إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

متى يكتمل الهلال ليصبح بدرا ؟

وفاء إسماعيلوفاء إسماعيل   
* وسط الأعاصير الأمريكية ، والنيران الصهيونية ، استطاعت سوريا وفى زمن قصير ومنذ الغزو الامريكى للعراق عام 2003م أن تتحرك داخل محيطها الاقليمى بثبات ، وان تقرأ خريطة الواقع قراءة جيدة ، وان تنأى بنفسها بعيدا عن المتشككين في قدرتها على حفظ توازنها والتأثير على الساحة الدولية ، باحثة لنفسها عن قطبين يحفظا لها هذا التوازن ، بعد أن فقدت الأمل في كسب ود الأشقاء الذين اختاروا لأنفسهم الانضواء تحت المظلة الأمريكية منصاعين ، ومستسلمين لأكبر قوة في العالم تحت حجج وذرائع لا تقنع طفلا في العاشرة من انه هذا هو الواقع وعلينا الرضوخ له .. وبدلا من محاولة تغيير الواقع برص الصفوف ، والتصدي له ..اختاروا الاعتراف به ، والاستسلام له ..أما سوريا فكان لها رؤية مغايرة ومعاكسة اختارت لنفسها تغيير الخريطة العالمية لصالحها ، وأصرت على التصدي ولكن بحكمة وعقلانية وخطوات ثابتة لا تخطئها كل عين  ثاقبة وكل ذى عقل له مهارة قراءة خريطة الواقع بروح التحدي .
* سوريا التي ينظر إليها البعض على أنها دولة لا تختلف فى تشكيلها وجوهرها عن اى دولة عربية تحكمها الديكتاتورية ولا تتحلى بنسائم الديمقراطية وتغوص في وحل الطائفية ، والمذهبية استطاعت في فترة وجيزة أن ترسم ملامح النسر السوري بجناحيه القويين ( إيران – تركيا ) ليعلو فوق الوحل ويطير عاليا و ليجد له مكان في هذا الفضاء الذي سيطر عليه  منذ عقود غربان الحلف الانجلو ساسكونى – الصهيوني ، فوثقت علاقتها بإيران ووطدتها رغم كل التحذيرات الأمريكية ، والتهديدات الصهيونية ، والدعايات الإعلامية التي اتهمتها بالتشيع تارة وبالعمالة لايران تارة أخرى إلا أنها وسط كل تلك العواصف لم تتراجع وأصرت على تمسكها وتحالفها مع دولة لا يمكن انتزاعها من على الخريطة ورميها في البحر واختارت أن يكون جناحها الشرقي هو إيران ، ولكي تحفظ لنفسها مزيد من التوازن اتجهت نحو تركيا وعقد مجلس التعاون الاستراتيجي بين سورية وتركيا اجتماعا تاريخيا قرر بموجبه فتح الحدود السورية التركية وإلغاء التأشيرات بين البلدين في خطوة لم يشهد لها التاريخ مثيل أعلن فيها وزير الخارجية التركي احمد داوو أوغلو ( أن مجلس التعاون الاستراتيجي بين سورية وتركيا سيشكل نموذجاً ورسالة موجهة إلى دول المنطقة ، مشدداً على عمق العلاقات السورية التركية. وقال إن العلاقات بين البلدين متطورة وننظر إليها كعنصر أساسي للتطور مع العالم العربي ، وسوريا بالنسبة لنا هي بوابة الدخول إلى العالم العربي والشرق الأوسط وهذا ما يفرضه منطق التاريخ والجغرافيا، ونحن نفكر بحدود مفتوحة لا حدود مغلقة لقد ذهب زمن الحواجز والألغام وبوابات الدخول) وكسبت سوريا حليفا لا يستطيع احد أن يشكك في أهميته ، ولا في نواياه خاصة أن تركيا أثبتت بالدليل القاطع أن مواقفها من القضايا العربية والإسلامية أفضل بكثير من مواقف كثير من حكام دول عالمنا العربي ..فإلى جانب موقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في مؤتمر دافوس الاقتصادي ، وأمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة ، توج تلك المواقف المشرفة بقرار إلغاء المناورات الجوية التي كانت مقررة مع إسرائيل في 12 أكتوبر / تشرين الأول ، وأعلن لقناة العربية انه جاء بالأساس استجابة لرغبة الشعب التركي . قائلا : ” شعبي يرفض مشاركة إسرائيل في مناورات نسر الأناضول ولابد أن أستجيب لرغبة شعبي ، هناك حساسيات في المنطقة ولابد من أخذها بالاعتبار” ومن هنا نستطيع القول أن تركيا التي كانت دوما تتجه أنظارها نحو أوربا أملا في الانضواء تحت عباءتها والاندماج في منظومتها السياسية ، قد ملت الانتظار وزهدت عمليات الرفض المتكررة  وولت وجهها إلى الشطر الشرقي بدلا من الشطر الغربي المغرور المتكبر وبهذه الخطوة كسبت سوريا الحليف التركي وخسرته أوريا حتى لوكان مستمرا كعضو اساسى في حلف الناتو ..وعلينا أن نحسب الأطراف التي ستتأثر بشكل مباشر من تلك الخطوة :
1 – حزب العمل الكردستاني المناهض للحكم التركي والموجود بين البلدين (سوريا وتركيا ) ..فقد قال وليد المعلم بهذا الشأن (“نحن نعتبر أن عناصر منظمة حزب العمل الكردستاني منظمة إرهابية والقانون السوري يصفها بأنها منظمة إرهابية “، مشيراً إلى أن “هناك إستراتيجية تركيا لمعالجة الموضوع ونأمل أن نحصل على تفاصيلها وكيف يمكن أن تقدم سورية دعم لهذه الإستراتيجية ) فهل سترى الأيام المقبلة تراجع هذا الحزب الكردستاني وانسحابه بعد وقوعه بين فكي سوريا وتركيا ؟ أم أن الأيام المقبلة ستشهد تحركات العدو الصهيوني لتقوية نفوذه وتمويله أملا في قيامه بدور اليد الأخطبوطية التي تنهك قوى الدولة التركية وتصيبها بالصداع المزمن ؟؟
2 –  مشروع الشرق الأوسط الكبير الامريكى والذي هو في الأصل إحياء لمشروع حلف بغداد الاستعماري البريطاني ، والذي عقدت أمريكا عليه كل آمالها لتطويق منطقة الشرق الأوسط  بسياج امريكى يمنع المارد الصيني من اختراق المنطقة باعتبارها منطقة نفوذ أمريكية ..ماهو مصيره بعد التحالف الايرانى – السوري –التركي وتمرد تلك الدول على الحسابات الأمريكية ومشاريعها الشرق أوسطية  ؟ ماهو مصيره بعد فشل القوات الأمريكية في أفغانستان وعجز الحليف الباكستاني عن القضاء علي قوة طالبان رغم سيل المساعدات المنهمر على الحكومة الباكستانية  وكان آخرها يوم الخميس الماضي (أفادت مصادر البيت الأبيض بأن الرئيس الأمريكي باراك اوباما صادق اليوم الخميس على القانون الذي ينص على منح باكستان مبلغًا بقيمة 7.5 مليارات دولار على خمس سنوات.) وقال المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس في بيان: ” هذا القانون يستند إلى التزام تعهد به البلدان لتحسين شروط العيش في باكستان وترسيخ الديمقراطية ودولة القانون ومحاربة المتطرفين الذين يهددون باكستان والولايات المتحدة على حد سواء”، على حد زعمه .. فهل حقا تلك المساعدات من اجل ترسيخ الديمقراطية في باكستان أم من اجل ترسيخ الخيانة ؟ على كلا الأيام القادمة ستكشف لنا أن ما تفعله أمريكا في كلا من أفغانستان ، ووادي سوات في شمال باكستان ماهو إلا حلاوة روح كما يقولون وان المشروع الامريكى الامبريالي الاستعماري في المنطقة في طريقه إلى الزوال ليس بسبب قوة طالبان الضاربة جذورها في عمق المجتمع الافغانى – الباكستاني بل لسبب أخر وهو التحالف الايرانى – التركي – السوري والذي أكد عليه رجب طيب اردوغان وفي رده على سؤال حول ما يتردد عن خطر تشكله إيران في المنطقة ، أجاب أردوغان قائلا :” العلاقات التركية – الإيرانية عريقة جدا وتاريخية تعود إلى معاهدة قصر شيرين التي تم توقيعها بين البلدين عام 1926 “. وأضاف أن رؤية البلدين لبعضهما البعض ليس فيها أي مشكلة ، وأكد أن علاقات الجوار بين البلدين جيدة بل وإستراتيجية أيضا ، قائلا :” نشتري الغاز الطبيعي من إيران ، لدينا حدود مع إيران تبلغ 370 كم ، منذ وصولنا للحكم لم نحاول إقامة علاقات عداوة مع جيراننا ، نركز فقط على بناء الثقة والصداقة ، لدينا علاقات تاريخية مع إيران وطورناها “. وبالنسبة لأزمة البرنامج النووي الإيراني ، شدد أردوغان على أن تركيا لا تريد أسلحة نووية في المنطقة أو في العالم ، كما أن إيران أكدت له أنها لاتسعى لامتلاك أسلحة نووية وإنما فقط لتطوير مصادرها من الطاقة ، هذا بجانب أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع أن تثبت أن إيران تقوم بتصنيع أسلحة نووية. وتابع ” ما يحزنني في هذا الصدد هو أن الجميع يتحدث عن إيران ويترك إسرائيل ، هذا غير عادل ، إذا كانت القوى الكبرى لا تتعامل بالعدل لا يحق لها أن تطلب من الآخرين الانصياع لها ” وهنا يتضح للجميع أن ثمة بوادر تغيير حقيقي في الخارطة التي رسمت ملامحها أمريكا وربيبتها إسرائيل  معتقدة أن الكل سينصاع لإرادتهما كما فعل حكام العرب الأشاوس وكما فعلت حكومة باكستان ..ولكن هاهي تركيا وعلى لسان رئيس وزراءها أردوجان تعلن انه غير عابئ بردود أفعال قادة إسرائيل ، فقراره بإلغاء المناورة مع إسرائيل قرار مستقل وينبع من إرادة شعبه …. !! والتغيير الذي نقصده هناهو ظهور هلال شرق أوسطى جديد يضم ثلاث قوى (إيران – سوريا – تركيا ) على أمل أن يكتمل الهلال ليصبح بدرا بانضمام كافة الدول العربية إلى دول الهلال كما تمنى اردوغان وأعرب عن أمله في إلغاء تأشيرات الدخول مع إيران وكافة الدول العربية وليس مع سوريا فقط … فمتى يحدث هذا ؟ وهل هو أمل صعب المنال رغم انه لا يحتاج إلا لتحرير الإرادة السياسية العربية من الغرور والصلف الامريكى ، ويحتاج إلى تمرد وعصيان حقيقي على قوى الشر الصهيونية ؟ أتمنى أن نتعلم من اردوغان الدرس وان نقرأ الواقع بوضوح إن كان هناك من هو حريص كل الحرص على مصالح امتنا العليا بعيدا عن المصالح الذاتية …وبعيدا عن لغة التعصب المذهبي والطائفي التي قال عنها اردوغان أنها هدف لتقسيم المسلمين وإضعافهم …. فهل تعلمنا الدرس ؟
وفاء إسماعيل  
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد