دخلت السفارة من بوابتها الرئيسية التي لا توحي بالرَهب لعدم وجود أسلاك شائكة أوكاميرات أوحواجز اسمنتية أو بشرية تمنعك من دخولها أو تستفسر منك بمئة سؤال وسؤال عن سبب زيارتك ، بل تشعرك بالآمان والسعة والفرح والسعادة ، لأنك تقرأ بعيون موظفيها وعلى جباههم العريضة ما يسبق لسانهم الحامد الشاكر ، ( اهلا بك حللت أهلا ووطئت سهلا ) ، دخلتها وبكل اعتزاز وفخر لأقدم لسعادة سفير دولة فلسطين كتابي ( مواقف الأردن الوطنية والقومية تجاه القضية الفلسطينية ) ، استقبلني مدير مكتبه الواعي المثقف الصادق الأمين بالقبلات والأحضان الدافئة حتى قبل أن أعرفه على نفسي ، أخرجت من حقيبتي كتاب قدمته إليه وأطلعته على رغبتي بتقديم مثله لسعادة السفير ، وببسمة عريضة وكلمات ترحيب فلسطينية قال ( حلت البركة ) .
ما إن دخلت مكتب سعادة السفير عطا خيري حتى تقدم نحوي مرحبا بلقائي وبالأحضان ، أعتقدت أنه عاملني هكذا كوني كاتب ، إلا أنه وبنفس الطريقة استقبل فلسطيني قادم من غزة جاء لأتمام معاملاته الخاصة ، كان سفيرا فوق العادة حبا لكل شعبه الذين يجلهم ويحترمهم ويعمل جاهدا لمساعدتهم وخدمتهم ، وبعد القهوة العربية تبادلنا الحديث بالسياسة الشغل الشاغل لأبناء وأحباء فلسطين ، فوجدته المتحدث المثقف اللبق والمستمع الجاد الذي يحترم محدثه ، لمست منه كما كل قادة النضال الفلسطيني وقادة حركة فتح كل الحرص على الوحدة الوطنية الفلسطينية وعلى الصف والنسيج الوطني وعلى مسار القضية الفلسطينية ، وحرصه على ضرورة الوصول ومن خلال كل القنوات والطرق نحو الثوابت والدولة الفلسطينية ، وحرصه على علاقات مميزة مع جميع الأشقاء العرب وخاصة مع الإشقاء الأردنيين الذين دافعوا عن فلسطين وشعبها وقضيتها ، وأثبتوا حرصهم الدائم على القدس والمقدسات والمقدسيين ، وخدمتهم وبناءهم ورعايتهم الدائمة لقبة الصخرة المشرفة وللمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين .
وعندما اتجه الحديث حول الأحوال والأحداث الفلسطينية الداخلية التي لا تسر إلا العدو الصهيوني ومن في ركبه وعلى خطه ، كان ككل القادة الفلسطينيين يصر دائما على استعمال كلمة الأخوة في حماس الذين لم يُخونّهم أو يشتمهم ، منطلقا من المسلكيات الثورية الفلسطينية ، لا كما يفعل كل قادة وكوادر وحتى أنصار حماس الذين وعلى رؤوس الأشهاد يشتمون ويخونون ويكفرون كل غيرهم ، منطلقين من مسلكيات رؤوس الفتنة والشياطين الباحثين عن اللهو للمتاجرة بدم الشعب الفلسطيني الزكي ، محاولين صناعة عدو مفترض للشعب الفلسطيني من بين أبناءه ومن قادته ومن حركته الجماهيرية حركة فتح ، نزولا عند رغبة مرضى الجنون والعظمة المتجهزين للانقضاض على القرار والشرعية الفلسطينية ، من أجل وئد وإنهاء القضية الفلسطينية ، التي راهن الأعداء المتكافلين والمتكاتفين أنها لن تستمر أكثر من ستين عاما ، فبهتوا وجنوا لإصرار الشعب الفلسطيني على حقوقه وتمسكه بها ، ووقوفه بقوة وصلابة خلف راية منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح ، وخلف قيادتها الراشدة الوفية .
اقرأ أيضاً
عشر دقائق علمت بعدها لماذا انطلقت حركة فتح كحركة تحرر وطني فلسطيني ونجحت بتحديد أهدافها وبمسيرتها ، التي ومنذ انطلاقتها واجهت عراقيل ومطبات صنعها العدو الإسرائيلي بإتقان ووضعها أمامها بفن ودونما رحمة ، فتيقنتُ لماذا هي مستهدفة أيضا من غيره ، أستهدفت منذ انطلاقتها من اتجاهات حزبية لأنها حملت راية الفكر الوطني المستقل الخاص في حين أراد لها البعض المنغلق فكرا ، المحاول الانبعاج بحزبه وراء حدوده أن تكون تبيعة له ولنهجه وبرامجه أستهدفت لأنها آمنت بالشعب المضيع والمكبل وبحقوقه المسلوبة التي من أهمها حق العودة ، أستهدفت لأنها انطلقت لتحرير فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، أستهدفت لأنها حصدت شرعيتها النضالية بالقلم والحق وبالبندقية ، لا بالسلب والنهب والخداع باسم الدين والإشاعة وأخيرا بالقتل ، كما يحاول في هذه الأثناء البعض الحاقد الماجن للاستئثار بها ، أستهدفت من الأفعى اليهودية التي أرادت عصر الوطن والشعب والقضية ، فتنبهت لها فتح العملاقة وأبطلت سمومها وأخارت قواها وأفشلت خياراتها ، أستهدفت من الغربان السود ماصة الدماء التي تنطق بالعربية وباللهجة الفلسطينية ، التي أرادت تمرير إمارة الظلام وترسيخها في غزة ، ومحاولة شطب الدولة الحلم والأمل والمنهج الراغبة بنقل الشعب الفلسطيني للوراء لمرحلة صنع النكبة ، التي صنعها أعداء الشعب الفلسطيني ونفر من الطغمة الأسرية الإقطاعية الفلسطينية ، التي حكمت وتحكمت بفلسطين طيلة سنوات جهل وفقر وعذاب وإفتاءات ، كما واستهدفت من بعض من يطلق عليهم معاول وسواطير الهدم الذين أخذوا ما لا يستحقون من رتب وراتب ومواقع ، وأظهروا حقدهم كما هو حالهم الخياني قبل التحاقهم بالثورة ، للتقرب والتزلف من ابناء القردة ومن زمرة المنقلبين .
أستهدفت فتح لأنها الثورة وأمل الشعب وصيرورة القضية وصمام أمانها أستهدفت لأنّ رئيسها الرمز ياسر عرفات لم يكل أو يمل أو يستسلم ، الذى قضى شهيدا ولم ينحني إلا لله العظيم ، أستهدفت لأنّ رئيسها الرمز محمود عباس أبو مازن راسخا بثبات على خط سلفه الشهيد ، مؤمنا وبقوة بشعار المختار ( ننتصر أو نموت ) ، مصرا على القدس عاصمة لدولة فلسطين العربية ، ومصرا على حق العودة الذي تضمنه وتكفله الشرعية الدولية ، ومصرا على معاهدة سلام تنهي الإستيطان والمستوطنين وتكنس الإحتلال ، لا كما يؤمن رموز الإشاعة والظلام بهدنة طويلة الأجل تكبر خلالها المستوطنات وتتجذر ، ويزداد عدد المستوطنين فتنتهي القضية .
عشر دقائق تقينت بعدها أنّ القضية الفلسطينية لا بد ستنتصر ، والحقوق والثوابت الفلسطينية لا بد ستتحقق ، بفضل السواعد والقيادات الفتحاوية التي أمنت بربها وزادها الله هدى ، وبفضل وعيها وحكمتها وقوة شكيمتها ، وبفضل الشعب الفلسطيني الذي سيسحق الإحتلال والانقلاب ، لأنّ عصر الظلم والظلام الإسرائيلي أنهته فتح وصنعت من بعده عصر الحرية ، ونقلت الشعب إليه عزيزا شامخا مؤزرا ، ولأنّ عصر الجهل والأمية الذي نال من الفلسطينيين قبل النكبة أنهته فتح وحررت الشعب منه ، ونقلته إلى مرحلة الثقافة والعلم والنور ، ولأنّ عهد الإقطاع وحكم الأقليات الأسرية التي حكمت فلسطين وصنعت النكبة تارة باسم الفرد وأخرى باسم الدين تجاوزته فتح ، ونسجت مكانه مرحلة الدولة الديمقراطية الحرة المستقلة ، ولأنّ عصر أورشليم مزقته فتح لتعود القدس إسلامية ، ومنارة للعلم والدين والثقافة العربية ، وعاصمة لدولة فلسطين العربية .
التعليقات مغلقة.