إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

نصر أكتوبر.. من حصد ثماره وحوله إلى كابوس ؟

October(1)وفاء إسماعيل
* لا احد يستطيع التشكيك في قدرة الجندي المصري على المواجهة والصمود في وجه العدو ، ولا في قدرته على صنع الانتصارات إذا توفرت له الوسائل والأدوات ، وقد حدث هذا بالفعل عام 1973 م عندما كانت عملية العبور صدمة للعدو أفقدته توازنه ، بل كانت الحرب الأولى التي اقر فيها قادة إسرائيل بهزيمتهم ، وقالوا عنها كما ورد في كتاب ( زلزال أكتوبر ) للمعلق العسكري الصهيوني ” زئيف شيف ” : لقد هزت حرب أكتوبر إسرائيل من القاعدة إلى القمة ، كما قال أيضا : ” هذه هي أول حرب للجيش الاسرائيلى التي يعالج فيها الأطباء جنودا كثيرين مصابين بصدمة القتال ويحتاجون إلى علاج نفسي ، هناك من نسوا أسماءهم “ ولكنها لم تك يوما حربا خاضها المصري وحده ، ولا حربا صنع فيها الجندي المصري النصر وحده ، بل كانت حرب كل العرب ، والنصر كان لكل العرب ..كانت حرب عربية بإمتياز ، توحدت فيها كل القوى العربية ، وأذهلوا العالم يتوحدهم ، فالجندي السوري الذي افزع “موشى دايان ” وزير الحرب الصهيوني ودفعه لاتخاذ قرار الهرب والفرار من هضبة الجولان السورية تحت ضغط مفاجأة الضربة العربية ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننسى دوره ، كما لا يمكن أن ننسى دور دول النفط وما تحملوه من ضغوط أمريكية – غربية  ردا على مواقفهم الداعمة والمساندة لمصر وسوريا ، ولا دور الفصائل الفلسطينية المقاومة التي قاومت في الداخل والخارج ، وبعيدا عن التفاصيل يعز على كل باحث فى تلك الحقبة التاريخية المشرفة أن يتجاهل البعض حقيقة لا تقبل الشك ألا وهى أن نصر أكتوبر هو” نصر صنعه كل العرب ” بل هو “نصر عربي ” وان التجربة لابد أن تعلمنا انه لا يمكن لطرف منفردا أن يصنع انتصارا إلا بدعم كل الأطراف ، وان وحدة الأمة هي التي تصنع انتصاراتها ، والهزيمة عنوان تفرقها وتشرذمها .
* ننتقل من حقيقة النصر إلى حقيقة أخرى يأبى الكثيرون طرحها خوفا من فقدانهم الإحساس بلذة النصر وطعمه الحلو ، والشعور بنشوة النصر على عدو تجرع مرارة الهزيمة لأول مرة وتحطمت أسطورته التي روج لها على مدى عقود من انه (الجيش الذي لا يقهر ) ..والحقيقة الأخرى التي يجب علينا إدراكها لابد أن نستخلصها من الإجابة على تلك الأسئلة ونقوم بتحليلها والتفكير فيها بتمعن لندرك معا ان انتصارنا فى تلك الحرب أضعنا ثماره وقدمناها على طبق من فضة للعدو المهزوم : من الذي حصد ثمار هذا النصر العظيم ؟ وماهو ثمن دماء الشهداء التي تخضبت الأرض بهم ؟ وماذا استفادت الأجيال التي جاءت فى أعقاب تلك الحرب من انتصارنا العظيم ؟ هل نعمت تلك الأجيال بالآمن والأمان ؟ هل تحسنت أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؟ هل فترة مابعد الحرب أصبحت أفضل من الفترات التي سبقتها ؟ هل استطعنا القضاء على خطر العدو الذي واجهناه واستعدنا كامل الحقوق منه ودفعناه للرضوخ لإرادتنا واحترام إنسانيتنا وكرامتنا ؟ هل تعلمنا من روح النصر فى أكتوبر الدرس الذي ينبغى لنا أن نستخلصه من تلك التجربة أن في اتحادنا قوة وفى انقسامنا ضعف ؟ وماذا لو خرج الشهداء من قبورهم ورأوا ما نحن فيه اليوم من أوضاع سيئة ، ومزرية يندى لها الجبين ، ورأوا عدوهم الذى حاربهم واغتصب أرضهم وأسال دمائهم ..هذا العدو الذي ماكان يحلم بمصافحة انسان عربي ..يجده اليوم بيننا تبسط له الأرض  بالسجاد الأحمر لون الدماء التي سالت من شهداء الأمة الأبرار ويستقبل على أرضنا استقبال الفاتحين الأبطال ، نصافحه وبحرارة وتغفر له كل خطاياه وجرائمه ويتحول من عدو إلى صديق حميم ، يحاصر أخواتنا وأهلنا وينهال عليهم بقنابله وأسلحته الفتاكة المحرمة دوليا ، ويرتكب المجازر فى كل بقعة من أراضينا العربية ورغم ذلك فهو الصديق الذي ترتفع أعلامه فوق عواصمنا نعترف له بما سلب وبما اغتصب دون اى خجل ونستجدى منه الفتات فيتمنع ويرفض ، ونتوسل إليه أن يرحم نساءنا وشيخونا وأطفالنا فيزداد قسوة وعنفا وإرهابا ويفتك بأجساد الجميع ويحولها إلى أشلاء ..ورغم ذلك فهو الداعية الذي يدعو للسلام  ، له كل الأمن والأمان ويحظى بكل الود والاحترام !! فماذا سيقول عنا الشهداء .. من المؤكد أنهم سيفضلون النوم تحت التراب ولكنهم حتما سيندمون على أرواحهم ودمائهم التي دفعوها بلا ثمن … لان روح أكتوبر التي بيننا اليوم قتلتهم فى رقادهم ألف مرة وكانت أقسى عليهم من روح الصهاينة التي واجهوها عام 1973م .
* إننا لا نختلف على قوة وعزيمة هؤلاء الجنود الذين صنعوا النصر ولكن اختلافنا على ثمن تضحياتهم الذي قبضه العدو وحقق بثمن تلك الدماء مكاسب أكثر مما كان يحلم وأكثر بكثير مما كسبه العرب ، بل أكاد اجزم ان خسائر العرب بعد حرب أكتوبر فاقت كل خسائراسرائيل في تلك الحرب ، علينا إن نعى أن الحروب النصر فيها يقاس بالنتائج ، وحرب أكتوبر أفرزت لنا ( كامب دافيد ) هذا الجنين المشوه ،وهذا القيد الذي قيد مصر وأضعف موقفها وأخرجها من حلبة الصراع ، وبات يهدد أمنها القومي  ومازال ، وجعلها عرضة للانهيار بعد ان فتحت أبوابها للعدو الصهيوني في كافة المجالات وتحولت إلى سوق أو سوبر ماركت يباع فيها كل شيء من الإبرة وحتى أعضاء المصري البشرية ..أما الصاروخ فهو من المحرمات !!
* المصري مقاتل شرس في جبهة القتال لا تقف أمامه كل عفاريت الأرض وشياطينها ، سلاحه كلمة “الله اكبر ” كانت تهز كل وجدانه وكانت تدفعه للقتال بشراسة ، لايهاب موتا ولا انتحارا ، ولكن هذا المصري للأسف خذله المفاوض وخان تضحياته ، وأضاع نصرا حققه بدمه وروحه وحياته ..وكل هذا “من اجل عيون كارتر ” تلك الكلمة التي كان يرددها السادات كلما طلب منه مزيدا من التنازلات في منتجع كامب دافيد .. فباتت كامب دافيد كارثة وكابوس على مدى العقود الثلاثة الماضية لم نستطع الفكاك منه أو الهروب .. ومن هنا نخلص إلى شيء مهم علينا استيعابه ألا وهو إننا مقاتلون بارعين .. ولكن كان ومازال عدونا مفاوض أكثر منا براعة ، تفوق علينا فى مفاوضات كامب دافيد التي سحب بها كل انجاز حققناه على الأرض ، وسرق منا ثماره ، كما سرق الاعتراف بحق وجوده بيننا وعلى أرض تم اغتصابها بالقوة ، بل وكبلنا بقيود لا يعلم الله متى نتخلص منها ومنه ، وأجبرنا على ترك الجهاد ونزع السلاح ، و ماترك قوم الجهاد إلا وأذلهم الله .. فهل هناك ذلة أكثر مما نحن فيه اليوم ؟!!
وفاء إسماعيل
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد