إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الأمن في العراق والأمن العربي

Naqola(1)بقلم نقولا ناصر*
خلال اجتماعات دول الجوار العراقي في منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر يومي الأربعاء والخميس الماضيين، وصف النائب الثاني لرئيس وزراء العربية السعودية وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز ب”الخوارج الجدد” من تصفهم قوة الاحتلال الأميركية في العراق ب”المقاتلين الأجانب”، قائلا إن الاستقرار في العراق يتطلب من دول الجوار منع تدفقهم عليه، وربما حالت مقتضيات الدبلوماسية دون الأمير والخروج على الهدف المحدد من عقد الدورة السادسة لدول الجوار، التي ستستضيف البحرين دورتها السابعة العام المقبل، لكي يتجنب ذكر السبب الرئيسي الذي ما زال يحول دون بلاده وفتح سفارتها في بغداد، وهو أن البلد “المجاور” — الذي لم يعد قطرا عربيا “شقيقا” لأن قادته الجدد قد أعلنوا بأن العرب في العراق هم وحدهم جزء من الأمة العربية – قد تحول إلى قاعدة تنطلق منها إلى الدول المجاورة، وبخاصة العربية، ريح طائفية سموم تهدد بنوع من الخوارج الجدد على الأمة أخطر على أمنها القومي وعلى الأمن الوطني لأقطارها من أولئك الذين حذر الأمير السعودي من خطر تدفقهم في الاتجاه الآخر على استقرار العراق، وكانت الاتهامات الصريحة العلنية التي وجهها مؤخرا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح إلى قوى طائفية في العراق وغيره بدعم التمرد الحوثي في بلاده والأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين المغرب وبين إيران هما المثالان الأحدث على الخطر الكامن في النوع الطائفي الجديد من الخوارج.
 
وإذا كانت المقتضيات الدبلوماسية والسياسية تمنع المسؤولين العرب، الذين ما زالت معظم بلدانهم ممتنعة عن تطبيع علاقاتها مع العراق في ظل الأوضاع التي ما زالت تمزقه تحت الاحتلال الأميركي، تحول دون هؤلاء المسؤولين وتسمية العراق في وضعه الراهن بالاسم الوحيد الذي ينطبق عليه باعتباره “دولة مارقة” على العرب كأمة وكمنظومة إقليمية يمثل الوضع القائم فيه ثاني أهم تهديد لأمنهم القومي بعد إنشاء دولة المشروع الصهيوني في فلسطين، فإن الرأي العام العربي في حل من هذه المقتضيات لكي يطالب حكوماته وأنظمة التجزئة السياسية التي جاءت بها بالتعامل مع النظام الذي جاء به الاحتلال الأجنبي لحكم القطر العربي الشقيق باعتباره نظاما مارقا عربيا خارجا على الثوابت القومية التي تحظى بإجماع الأمة، ولو لفظيا في الأقل.
 
فهذا هو أقل ما يستحقه نظام يصر على إلغاء قسري تعسفي بكل المقاييس السياسية والتاريخية للأغلبية العربية في العراق في محاولة يائسة لتمزيقها على أسس طائفية وعرقية وقبلية لا مثيل لها في المنطقة إلا الممارسة الصهيونية التي تحاول منذ أكثر من ستين عاما تمزيق الوحدة الوطنية لعرب فلسطين في دولة الاحتلال الإسرائيلي بتصنيفهم بدوا ودروزا ومسلمين ومسيحيين ثم الإيغال في تفتيتهم حسب القبائل والمذاهب تماما مثلما يجري تفتيت الأغلبية العربية في العراق على الأسس نفسها اليوم والاستمرار في محاولة بناء نظام سياسي هجين على هذه الأسس التي صاغوها في دستور وقوانين تعفف النظام الطائفي الأقدم عربيا في لبنان عن “دسترتها” وتقنينها.
 
إن الأسباب التي حدت بجامعة الدول العربية إلى عزل مصر ونقل مقرها منها احتجاجا على انفرادها بالصلح مع دولة الاحتلال الإسرائيلي قبل أقل من ثلاثين عاما لا يمكن على الإطلاق مقارنتها بالأسباب التي تستدعى اليوم إعلان العراق دولة توجد في عاصمتها حكومة مارقة تجاوزت كل الخطوط الحمر الوطنية والقومية، مما يستدعي محاربتها ودعم المقاومة الوطنية التي تحاربها وليس عزلها فقط، ناهيك عن أي حرص عربي على أمنها.
 
فالوضع القائم في العراق لم يخرجه من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي “عسكريا” فقط كما حدث بعد اتفاقيات كامب ديفيد المصرية بل سياسيا أيضا، بينما ما زالت مصر في خضم مواجهة سياسية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، لأسباب وطنية في الأقل كون الأخيرة ما زالت تسعى جاهدة إلى تحييد الدور المصري العربي والإقليمي بينما تسعى جاهدة أيضا إلى إنجاح مشروع الاحتلال الأميركي للعراق والنظام الذي انبثق منه، كما أن طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين مصر وبين الولايات المتحدة التي تمخضت عن الصلح المصري معها تختلف نوعيا عن العلاقة العراقية الأميركية الحالية في كون الأولى علاقة تحالفية اختيرت طوعا بينما الثانية علاقة تبعية فرضت كرها على العراق، وبغض النظر عن كل الانتقادات العربية القومية الصحيحة والمشروعة لاتفاقيات كامب ديفيد المصرية وما تمخض عنها، فما زالت الجغرافيا السياسية تعطي العلاقات العربية أولوية لا غنى عنها في مصر، وما زالت الهوية العربية تجد في مصر قلعة لها، بينما تحولت علاقات العراق العربية حاليا إلى علاقة ضرورة لا علاقة اختيار وتجري فيه على قدم وساق محاربة الهوية العربية.
 
وما زال جواسيس إسرائيل يلاحقون ويحاكمون ويسجنون في مصر بينما هم يصولون ويجولون فوق ركام جثث الشهداء الذين ما زالوا يتساقطون يوميا دفاعا عن عروبة العراق. وجاء في خطاب مؤرخ في السابع من الشهر الحالي صادر عن وزارة خارجية هوشيار زيباري إلى البعثات الدبلوماسية الأجنبية أن وزارته “يشرفها أن تبلغكم بإلغاء الفقرة 45 من شروط المشاركة في معرض بغداد الدولي السادس والثلاثين والتي تنص على أن الشركات الراغبة بالمشاركة في المعرض المذكور أن تقدم وثيقة حول مقاطعة إسرائيل” (شبكة المنصور في 8/10/2009)، دون مراعاة حتى شكلية أن حالة الحرب القائمة بين الجانبين لم يتم إلغاءها رسميا بعد كما هو الحال مع مصر.
 
لقد كان افتتاح مقر حلف شمال الأطلسي “الناتو” في المنطقة الخضراء ببغداد مؤخرا، ومباشرة الجنرال الأميركي مايكل دي. باربيرو مهام عمله في الثامن من الشهر الجاري كرئيس للقيادة “الأمنية” الانتقالية متعددة الجنسيات في العراق قبل أيام من انعقاد المؤتمر “الأمني” السادس لوزراء داخلية دول جوار العراق (تركيا وإيران وسوريا والأردن والسعودية والكويت إضافة إلى مصر والبحرين والجامعة العربية كمراقبين) تذكيرا مناسبا بأن قوة الاحتلال الأميركي لن تثق حتى بوكلائها العراقيين عندما يتعلق الأمر بأمن الاحتلال والنظام المنبثق عنه وأن أي مساهمة إقليمية أو عربية في هذا الأمن سوف تظل مجرد عملية تجنيد لعامل مساعد، لتتأكد حقيقة أن الأمن في العراق بوضعه الراهن والأمن العربي نقيضان لا يلتقيان.
 
وهذه الحقيقة بالتأكيد ليست غائبة عن المشاركين العرب في اجتماعات دول الجوار. فمشاركة العربية السعودية في هذه الاجتماعات بالرغم من استمرار مقاومتها للضغوط الأميركية من أجل التطبيع مع الوضع الراهن في العراق، وكذلك مشاركة سوريا بالرغم من الأزمة السورية العراقية المتصاعدة التي استعصت على وساطة تركيا والجامعة العربية، تشير إلى جنوح نحو محاولة احتواء مضاعفات الاحتلال الأميركي للعراق أكثر مما تشير إلى مساهمة فعلية في إحلال الأمن فيه، كما تأمل واشنطن التي ما فتئت تبذل قصارى جهدها لتجنيد مساهمة كهذه منذ الغزو عام 2003، وهذه مهمة أعجزت قوات أميركية وعراقية يزيد عديدها الآن على ستمائة ألف عنصر بعد ما يقارب سبع سنوات.
 
ومما يؤكد ذلك تصريحات المسؤولين الأميركيين الذين ما زالوا يعتبرون “العامل الإقليمي” الممثل في دول الجوار العراقي جزءا من المشكلة الأمنية في العراق أكثر منه جزءا من حلها، كما أكدت ذلك تهديدات زيباري الأخيرة بزج مجلس الأمن الدولي ضد الدول العربية المجاورة بحجة “تدخلها” في الشأن العراقي و”إيوائها” للمعارضين لحكومته ورفضها تحويل جيوشها الوطنية إلى حراس للحدود العراقية كي يتفرغ أكثر من نصف مليون من قوى أمن “العراق الجديد” لمواجهة هذه المشكلة ضد شعب العراق ومقاومته الوطنية، متجاهلا أن المشكلة تكمن أصلا في “التدخل- الاحتلال” العسكري الأميركي وفي التدخل السافر للمقاول الإيراني الأمني من الباطن تحت مظلة الاحتلال، ومتجاهلا حقيقة أن دول الجوار العراقي العربية “تؤوي” أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ عراقي معظمهم إن لم يكن جلهم من “المعارضين” لحكومته.
 
لقد حان الوقت لكي تتوقف أي مساهمة عربية في أي مهمة أمنية في العراق، طالما استمر المحرض الأميركي على أداء مهمة كهذه حريصا على مصالحه فقط ولا يريد إلا دورا عربيا تابعا، وطالما ظل الحكم المحاصر بين الولاء الطائفي لإيران وبين الولاء المصلحي للولايات المتحدة حريصا على منح الأولوية للدولتين في علاقته الخارجية على حساب علاقاته العربية وعلى حساب الأغلبية العربية فيه، ناهيك عن أن كل الدلائل تشير إلى أن نتائج الدور العربي حتى الآن كانت عكسية ولا تخدم ما جاء في التوصية الأولى للمؤتمر السادس لدول الجوار العراقي ب”مواصلة الجهود للحفاظ على وحدة العراق وسيادته واستقلاله … وتمكينه من ممارسة دوره الإيجابي إقليميا ودوليا”.
 
فالمشكلة الأمنية هي مشكلة أميركية – إيرانية في أصلها وأدواتها والأهداف المكشوفة من إطالة أمدها كمسوغ لاستمرار الاحتلال الأميركي والدور الإيراني تحت مظلته حتى يستتب الأمر لنظام يكون وكيلا للطرفين فيه، وهما المستفيد الوحيد منه، والمسؤولية عن حل هذه المشكلة تقع على عاتق المسؤولين عن خلقها وإطالة أمدها، فلا يعقل أن يكون العرب هم الخاسر الثاني بعد الشعب العراقي من استمرار الوضع القائم في العراق منذ الغزو فالاحتلال وأن يطلب منهم المساهمة في أمنه، وبخاصة بعد أن أثبتت ست دورات من مشاركتهم في اجتماعات دول الجوار أن آمالهم قد خابت في أن تكون نتيجة هذه المشاركة في الأقل تحييد الخطر الذي يهددهم من “العراق الجديد”.
 
وفي هذا السياق لا يعود هناك أي مسوغ لأي مشاركة عربية في مؤتمر لل”مصالحة العراقية” ذكرت تقارير الأخبار أن واشنطن تستعد لاستضافته أواخر العام الحالي برئاسة الرئيس باراك أوباما بحضور عدة دول عربية تتوقع إدارة الاحتلال الأميركي أن ينجح حضورها في إقناع المقاومة العراقية أو بعضا منها بإلقاء سلاحها والانضمام إلى “العملية السياسية”.
 
وقد تحدث نائب الرئيس الأميركي جو بايدن خلال الزيارات الثلاث التي قام بها “خلسة” للعراق خلال هذا العام بصورة خاصة عن منح “البعثيين” دورا أكبر في صنع القرار العراقي إن وافقوا على العمل كحزب سياسي مشروع يطلبون ترخيصا له من النظام نفسه الذي يحاول بايدن وحكومته ترسيخه كبديل لنظام حزبهم الذي أطاح به الاحتلال، وقد ذكر تقرير لأسبوعية “الأهرام ويكلي” مؤخرا أن بايدن حث رئيس الوزراء نوري المالكي على السماح للبعثيين بإعادة التجمع في حزب جديد يشارك في انتخابات أوائل العام المقبل، وقد تغلبت على المالكي ولاءاته الطائفية والإيرانية وأحقاده العميقة على العرب والعروبة وأحزابها وبخاصة حزب البعث على واجب الامتنان للأميركي الذي لولاه ما كان في منصبه الحالي لكي يرفض طلب بايدن علنا خلال زيارته الثانية في تموز / يوليو الماضي معتبرا طلبه تدخلا في الشأن العراقي.
 
وقد كانت الأزمة التي فجرها المالكي مع سوريا في آب / أغسطس الماضي بسبب البعثيين، مما جعل وزير الخارجية السوري وليد المعلم يتحدث علنا عن الحساسية التي يصاب بها البعض في بغداد من ذكر البعث، والمالكي في هذه الحساسية لا يفرق بين البعثيين “الصداميين” وبين البعثيين المؤيدين لسوريا بدليل أن المالكي في قائمة البعثيين التي سلمها لدمشق مطالبا بتسليمهم لم يفرق بين الطرفين. وليس من المستبعد أبدا أن يفتعل المالكي ذرائع مماثلة لاختلاق أزمات مشابهة مع دول عربية أخرى تستضيف البعثيين لأسباب إنسانية أو براغماتية أو غيرها مثل الأردن واليمن ومصر وغيرها من دول الخليج العربية.
 
ولا تبدو في الأفق حتى الآن أي مؤشرات واقعية إلى أن الوضع الأمني في العراق قد يتحسن فعلا في المدى المنظور، وبالتالي فإن من الحكمة ألا ينجح الضغط الأميركي في جر العرب إلى السقوط في مستنقع هذا الوضع الذي ما زال دهاة السياسيين الأميركيين ومراكز أبحاثهم يبحثون عن الاستراتيجية الأفضل للخروج منه دون أن يكون أي خروج كهذا هزيمة مدوية تعيد إليهم كوابيس هزيمتهم في فيتنام.
 
إذ بغض النظر عن التصريحات الرسمية للمسؤولين العسكريين والسياسيين لقوة الاحتلال الأميركية في العراق والحكومة الموالية لها في المنطقة الخضراء ببغداد عن “تحسن” الوضع الأمني، فإن الوقائع على الأرض تناقض تصريحاتهم، ويشهد الوضع الأمني تدهورا يتسارع كلما اقترب موعد الانتخابات المقررة في السادس عشر من كانون الثاني / يناير المقبل، طبعا بانتظار التوافق الطائفي على إصدار قانون لهذه الانتخابات من المتوقع أن يعرض على البرلمان الأسبوع المقبل، وهو قانون تضغط الإدارة الأميركية من أجل إصداره بسرعة حتى لا يقود عدم صدوره إلى تأخير الانتخابات وبالتالي تفاقم التدهور الأمني في وقت لم يعد الوضع الأكثر تدهورا الذي تواجهه القوات الأميركية في أفغانستان يسمح بإرسال أي تعزيزات عسكرية إلى العراق، لا بل إنه لم يعد يسمح حتى ببقاء القوات الأميركية فيه بعد أن أصبحت الحاجة ماسة إليها في ساحة الحرب الأفغانية، ولذلك أبلغ قائد قوات الاحتلال في العراق الجنرال راي أوديرنو إحدى لجان الكونغرس أواخر الشهر الماضي بأن الولايات المتحدة تقوم بتسريع سحب قواتها من العراق بالرغم من مخاوفها من تدهور الوضع الأمني فيه. لكن أوديرنو نفسه، على ذمة وكالة الصحافة الفرنسية يوم السبت الماضي، يريد “الاحتفاظ بقوة كبيرة” في العراق للحفاظ على أمن الانتخابات.
 
إن التخبط الذي يعاني منه صانع القرار الأميركي في العراق قد انعكس في القرار الذي اتخذته وزارة الدفاع الأميركية نهاية الأسبوع الماضي بإلغاء أوامر سبق للبنتاغون أن أصدرها  كانت تقضي بإرسال (3500) جندي محارب من اللواء الأول في فرقة الجبل العاشرة من قاعدتهم بولاية نيويورك إلى العراق في شهر كانون الأول / يناير المقبل، خلافا لرغبة أوديرنو المعلنة، بحجة أن الوضع الأمني “يتحسن” في العراق، وهذه ذريعة موجهة بالدرجة الأولى لتضليل الرأي العام الأميركي نفسه الذي يتحاشى البنتاغون إخباره عن السبب الحقيقي المتمثل بتوفير احتياط لتعزيز الجبهة الأفغانية.
 
* كاتب عربي من فلسطين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد