إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السعودية: عنف الاستهلاك يطال المقدس.. بقلم: د. مضاوي الرشيد

Hotel
التقطت صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية خبر افتتاح فندق فخم على مقربة من الحرم المكي الشريف واستطردت في وصف خدماته ذات التكاليف الباهظة من حمامات ساخنة الى غرف الشوكولاته التي تجسد الاستهلاك. وآخر صرعاته بينما تبقى فضائيات العرب وابواق القائمين عليها صامتة غير مبالية بهذا الانجاز الحضاري الجديد والصرح العتيد في قلب العالم الاسلامي. اما المسلمون فهم آخر من يعلم ويهتم وليس ذلك بالمستغرب اذ ان اغلبيتهم الساحقة ان قدر لها زيارة مكة فستكتفي بخيم تنصب لهم او فنادق بسيطة يرتادونها في حجهم وعمرتهم.
استطاعت السعودية تمرير استثمارات امرائها والسلسلة الكبيرة للشركات التابعة لهم في منطقة مكة تحت ذريعة توسيع الحرم ليستوعب الاعداد المتزايدة من الحجاج ومن مبدأ خدمة الحرم الشريف وزواره. ولكن تبقى هذه الذرائع مكشوفة عرتها مشاريع الاستهلاك التي اهلكت سماء مكة بقبحها وبهرجتها واضوائها وجردتها من تاريخها الطويل العريق. وبينما تحاول المنظمات الدولية والاقليمية الحفاظ على التراث القديم لمناطق مختلفة من العالم نجد ان صمت هذه المنظمات عن المعول السعودي في مكة يظل قائما تماما كما هو صمتها على المعول الاسرائيلي في القدس ويبقى عنف الاستهلاك يسلط على المقدس في السعودية حتى اشعار آخر. ولهذا العنف ارتباط طويل بتاريخ المملكة حيث تعتبر منطقة الحجاز غنيمة حرب وليس ارثا للمسلمين ولذلك يستطيع صاحب الغنيمة توزيع الارض والجبال حسب ما تمليه معادلة المحاصصة الداخلية دون التفات الى التاريخ والتراث وقدسية المكان او حتى الذوق العام. ينسى النظام السعودي ان مكة ليست بمدينة صناعية تبنى زمن الطفرة ومن ثم تهجر في مرحلة التقشف وهي لا تعمر كمشروع تنمية يقص شريط افتتاحه تحت اضواء عدسات الصحافة المحلية والعالمية وهي لا تزدهر لانها تمثل رؤية تنموية جديدة تضاف الى موسوعة الانجاز السعودي واحصاءات الوزارات المعنية. فمكة كانت قائمة وعامرة في فترة ما قبل النفط ولم تندثر معالمها التاريخية ويطالها عنف الاستهلاك الا زمن الطفرة النفطية وما يلفت النظر ان القديم المرتبط بالتاريخ السعودي المحلي قد حفظ وتمت اعادة بنيانه وفقا لملامحه السابقة. ونذكر هنا الجهود السعودية الجبارة في اعادة اعمار الدرعية معقل النظام السعودي ومركزه السابق فبعد ان هجر المكان على خلفية تدميره من قبل ابراهيم باشا في القرن الثامن عشر تم ترميم اطلاله عله يذكر البلاد والعباد بتاريخ قديم له دلالات في الوقت الحاضر. اما مكة فينالها ما ينالها من عمليات الهدم التي تغير ملامحها الى الابد وتسلخها من تاريخها القديم لتحل مكانها كمدينة مشوهة مرتبطة بالاستثمارات المشبوهة والمباني الشاهقة. لن تنفع ذريعة توسيع الحرم المكي في اقناع العالم ان هدم المباني واستبدالها بفنادق فخمة هو من باب خدمة الحجاج اذ ان تكلفة غرفة في مثل هذه الفنادق تتجاوز دخل اكثر المسلمين ولمدة اشهر كاملة. وان كان هدف الحج ازالة الفوارق الاجتماعية والطبقية وصهرها في تجربة روحانية تبتعد عن الدنيا ولهوها وعبثها ومشاغلها الا ان التجربة السعودية قد تكرس هذه الطبقية وتعيد صياغتها من شرفات الفنادق الفاخرة وسيعود مدخولها الى جيوب ممتلئة مسبقا. استطاعت هذه العبثية السعودية ان تتلاعب بالمقدس وميراثه وتتجاوز حدود الذوق والحفاظ على الارث الديني. وبالاضافة الى المردود الاقتصادي المرتبط بمشاريع بناء الفنادق والخدمات نجد ان المعول قد التصق بنظرة عامة وشاملة هدفها اعادة صياغة تاريخ مكة ليبدأ هذا التاريخ من اوائل القرن العشرين لحظة ما يسمى بفتح الحجاز ومن هنا يبدأ التاريخ وينتهي.
ان عملية محو الذاكرة التاريخية للمكان من اهم الخطوات التي تتبناها عادة الانظمة المتسلطة التي تحاول ان تعيد صياغة الماضي ليناسب احتياجاتها المرحلية فتجرد الناظر من محاولة فهم الاستمرارية وتغير المراحل حيث تحدد هي نقطة البداية وكما تغير كتب التاريخ وروايته في المدارس نجد ان عملية سلخ المجتمع عن ماضيه ترتبط ايضا بعملية تغيير اسماء الشوارع والمباني والمناطق. واضفاء اسماء جديدة على الصروح المشيدة المرتبطة بالحقبة الزمنية الحالية لتكون شاهدا على العصر وتذكر بصورة مرئية واضحة المشاهد بانجاز جديد علّ ذلك يمحو من الذاكرة الحقبات السابقة بسلبياتها وايجابياتها. وينشأ نتيجة ذلك جيل جديد مسلوخ عن ماضيه لا يتذكر منه سوى ما يختاره معول الهدم او معول الترميم. يطال الاول معالم سابقة اما الثاني فيرمم ما يتصل ببداية التاريخ حسب المروية الرسمية. ومكة ليست وحدها في ابتلائها بعنف الاستهلاك اذ ان هذا العنف قد طال المقدس يشكل عام وبكافة مرافقه حيث اصبحت طقوس العبادة نفسها عملية استهلاكية تستثمر اعلاميا لاغراض معروفة ومنها جوائز توزع وصدقات ترتبط بشخصيات تجاهر بصدقاتها كسبا لرصيد ديني واجتماعي وسياسي فتحول العمل الخيري ومؤسساته الى بنوك استثمار تستعرض ارصدتها وانجازاتها على الملأ في سباق منقطع النظير. وارتبطت مراكز العبادة باسماء معروفة تحتكر المقدس وخلت الساحة من منافسين جدد قد يدخلون السوق فجأة ودون سابق انذار. ان ربط السياسي بالمقدس سهل دخول عنف الاستهلاك الى اكثر الساحات بعدا عنه او هكذا يجب ان تكون. وطالما ظل السياسي محتاجا لشرعية المقدس سنجده يسخره في صراع دنيوي ولمصالح شخصية بحتة او اهداف استراتيجية تتغير بتغير الحقبة التاريخية. ادت عملية الربط هذه الى تغير ملامح اقدس الاماكن عند المسلمين تحت ذرائع مختلفة وطالت ما هو ابعد من ملامح المكان وصولا الى محو الذاكرة التاريخية الجمعية ليس فقط لسكان المنطقة بل الى المسلمين بشكل عام. وقد يتساهل المراقب تجاه محو مبنى يذكر بحقبة تاريخية سياسية قديمة او يتفهم الهدف من عملية الازالة لكن من الصعب مراقبة عملية الاستهلاك الحالية لمكان له من المركزية ما يجعله فوق رغبات السياسي واستثماراته المالية الضخمة او مرورها دون تعليق او مساءلة. ولكن مع الاسف رغم كثرة المراقبين في الداخل السعودي والخارج الا انهم غير منظمين في مؤسسات ضاغطة في الدول الاسلامية لذلك ستستمر عملية تغير ملامح مكة تحت مظلة صمت مطبق وسيظل المقدس بكافة طقوسه ومؤسساته مطية للسياسي يسخره في بحثه المستمر عن شرعية ربما تكون قد تآكلت تحت ضغط المرحلة الحالية رغم ما يصرف على ترسيخها من اموال وفضائيات واجهزة عصرية وعلاقات عامة.
ولن يهدأ عنف الاستهلاك الحالي الا اذا تغيرت العلاقة بين السياسي والمقدس حيث يصبح المقدس مساحة حرة مستقلة وقائمة دون وصاية السياسي. هذه الاستقلالية هي وحدها ما يضمن حفظ التراث بشكل لا يجعله مركزا يستغل حسب الاهواء والارادات الشخصية. والاستقلالية تحتاج الى خلفية اقتصادية صلبة لا تربط نموه والحفاظ عليه بالمكارم والاتوات الآنية ومؤسسات لها ثقل اسلامي يجعلها خارج سلطة السياسي. ومع الاسف لا تبرز ملامح هذه المرحلة في الوقت الحالي اذ ان معظم الفعاليات الاسلامية لا تزال ضعيفة بل هي مرتبطة بمركز له قدرات اقتصادية هائلة تفوق قدراته ويعتمد على التمويل السعودي بشكل او بآخر. وستظل مواسم الحج والزيارات الى الاماكن المقدسة مرتبطة برغبة السياسي المهيمن عليها. وسيمر حجاج هذه السنة على معالم الاستهلاك بصمت وربما يطوفون حولها دون ان يدخلوها لان دخولها سيعتمد على رصيد بنكي كبير ولكنهم لن يخسروا الكثير اذ ان رحلتهم ربما تجسد تجربة الحج الحقيقية وليس سياسة السياحة الدينية التي يجري الترويج لها حاليا. اذ ان الكثير منهم ربما لا يعرف معنى السياحة ناهيك عن السياحة الدينية الجديدة التي تتوج بزيارة غرفة بخار ساخنة او تذوق شوكولاته فندق مكة الحديث.
 
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد