إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أسرار لم تكشف من قبل عن دور خفي لتقسيم العراق (سياسياً)!

Taqseem
تطورات جديدة لخلاف بين “شركاء في الجريمة”، كشفت أسراراً لم تكن معروفة من قبل عن دور خفي لسياسي أميركي في “شرعنة” تقسيم العراق “سياسياً”. لقد أبرم هذا السياسي الدبلوماسي، والذي عمل مستشاراً للزعماء الأكراد بعد أسابيع قليلة من الغزو الأميركي للعراق، صفقة يحصل من خلالها على 5 بالمائة من موارد نفط حقول كردستان مقابل “بنود استقلاليتها” التي تضمنها الدستور الذي أعدته أميركا من وجهة نظرها بالكامل سنة 2005. وبمعنى فإن هذه اليد الخفية، كانت وراء “غموض” الدستور بشأن تقسيم الموارد النفطية، وأيضا بسيطرة الإقليم على الحقول الجديدة. لقد وضع “بيتر غالبريث” لمساته في الدستور، وكان يعلن صراحة إنّ “كردستان يجب أن تستقل بشكل كامل”!!.
 وتقول هيلينا كوبان المحللة السياسية المخضرمة في شؤون الشرق الأوسط: في سنة 2003، استقال الدبلوماسي الأميركي بيتر غالبريث في نهاية خدمة حكومية مميزة استمرت 24 سنة. وعلى مدى السنوات التي تلت، عمل كمستشار –بموجب عقود- للزعماء السياسيين في الإقليم الكردي العراقي، وفي الوقت نفسه كان يطرح آراءه في أجهزة الإعلام العامة، برؤية أن أكراد العراق يجب أنْ يُمنحوا “أقصى الاستقلالية” عن حكومة بغداد، بضمن ذلك سيطرتهم الكاملة على المصادر النفطية الجديدة في كردستان. ولكن في حزيران 2004 –تتابع كوبان تحليلها الذي نشرته وكالة إنتر برس سيرفس- أسس غالبريث، وبكثير من الهدوء، شركة صغيرة مسجلة في أميركا، سمّاها (بوركيوباين) وتعني “النيص” أو “الشيهم” وهو حيوان شائك من القوارض، والتي حصلت على حصة 5% من حقول النفط المستغلة حديثاً في إقليم كردستان، وكانت صحيفة نرويجية يومية قد كشفت ذلك السبت الماضي. وكانت هذه الصحيفة داجنس نروينجسلف تحقق، أو تتحرّى حقيقة المشاكل المثارة بصدد العلاقة بين شركة (بوركيوباين) والشركة النرويجية المملوكة للقطاع الخاص DNO والتي شاركت (بوركيوباين) في مشروع النفط الكردي-العراقي. قال صحفيون في الجريدة المذكورة إن اكتشاف أن المالك السرّي حتى الآن لشركة (بوركيوباين) هو بيتر غالبريث، يعدّ مفاجأة كبيرة!. كما احتل غالبريث في الوقت نفسه، العناوين البارزة على مستوى العالم في قصة صحفية لها علاقة بالنرويج. ففي أواخر أيلول الماضي، انفصل عن (كاي آيد) الرئيس النرويجي لبعثة مساعدات الأمم المتحدة في أفغانستان (UNAMI) على هامش كيفية الردّ على ادعاءات الاحتيال في انتخابات آب التي جرت في أفغانستان. وغالبريث كان يعمل نائبا لـ(كاي آيد) منذ شهر مايس. واستقال في أواخر أيلول، متهما (آيد) بمحاولة إخفاء الدليل على الاحتيال واسع النطاق الذي ارتكب خلال الانتخابات.
 وهناك الكثير من (المتوازيات) بحسب تعبير المحللة السياسية بين التحديات التشريعية الدستورية، التي تواجه اليوم قوات الاحتلال الأميركية، وحلفائها في أفغانستان، وواجهت التحالف الأميركي في العراق منذ سنة 2003 وحتى سنة 2008. وتؤكد كابون أن واحداً من هذه التحدّيات الرئيسة بالنسبة لصناع القرار الأميركي، هو كيفية توليد (حكومة بلد مضيف) أي (محتل) يمكن أن تستعمل العمليات الديمقراطية التي يقول معظم المواطنين الأميركيين إنهم يريدونها، ولكنها يجب أن تكون جاهزة للعمل عن قرب شديد وبشكل حقيقي من واشنطن، التي يمانع أكثر مواطني البلدان المحتلة العمل معها!. وقبل احتلال الولايات المتحدة للعراق سنة 2003، كان بيتر غالبريث صوتاً قوياً مدافعاً عن الغزو. ومباشرة بعد غزو العراق، كان واحدا من 3 أو 4 مسؤولين ومستشارين أميركان كبار، بدأوا بوضع الهيكل الأساسي الكامل لدستور جديد للعراق. وتشير المحللة السياسية هنا إلى أن ((معاهدة جنيف الرابعة لسنة 1949، تحدّد أن قوات الاحتلال، يجب أن تستمر بمهمة إيجاد حكم مناسب وتطبيق إجراءات دستورية، بأسرع ما يمكن، حتى تنسحب من ذلك البلد)).وغالبريث كان لفترة طويلة متعاطفاً مع (رغبة الأكراد العراقيين) لتأسيس حكم إقليم قوي، أو حتى “مستقل بشكل كامل عن بغداد”. وفي كتابه الصادر سنة 2006، تحت عنوان (نهاية العراق) كتب غالبريث يقول إنه بدأ التشاور مع الزعماء الأكراد بشأن القضايا الدستورية، بعد مرور أسبوعين فقط على سقوط الرئيس السابق صدام حسين. ولقد استمرّ في تلك الاستشارات خلال الوقت الذي نشرت فيه الولايات المتحدة قانون ((حكم الإدارة الانتقالية)) في شهر آذار سنة 2004، وتبنّي دستور عراقي جديد أكثر ديمومة في شهر تشرين الأول 2005. وتؤكد كوبان أن تبنّي الدستور الجديد تم عبر استفتاء عراقي واسع النطاق، أدير تحت السيطرة الكاملة للجيش الأميركي. وفي قانون (حكم الإدارة الانتقالية) و(الدستور) كليهما، ثمة بند، جرى التعمّد على أن ينص على أن أي محافظة من المحافظات الـ18 العراقية، أو مجموعة منها، لها الحق في إعلان تشكيل “منطقة” أو “إقليم” يطالب بأن يتمتع بسلطات إضافية لحكم نفسه بنفسه. وعملياً لم يتشكل غير الإقليم الكردي متمثلاً بثلاث محافظات شمالية (دهوك، أربيل، والسليمانية) التي تسكنها غالبية كردية. وفي قانون (حكم الإدارة الانتقالية) تُركت المبادئ الخاصة بتقسيم موارد نفط البلد “غامضة”. وفي دستور سنة 2005، جرى توضيح أن الموارد من حقول النفط الموجودة في البلد –العديد منها تقترب من النضوب- يُستمر بالسيطرة عليها من قبل حكومة بغداد المركزية. وورد في الدستور أن “الأقاليم” يمكن أن تفرض الكثير من سيطرتها على أي من حقول النفط الجديدة من أجل تطويرها، ومع ذلك بقيت مسألة (مديات هذه السيطرة) غامضة أيضاً. وفي هذه الأثناء كسب غالبريث وشركته (بوركيوباين) نسبة أرباح الـ 5% من حقل نفط تاوكي الجديد، بالاتفاق مع الحكومة الإقليمية في كردستان، ودخل في شراكة مع DNO النرويجية. وكان غالبريث قد دخل في نقاشات حادة بشأن دستور سنة 2005 لبند يعرّف نظام حكم العراق، على أنه (لا مركزي) بشكل كبير، وبموجب ذلك فإن جميع السلطات تقع ضمن اختصاص المحافظات و “الأقاليم”. وقد ربح غالبريث تلك النقاشات، ولهذا وضع البند كما أراده. وأوضحت المحللة السياسية إن أستاذ القانون المتميز (المصري-الأميركي) البروفيسور خالد أبو الفضل، علـّق على عملية كتابة الدستور العراقي بقوله ((إنه تضمن الكثير من المساهمة السلطوية من قبل عناصر مختلفة في الولايات المتحدة، ليس فقط لتحديد ما ستكون عليه الالتزامات العراقية، ولكن ما الذي تعتقده دولة الاحتلال بأنه سيكون مقبولاً بالنسبة لها)).إن مبادئ اللامركزية الجذرية للسلطات التي كـُتبت في دستور سنة 2005، وفي وقت النفوذ الأميركي الكامل في العراق، مازالت حتى الآن تشكل “طاعوناً” يكاد يصيب البلاد بالشلل. ويحدث هذا برغم أن الولايات المتحدة وافقت في شهر كانون الأول الماضي على سحب كامل قواتها العسكرية من العراق، ويتم تطبيق إجراءات هذا الانسحاب بشكل جيد الآن، فيما تآكلت الى حد كبير سلطة واشنطن في ممارسة المزيد من النفوذ في سياسات البلد. أما قدرة واشنطن على تعزيز موقف الأكراد في المفاوضات الداخلية الجارية الآن، فقد انحسرت بشكل كبير، وأكراد العراق الذين يشكلون نحو 20 بالمائة من سكان العراق، وأغلبيته العربية، قد دخلوا في سلسلة من المشاحنات والتوتر والتهديدات من أجل السلطة، وليس مفاجئاً أنّ جذر الخلاف يتركز على قضايا دستورية وعلى النفط!. والعراق ينتظر أن يجري انتخاباته البرلمانية في 16 كانون الثاني 2010. وصناع القرار الحاليين كان عندهم موعد نهائي (الخميس الماضي) للإنتهاء من تحديد الأحكام التي بموجبها تتم الانتخابات، لكنهم تجاوزوا هذا الموعد. وثمة أمل في أن يستطيعوا الوصول الى اتفاقية بشأن هذه النقطة في غضون الأيام القليلة المقبلة. وبيّنت المحللة كابون أن هذا الخلاف –على القوائم المغلقة والقوائم المفتوحة- يحرّض الأحزاب الكردية –التي تريد القوائم المغلقة- ضد جميع الأحزاب الأخرى في البلد، والتي تصرّح أنها تريد إجراء الانتخابات بنظام القوائم المفتوحة.
 
 وتقول كابون: إن الأحزاب الكردية واللاكردية، حسب تعبيرها، هي الآن في أزمة خلاف حقيقية أيضا بشأن قضية متفجرة فعلا تتعلق بكيفية رسم سيناريو التصويت الانتخابي في كركوك المحافظة الغنية بالنفط والمختلطة الإثنيات والأديان والطوائف. وتقع محافظة كركوك على الحدود الإدارية لمحافظة صلاح الدين، وهي –أي كركوك- ليست جزءاً من إقليم كردستان. ومعظم الأكراد يريدون وبقوة جعلها تحت سيطرة الحكومة الكردية، فيما يعارض العرب والإثنية التركمانية ذلك بقوة. (انتهى موعدان حُدّدا في دستور سنة 2005 بشأن إجراء استفتاء واسع في مدينة كركوك لتقرير مستقبلها)!.
 ولهذا لن يكون مستغرباً أو مفاجئاً لأحد إذا ما أشعل عرب العراق وأكراده حرباً عنيدة على هامش صراعهما من أجل السيطرة على صادرات النفط وموارده. وفي حزيران الماضي، كان حقل نفط تاوكي (الذي دخل غالبريث الاستثمار فيه) كان أول الحقول الجديدة التابعة للحكومة الكردية يذكر في مواقع الإنترنت، والذي تكون 55 بالمائة من نفطه حصة مملوكة لشركة DNO النرويجية، و25 بالمائة منه تملكه شركة تركية، فيما تبقى حصة 20 بالمائة مملوكة مباشرة من قبل الحكومة المحلية في كردستان، والتي بدأت بتصدير النفط فعلاً. لكن الحكومة المركزية في بغداد رفضت دفع مثل هذه الحصص المالية للجهات التي تستثمر في حقول تاوكي، محتجة بأن جميع الترتيبات التجارية التي قامت بها حكومة إقليم كردستان في حقول النفط ليست شرعية على الإطلاق.
 من جهتها، قالت الأحزاب الكردية إنها مازالت قوّية لتتمكن من التهديد بإعاقة صفقة الحكومة العراقية مع شركة صينية لتطوير بعض الحقول النفطية الكبيرة في جنوبي العراق. وفي هذه الأثناء، فإن الحكومة الكردية، وشركة DNO النرويجية سقطتا تحت وطأة مشاكل يمكن أن تُعرضهما للمقاضاة في لندن. ومن خلال التحقيقات التي جرت بشأن هذه الحقائق، اكتشفت شركة داجنس نروينجسلف المصالح المادية الواضحة التي كان غالبريث يملكها منذ وقت مبكر في كامل صفقة الحكومة الكردية مع شركة DNO النرويجية.
 وتكشف المحللة السياسية المخضرمة أن شركة (بوركيوباين) التي يملكها غالبريث قد أبعدت من الصفقة في وقت ما من سنة 2008، ولأسباب بقيت “غامضة”. لكن التطورات اللاحقة لم تنف حقيقة ما جرى خلال السنوات الأربع الماضية، التي كان فيها غالبريث شريكاً نافذاً في مناقشات الدستور السياسية المتعلقة بمستقبل العراق. كما كان له اهتمام مالي غير معلن من خلال المغامرة مع الحكومة الكردية في تطوير حقول النفط التي تزعم أنها يجب أن تبقى تحت سيطرتها.
 وفي الولايات المتحدة –تقول هيلينا كابون- كان غالبريث ذا ارتباطات طويلة مع جناح “الصقور الليبراليين” في الحزب الديمقراطي، الذي يجادل منذ أوائل التسعينيات بأن القوة العسكرية الأميركية، يمكن –وفي بعض الحالات يجب- أن تُستعمل لفرض أجندة حقوق الإنسان الأميركية في أجزاء مختلفة من العالم. والعديد من أعضاء هذه المجموعة هم من المثاليين الليبراليين، ولمّا قرر جورج دبليو بوش غزو العراق، أبدوا أسفهم في ما بعد لأنهم تبنّوا موقفهم ذاك.
 لكن غالبريث –كما تؤكد المحللة السياسية في التقرير الذي نشرته إنتر برس سيرفس- لم يعبّر عن أسفه أبداً، وفي شهر كانون الأول الماضي، سخر بشكل صريح من الاتفاقية التي وقعها بوش للانسحاب الكامل من العراق. إن الكشف عن سنوات عديدة من مصالح غالبريث المالية السرية، مقابل ((التقسيم السياسي للعراق)) ربما يخفض الكثير من نفوذ الصقور الليبراليين المتبقين. لقد كان غالبريث حقيقة كما هي تسمية شركته، ذلك “النيص” الحيوان الشائك، الذي نزع عنه أشواكه الشريرة ونثرها في دستور لا يمكن التوافق على الكثير من نصوص التقسيمية المدمّرة للشعب العراقي.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد