور على وظيفة))!!.
ومصطفى الوائلي له شهادة عالية في هندسة برامج الكومبيوتر، لكن ذلك لم يسعفه في الحصول على وظيفة ثابتة في مدينة لويسفيل. ويؤكد أن مشكلته لا تتحدد فقط في قلة المال الذي يحصل عليه. إنما هي (الصدمة الثقافية)..ويضيف: ((لقد اعتدنا في بلدنا على النظر الى أميركا من خلال أفلام هوليوود. لا نجد هنا شيئاً يشبه ذلك. الأمور صعبة جداً. إنها حياة صعبة للغاية)). وفي العراق –يقول الوائلي- يستطيع أن يلجأ إلى قريب أو صديق عندما يحتاج. أما في أميركا “الأحلام” فيؤكد قوله: ((هنا لا وجود لأحد يمكن أن نعتمد عليه)). لكنه –وبسبب ظروف العراق الحالية- لم يأسف حتى الآن على المجيء الى الولايات المتحدة.
ويضيف: ((نعم أعرف أن الحلم الأميركي متوفر، وأعرف أن علي أن أعمل بجهد كبير لكي أحقق ذلك. هذا هو بلدي الآن. ولن أتركه. إنها أرض الفرصة. أنا لا أبالي بالمكان الذي ولدت فيه. أن أهتم فقط بالمكان الذي يمكن أن أعيش فيه)).
وبالطبع –يقول مراسلا الأسوشييتد برس- هناك عراقيون استطاعوا التغلب على العقبات. بالنسبة لبعضهم، كان ((الحظ)) هو السبب، وبالنسبة لآخرين كانت ((مثابرتهم)) هي المفتاح. إثنان من كبار هؤلاء اللاجئين يعيشان في سان دياغو وديربورن في مشيغن، ساعدتهما على النجاح علاقات صداقة تشكلت في (خط النار) حسب وصفهما. وعندما وصل محمد المميز الى ناشفيل السنة الماضية قادما من الأردن، وجد نفسه كمترجم سابق محاطاً بشبكة من العلاقات الواسعة مع الجنود الذين كانوا في العراق، فاتّكأ عليها. ويعترف: ((كان ذلك مخيفاً بطريقة ما، لكنك يجب أن تتعلم النظام. يجب أن تعرف كيف تسير الأشياء هنا…يجب أن تدقّ على الأرض بكعبيك وأنت واثق من النجاح..بهذه الطريقة فقط نستطيع العيش هنا)). وكرّس محمد المميز ستة أشهر كاملة في البحث عن عمل، وفي نهاية المطاف، وجد شغل موقع (مترجم بعقد) لصالح وزارة الخارجية الأميركية. ويقول عن ذلك: ((يجب أن يكون المرء صبوراً)).
وكذا الحال مع سهامة منصور، التي كانت تملك صيدلية لأكثر من 22 سنة في بغداد، كان أمامها خيارات أقل. انكليزيتها محدودة، وتحتاج الى سنوات كي تحصل على شهادة كصيدلانية، ولهذا هي الآن غاسلة صحون في مطعم. إن عملية الانتقال من حال الى حال صعبة جداً برأيها. وتقول: ((في العراق كل الذين يعرفونها ينادونها دكتورة..دكتورة)). أما هنا في الولايات المتحدة، وفي العمر التي هي فيه، فإنها ((لا شيء))!.
والأمر بالنسبة الى نادين أورو، التي تشترك في شقة من غرفة واحدة في منطقة مرتفعات ستيرلنغ بمشيغن (مع أمها وأخيها 16 سنة) فإنها وأفراد عائلتها ككلدانيين، أو مسيحيين، يقولون إنهم تعرّضوا للمضايقة في العراق، واتهموا بالعمل مع الأميركان. لقد لجؤوا الى مشيغن، موطن أخوات سهامة منصور الثلاث، وكذلك فإن مشيغن هي واحدة من المناطق الأميركية التي تسكنها أكبر الجاليات العراقية.
وفي الغالب تنشأ (صدمة التغيير) من عقدة المقارنة بين العيش في الوطن، وبين العيش في الغربة. إن اختلاف اللغة والثقافة والعادات والتقاليد وطرق العيش، وأساليب البحث عن العمل، والعلاقات بين الناس، وغيرها من مظاهر الحياة، تشكل من جديد (نظرة أخرى) للحياة من حول هؤلاء الذين انقطعوا عن جذورهم وجاؤوا الى بلاد لا تعرفهم ولا يعرفونها، لكي يحاولوا أن يُنبتوا جذورهم فيها. تقول نادين أورو: ((لقد اعتدنا في العراق أن نعيش بشكل جيد…لم نفكر بشأن المال هناك…هنا يجب أن نقلق دائما على حياتنا)).. إنّ ماكنة الحياة تتحرك بأداء سريع في هذا المكان، ولأن أمزجة الناس القادمين إليه تختلف، فإن (الصدمة) تبقى ملاصقة لهم حتى بعد سنوات وسنوات!.
وفي فلوريدا تقلق أخوات وسن ياسين كثيراً، فيما هنّ يحاولن إعادة بناء حياتهن في المكان الجديد الذي يعشن فيه. ووسن التي عملت في شركة بناء عراقية تعاقدت مع القوات الأميركية، اضطرت للنوم في بيوت متعددة كل ليلة لتتجنّب المتمردين. لقد رحلت بسبب الوضع الأمني، وتعتقد أنه سبب وجيه. وفي صيف سنة 2005، اختطف رئيس الشركة. وفي اليوم الذي تلاه، تلقى آخ آخر له نداء مجهولاً يقول إن الدكتور سيكون الهدف اللاحق. وسن اعتقدت أن هذا يعني أنها ستقتل. ومن ثم جاءت الرصاصة في مظروف وضع تحت ماسحة الزجاجة الأمامية لسيارتها، وأعقب ذلك انفجار قنبلة أمام البيت وفي مكتب شركتها، والانفجار الأخير قتل حارسين للشركة. عندها هربت الى الأردن.
وأختها أريج، التي تملك محل تحفيات، تبعتها بعد حادثة كارثية، تعرضت فيها سيارتها للاصطدام بسيارات أخرى، وأطلق عليها الرصاص، فأصيبت في إحدى ساقيها من قبل مهاجمين مجهولين. انتقلت الأخوات مؤخراً من شقتهما الى سكن حكومي. ومازالتا تبحثان عن عمل دائم، وكلاهما تلجآن في الوقت الحاضر الى تدبير شؤونهما عن طريق العمل المؤقت. وسن كانت قد فصلت من عملها كمساعدة طبيب. (المسؤولة الاجتماعية عنها تقول إنها تمتعت بإجازات مرض لأيام كثيرة وخلال فترة قصيرة من عملها) لكن وسن تصر على أن طبيب الأطفال أخبرها إنها مؤهلة بشكل جيد. وتقول إنها تأمل أن تكون طبيبة في النهاية. تقول أريج: ((كنا نتوقع أن هناك الكثير من فرص العمل.. أعتقد أن مستقبلي إن شاء الله، وإذا أراد الله، وهو يقودنا الى الطريق الصحيح…لن يكون باهراً لكنْ سيكون جيدا جداً)).
وفي الوقت نفسه فإن سيف النصيري، يدرس الآن للحصول على شهادة الصيدلة. له أصدقاء أميركان جدد، وهذا يجعل الحياة أسهل بالنسبة له، وبرغم ذلك فهو يفكر مرات بالعودة الى العراق، لكن ما يعيقه سعر تذكرة الطيران الى بلده الأم. ويضيف قوله: ((أنا الآن يجب أن أصل الى قرار. دعني آخذ فرصتي هنا))!!.
وحسب رأي خبيرة اجتماعية في دائرة مساعدة اللاجئين بواشنطن، فإن هؤلاء الناس القادمين من العراق، حتى إذا حقق البعض منهم ذاته، فوجد نفسه قادراً على العيش بصورة أفضل، سيظل مسكوناً بتصورات مؤلمة، تمنحها الغربة، واختلاف الحياة وشؤونها قوّة التأثير؛ إنهم لن ينسوا بسهولة أن قوات هذا البلد الذي يعيشون فيه، احتلت أرضهم، وقتلت، ودمرت، وأثير بسبب غزوها نزاعات طائفية وإثنية، كانت السبب المباشر تقريباً في هروبهم من العراق. وفي الشأن الاجتماعي، سيكون صعباً على كل من يحقق ذاته أو حلمه هنا (في الولايات المتحدة) أن يجد (صدى) لذلك بين الأصدقاء والأقارب الذين يفتقدهم. والمشكلة الأكثر قسوة أن الشخص الذي يقرر بعد سنوات العودة الى بلده سيجد ذلك صعباً، لأنه سيدخل حينئذ في الاغتراب، وسيعيش بين أهله، فيجدهم على غير ما كان يعرفهم به، وهم أيضا سينظرون إليه على أنه (كائن مختلف)..هذه الحال، يتكرر حدوثها، وشكلت لمن مرّ بها إحباطاً جسيم التأثير!.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد