إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

اليمن وإيران.. حاضر مثقل بالتاريخ

Yemen%20Iran%20Media%20War

بقلم// زيد يحيى المحبشي

 

منذ اندلاع المواحهة الأولى بين قواتنا المسلحة وما يسمى بالحوثية في حزيران/ يونيو 2003 وحتى المواجهة السادسة الجارية حالياً ببعض مديريات صعدة وحرف سفيان تكشّفت العديد من الحقائق سواء فيما يتعلق بالتمويل أو التسلح أو الأهداف والمطالب المؤدلجة والمتناقضة في ذات الوقت المثيرة بطبيعتها تساؤلات لم يعد بالإمكان تجاهل حول مصدر تمويل هذه الجماعة والأسباب الدافعة بها إلى الواجهة بالصورة التي أضحت معها واحدة من أكثر من التحديات خطورة على حاضر ومستقبل اليمن وأعقدها إذا ما قورنت بالملفات الأخرى الساخنة على الساحة اليمنية.

بالعودة إلى حلقات الصراع المحلي في مراحله التاريخية المختلفة نجد أنه كان على الدوام يتخذ طابع الصراع الديني في العلن فيما كانت محركاته خارجية بامتياز ما يشي بأن ما نمر به اليوم لا يعدو عن كونه جزء من سيناريو قديم متجدد غايته تقسيم اليمن وتفكيكها وابقائها في متوالية التجزئة والصراعات الداخلية وصولاً إلى تحويل مثيري الفتن الداخلية إلى بيادق وأداة سياسية بيد المخططات الكبيرة الرامية إلى إعادة إنتاج واقع إقليمي جديد انطلاقاً من اليمن هذه المرة بعد أن تسنى لهم ذلك في العراق على أن هؤلاء قد غفلوا حقيقة في غاية الأهمية هي أن حظ العجلة والغلو وإقصاء الآخر من الفشل هو أعظم الحظوظ والتاريخ الماضي والواقع الحاضر شاهدان عدلان لا يكذبان كما أن تحريض الشعوب ضد حكوماتها ودولها من الأعمال المدنسة التي لا تقوم بها سوى الدول الصغيرة والأنظمة المخربة التي تبحث لنفسها عن دور على حساب أمن واستقرار الآخرين عكس الدول الكبيرة والأنظمة المحترمة كون المقدس في سلوكياتها التمسك بالأخلاقيات الدبلوماسية وبمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين .

 

تأطير تاريخي

تتأثر علاقات اليمن بإيران والعراق أو بأحدهما سلباً وإيجاباً بعلاقات اليمن بأشقائه وجيرانه في  المنطقة حقيقة تاريخية فرضتها معطيات الأهمية الجيوسياسية لموقع اليمن والتي جعلت منه ساحة صراع دولي منذ مطلع القرن الأول قبل الميلاد بين الفرس والروم عندما شرع الطرفان في اللعب بالورقة الدينية عبر دعم إيران لليهود والرومان للنصارى كجسر عبور لتحقيق الأغراض التجارية المتمثلة في تجارة البحر الأحمر والذين كانت نتيجة استيلاء فارس في القرن السادس الميلادي على اليمن.

على أن ظهور الإسلام لم يحد من الأطماع الفارسية في اليمن وبذات اللعبة القديمة المتمثلة في تغذية الصراع الديني حيث شهد العام 200هـ ظهور إبراهيم بن موسى الكاظم الملقب بالجزار في المسرح اليمني والمتمكن بالتعاون مع بقايا الفرس- الأبناء- من قتل أعيان قبائل حرف سفيان وصعدة وانخراط الطبريين الزيدية الآتين من فارس في دعوة الهادي يحيى بن الحسين المؤطرة لبروز الدولة الزيدية الأولى باليمن عام 900 م بالتوازي مع نجاح  الناصر الأطروش في إقامة دولة زيدية ثانية بالجيل والديلم من فارس في حين شهد عهد عبدالله بن حمزة في أواخر القرن الخامس الهجري قيام فتنة مذهبية بجبال الشرف ترأس حربتها إمامي إثنى عشري فارسي ما استدع رد الإمام عبدالله بن حمزة عليه في رسالة مفصلة وقيام حرب ضرروس.

 وفي ظل الدولة الصفوية كانت هناك علاقات وثيقة بدأت فصولها بالود وانتهت بالمصادمات العسكرية وتحديداً في حقبة المتوكل إسماعيل ابن القاسم 1644- 1676 وباشا عباس الثاني الصفوي 1642- 1667م على خلفية طلب عباس الثاني من المتوكل في العام 1665 مؤازرته في الهجوم على الدولة اليعربية في عمان المنافسة حينها للتجارة الفارسية إلا أن الإمام اعتذر عن ذلك خوفاً من تغذية اليعاربة لطموحات الانفصال بحضرموت ما أدى إلى ارسال حملة عسكرية صفوية في 1668 للاستيلاء على المخا انتهت بالفشل.

والمفارقة قيام الدولة الصفوية حينها بتصفية الزيدية في إيران وطمس معالمها بصورة وحشية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً بالتوازي مع استمرار الصفويين في تغذية التطرف والمغالاة واصطناع الفتن المذهبية في اليمن ففي عهد الإمام المنصور الحسين بن القاسم (1139- 1161هـ) برز يوسف العجي وأثار فتن كبيرة بصنعاء أدت إلى طرده في عهد حكم المهدي عباس بن الحسين (1169 – 1191م).

بعد استقلال شمال اليمن عن الدولة العثمانية قام الإمام يحيى بإرسال ولد الحسين إلى طهران عام 1938 في الوقت الذي كانت فيه إيران تسعى إلى ممارسة دور الشرطي على الخليج بالتعاون مع الغرب ودون إغفال اليمن من حساباتها بدلالة محاولته إحباط ثورة 26 سبتمبر وبالتالي دعمها لقوى الرجعية 1963- 1968 ممثلة بمحمد بن الحسين بالمال والسلاح وإرسال عدد من المرتزقة بقيادة الميجور محمود إلى جبال سفيان وصعدة وبعد فشل الرجعيين اعترفت بالنظام الجمهوري في 9 سبتمبر 1970 على أن علاقتها سرعان ما عادت إلى التوتر على خلفية رفض صنعاء الهيمنة الإيرانية وبالتالي تأييدها الثورة الخمينية.

قيام الثورة الإسلامية في 1979م لم يغير من الصورة شئاً حيث تم استبدال الاستراتيجية الإيرانية من دور الشرطي الإقليمي إلى تصدير الثورة ما أدى إلى طرد السفير الإيراني من صنعاء في ديسمبر 1981 على خلفية قيامه بممارسات معادية وبالتالي إعلان صنعاء وقوفها إلى جانب العراق في حربها مع إيران لتشهد العلاقات بعد قيام الوحدة تحسناً ملحوظاً قبل أن يعود إلى دائرة التوتر مع بروز حركة التمرد الحوثية بصعدة في العام 2003 بالتوازي مع موقف اليمن الرافض للحرب الأميركية على العراق والذي أثار استياء العديد من القوى الشيعية العراقية ما دفعها إلى دعم ومساندة الحوثي .

ما يهمنا من العرض السابق أن لإيران بغض النظر عن هوية وشكل النظام الحاكم سياسياً إقليمية ثابته محركاتها المصالح القومية وتوسيع النفوذ في الجوار الجغرافي والهيمنة وعوامل تغذيتها الأهداف والمصالح الأيديولوجية المتمثلة في استغلال الحركات الإسلامية والتي كانت ولا زالت عائقاً أمام وجود علاقات إيرانية عربية سلسة.

الورقة الحوثية باليمن تظل نموذجاً فاقعاً للدور الإيراني سواء في مراحل التكوين أو التثوير أو التحفيز والدعم بأشكاله في خطوة مكشوفة لتسييس زيدية اليمن واستغلالها ضد مؤسسات الدولة ليسهل على إيران التغلغل وتمرير مشروعها التوسعي في المنطقة على حساب اليمن وأمنه واستقراره.

يأتي هذا في سياق مساعي إيران لتوحيد شيعة العالم تحت قيادتها بطوائفهم المختلفة حسب نص المادة 15 من دستورها والذي بدأته عملياً في العراق بالتوازي مع غياب أي مشروع عربي مناهض وهذه النقطة تحديداً إحدى مقومات دعائم المشروع التوسعي الإيراني.

 

شواهد على الطريق

يذهب الدكتور أحمد الدغشي في محاضرة له بمنتدى الأحمر 12 تشرين أول/ اكتوبر 2009م إلى وجود عدة عوامل تدخلت في الحوثية تترابط في بعضها وتتناقض في أخرى منها التناقض بين الأيديولوجيا والمنافع المتنافرة وبين البعد السياسي ومذهبية التسييس وبين إعلان الاستقلال والتحرر من ربقة الهيمنة الفكرية والفقهية الوافدة مع الارتباط ببعض القوى والمؤثرات الإقليمية والخارجية.

وفي حين ينفي الدغشي عن المؤسس الأول لحركة التمرد تهمة التحول إلى مذهب الإثنى عشرية وبالتالي تصنيفه في خانة الجارودية المتشددة والمتلاقية مع الإثنى عشرية في العديد من النقاط لكنه لا ينفي تأثره بالأفكار الثورية الخمينية في بعدها العالمي بدلالة موقفه المعارض لمساندة صنعاء للعراق في حربها مع إيران وبالتالي مشاركة بعض رموز هذا التيار في مؤتمر توحيد الشيعة في 1986 وتقاربها مع الكثير من الأفكار المذهبية الإيرانية وصولاً إلى مساندة ودعم إيران لمؤسس التمرد الأول في 1997 وما بعدها مقابل التغاضي عن نشر الإثنى عشرية باليمن سواء عبر الوافدين العراقيين أو الإيرانيين خلال عقد التسعينيات والتي مهدة بصورة لافتة لتحول التيار الحوثي من حركة فكرية سياسية إلى حركة مسلحة حنينية إلى الماضوية المقبورة الأمر الذي جعل من المذهب الزيدي المعروف بتسامحه وانفتاحه وآفاقه العالمية الواسعة الضحية الأولى لصالح أهداف وأجندة خارجية مشبوهة.

ورغم نفي السلطات الإيرانية المتكرر خلال حروب صعدة السابقة أي علاقة لها بحركة التمرد ومساندتها ودعمها فقد أبرزت الحرب السادسة العديد من الشواهد المؤكدة عكس ذلك تماماً لاسيما في الحرب السادسة على الأقل فيما يتعلق بتعامل الإعلام الإيراني الرسمي ليس مع أحداث صعدة فحسب بل ومع الشأن اليمني بملفاته المتعددة والمعقدة والذي لا يمت إلى الحيادية والموضوعية بصلة بما في ذلك محاولة توظيف أزمة اليمن لتصفية الحسابات الإيرانية مع أميركا ودول الخليج العربي على خلفية الفهم الإيراني المغلوط وغير المبرر لعلاقات اليمن الخارجية ومواقفها القومية.

كل هذا يثير التساؤل عن الخلفية الحقيقية لدخول إيران في اللعبة اليمنية وحشر أنفها في المنطقة بكل قواها بالتالي ومعاودتها ممارستها دور الشرطي الإقليمي وإعطاء نفسها حق تقرير ما يجب عمله وما لا يجب عمله على الآخرين.

النظرية التوسعية الإيرانية منذ ما قبل الإسلام وحتى يومنا في جوهرها تقوم على قاعدة أن السيطرة والهيمنة والنفوذ على المنطقة العربية عامة والخليج تحديداً لن يتأتى إلا بالسيطرة وفرض النفوذ على اليمن.

ومعلومٌ أن لإيران طموح قديم متجدد في الوصول إلى البحر الأحمر تمهيداً للوصول إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر اليمن بعد تمدد شيعي يجد له مكاناً في تقسيم اليمن ثم ينتقل إلى توسع أكبر ليشمل السيطرة على جنوب وشرق الجزيرة العربية متعانقاً مع الهيمنة الشيعية بالعراق بما يضمن في خاتمة المطاف لإيران سهولة التغلغل داخل البؤر المتوترة بالشرق الأوسط والتحكم في أوراقها في سباق مع الزمن للتأكيد على أنها قوة إقليمية لم يعد بالإمكان تجاوزها.

وفي هذا السياق نشر موقع المحرر العربي بتاريخ 24 كانون الأول/ ديسمبر 2006 عدة وثائق صدرت عن الدائرة السياسية لمنظمة بدر التابعة لتيار عبدالعزيز الحكيم بالعراق تمحورت الوثيقة الأولى – 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006- حول إنجازات شيعة العراق والتحالفات التي عقدتها دول عربية عدة مع أميركا لتغيير معالم الخارطة السياسية للعراق والمنطقة بهدف تهديد وجود الشيعة وكيانهم ومستقبلهم في الشرق الأوسط بصورة عامة والقضاء على مخططاتهم وأهدافهم المصيرية خالصة إلى ضرورة التوجه للترويج إعلامياً لمظالم الشيعة وهو ما تم تفصيله في وثيقة ثانية صدرت عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بناءاً على توجيه خامنئي على خلفية إنعقاد مؤتمر شيعي موسع بقم تم فيه الاتفاق على إنشاء منظمة المؤتمر الشيعي العالمي مقرها إيران وفروعها في كافة أنحاء العالم ومهمتها دراسة وتحليل الوضع الإقليمي الراهن والاستفادة من التجربة الشيعية العراقية وتعميمها على السعودية واليمن والأردن ومصر والكويت والإمارات والبحرين والهند وباكستان وأفغانستان وبناء قوات عسكرية غير نظامية لكافة الأحزاب والمنظمات الشيعية بالعالم وتخصيص ميزانية خاصة لتجهيزها وتسليحها وتهيئتها لدعم وإسناد الشيعة في السعودية واليمن والأردن من خلال إنشاء صندوق مالي عالمي مرتبط برئاسة المؤتمر وتفتح له فروع في أنحاء العالم تكون موارده من الأموال التي تجمعها الحكومات العرفية وتبرعات التجار وزكاة الخمس.. لدعم متطلبات المؤتمر الإدارية والإعلامية والعسكرية وتشكيل لجنة متابعة مركزية لتنسيق الجهود في كافة الدول وتقويم أعمالها ومتابعة الدول والسلطات والأحزاب وشن حرب شاملة ضدها في كافة المجالات!!.

ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يشكل هذا التوجه الخطير واحدة من أهم القضايا الخلافية التي طفت على السطح بين الإصلاحيين والمحافظين في الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة وبالتالي اعتبار محمد خاتمي تصدير الثورة من خلال إرسال السلاح والفوضى إلى الدول الأخرى مخالفاً لمبادئ الثورة ولا يخدم المصالح الإيرانية وتوجيه كروبي وموسوي خلال حملتهما الانتخابية انتقادات لاذعة لإدارة نجاد بسبب دعمها للحركات الدينية خارج إيران.

إذن فما تواجهه اليمن اليوم ليس سوى خديعة كبرى واجهتها مذهبية وخلفياتها سياسية تآمرية ترمي إلى استنساخ السيناريو العراقي بصورة تضمن عدم بقاء اليمن موحداً وقوياً وناهضاً وداعماً لقضايا أمته وفاعلاً في محيطه العربي والإقليمي وبالتالي إدخاله في آتون لعبة لا ناقة له فيها ولا جمل وساحة مجابهه إقليمية- دولية- لتصفية حسابات الآخرين.

كما أن إثارة الفتنة المذهبية عدا كونها تمثل تهديداً مباشراً للوحدة الوطنية اليمنية فهي تعد خدمة مجانية لمصالح وأطماع وأجندة وطموحات إيران القديمة المتجددة بالمنطقة

وفي هذا مدعاة إلى وجوب الاصطفاف الوطني أكثر من أي وقت مضى وتتراص الصفوف لوأد الفتنة ومنع التدخلات الخارجية تحت أي مسمى كان كون المستهدف ليس شخص رئيس الدولة ولا الحزب الحاكم بل اليمن ككل.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد