إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحرب والسلام والديمقراطية في زمن العولمة (2)

picture(1)شريف سالم
الولايات المتحدة و أوروبا
 
 
يقول الفيلسوف البريطاني جون لوك :
 
” ليس هناك من شيء تستطيع أن تقنع به أحداً بأنه على خطأ, سوىأن تضعه أمام الحقيقة.”
 
هذه محاولة لنفض الغبار المتراكم على بعض خفايا وأسرار نظام العولمة … و لإماطة اللثام عن الوجه الحقيقي لما يسمى بالنظام العالـمي الجديد, لعلنا نستطيع من خلالها أن نضعك عزيزي القارئ أمام الحقيقة… أو نضع الحقيقة أمام عينيك عاريةبكل ما تحمله من تفاصيل.      المؤلف
 
بعد هذه التحولات التاريخية الكبيرة التي طرأت على خارطة العالم الجيوسياسية, شهدت كثيراً من المناطق تطورات دراماتيكية على كافة الأصعدة وفي شتى ميادين الحياة كنتيجة مباشرة لحالة الفوضى والاضطراب التي عمت مختلف أرجاء الأرض جرَاء فقدان حالة التوازن الاستراتيجي التي نعمت بها لردح طويل من الزمن. لقد أدت هذه التحولات إلى نشوء عالم أحادي القطب يسير وفق أجندة مصلحيه واحدة ومحددة , وتحكمه رؤى تصب في خانة الهيمنة والسيطرة على مُقدرات الأمم والشعوب .
                                                                                          
لم تُدرك دول أوروبا أهمية استقلال قرارها عن الولايات المتحدة إلا متأخراً بعض الشيء, حيث سارعت في إقامة وحدة اقتصادية بين دولها مكونةً بذلك كتلة اقتصادية كبيرة, ومن ثم طرحت عملة موحدة وشكلت برلمانا مشتركا, اعتقادا منها بأن أي شكل من أشكال الوحدة بين دولها سيعطي هذه الدول مزيداً من المنعة أمام محاولات الولايات المتحدة للتغول على القرار الأوروبي مستقبلا. من الواضح أن أوروبا قد خطت خطوات واسعة باتجاه الوحدة الاقتصادية وحققت نجاحا نسبياً في الوقوف أمام الهيمنة الاقتصادية الأمريكية , ولكنها بكل تأكيد لم تحقق النجاح المرجو في مسألة استقلال القرار السياسي الأوروبي الموحد وذلك لاعتبارات إقليمية خاصة بكل دولة من دول الاتحاد.
 
لقد بدا ذلك جلياً في مسألة الحرب على العراق , حيث استطاعت الولايات المتحدة أن تجند بعض دول أوروبا للوقوف إلى جانبها في هذه الحرب رغم أن الأوروبيون يدركون أن أية منافع قد تجنى جّراء الحرب سوف تحضى الولايات المتحدة بنصيب الأسد منها.بعض الحكومات الأوروبية ترى أن مصالحها لا تزال مرتبطة بالمصالح الأمريكية وبدورها الدولي في ضوء الظروف الدولية الراهنة, رغم أن الولايات المتحدة لا تتورع في أن تتحلل من أية ارتباطات أو التزامات أخلاقية مع الغير إذا ما تطلبت مصالحها الذاتية ذلك, ولكن الشعوب الأوروبية تبدي في اغلب الأحيان مواقف مناقضة تماما لمواقف حكوماتها في كثير من القضايا الدولية ذات الشأن, الآمر الذي لا نجده عند الشعب الأمريكي, ومرد ذلك إلى عدة أسباب من أهمها :
                                                                                                                                           
 أولا : أن الذهنية الحضارية المنفتحة التي تتمتع بها الشعوب الأوروبية والمستندة إلى ماض عريق ومنظومة قيم أخلاقية وحضارية والتي تحمل بين حناياها نفحات من قيم الشرق وأصالته ,تلعب دورا هاما في هذه المسألة. وليس أدل على ذلك من ماضيها الاستعماري في المنطقة العربية الذي منحها ميزة المعرفة بالمنطقة وبشعوبها وبنمط تفكيرها, فهذه الميزة تفتقدها الشعوب الأمريكية عند تعاملها مع قضايا الغير, وخصوصا قضايا العالم العربي والإسلامي.                                           
 
ثانيا: العامل الجغرافي. قد لا يختلف اثنان على أن قرب أوروبا من عالمنا العربي والتلاقح الحضاري المستمر منذ الفتوحات العربية الإسلامية للقارة الأوروبية , لا زال يشكل أحد العوامل المهمة التي تستند إليها الذهنية الأوروبية عند تعاطيها مع قضايا المنطقة. وعليه, فان مواقف الشعوب الأوروبية من القضايا العربية تعطي مؤشراً أكثر دقة من مواقف الشعب الأمريكي من ذات القضايا, الذي يتبنى مواقف حكوماته في أغلب الأحايين.                                                        
 
عند الحديث عن مواقف الشعوب ووجهات نظرها من مختلف القضايا الدولية, نجد انه من غير المنطقي وضع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا في سلة واحدة, خصوصاً بعد أن باتت الولايات المتحدة ’تغلَب الخيار العسكري واستخدام القوة عند تعاملها مع القضايا والأزمات الدولية, وأنها لا زالت مولعة ببريق القوة والمجد العسكري لكي تحافظ على مكانتها كقوة عظمى بين الدول. أوروبا من جانبها كانت تمارس نفس السياسات وتلعب ذات الدور في يوم من الأيام, لكنها عدلت عن ذلك وأصبحت تميل إلى الحوار والدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى, فلم تعد تشاطر الولايات المتحدة كثير من مواقفها وسياساتها إلا فيما ندر.                                                             
 
لقد انتهجت الولايات المتحدة سلسلة من المواقف وتبنت عدداً من السياسات , أسهمت جميعها في خلق حالة من الإرباك على الساحة الدولية , حيث اصطدمت هذه السياسات مع الشرعية الدولية في أكثر من مناسبة وفي مواقف مختلفة, لكن نفوذ الولايات المتحدة وسطوتها على معظم المؤسسات الدولية كانت تساعدها بالخروج من كل مأزق بأقل الخسائر. أما إذا ما تعارضت قرارات الشرعية الدولية والسياسة الأمريكية, وهي حالات نادرة, كانت ترجع إلى مؤسساتها التشريعية الخاصة وتستند عليها في تنفيذ سياساتها متجاهلة بذلك الإرادة الدولية وضاربة بكل قراراتها الملزمة عرض الحائط.                
                                                
هناك صورة محزنة مضحكة تتكرر في المشهد السياسي الأمريكي باستمرار. ففي الوقت الذي تطالب فيه دول العالم بإجراء إصلاحات داخلية والالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون, تتجاهل هي نفسها الشرعية الدولية وتقفز فوق كل النظم والقيم الديمقراطية وتخرق ابسط حقوق الإنسان في كل مكان . إن ما كان يحدث في معتقل غوانتانامو ومعتقل ابوغريب في العراق ومناطق عديدة في أفغانستان يؤكد هذه الصورة النمطية القبيحة للسياسة الأمريكية .                           
 
عند الحديث عن السياسات الأمريكية, يقفز إلى الذهن سؤالاً جدلياً لا بد من الإجابة علية. هل السياسات الأمريكية المتتالية هي التي كَرست ثقافة الموت في الذهنية الأمريكية, أم أن ثقافة الموت هذه هي التي أفرزت تلك السياسات ؟                                                                                                                                                          
 
في كتابه ” الفردوس والقوة: أمريكا وأوروبا في النظام العالمي الجديد” يقول روبرت كاغانإنالصورة النمطية التي يرسمها الأوروبيون عن الأمريكان في أذهانهم هي صورة شعب تسيطر عليه ثقافة الموت ولديه ولع في الحرب وان هذه النزعة نتاج مجتمع يتميز بالعنف حيث أن كل شخص فيه ’مسلَح ويرفع شعار “الموت قصاص المرحلة” . إننا لا نغالي إذا قلنا أن ذات الصورة, وربما بشكل أكثر بشاعة, محفورة في عقول كل شعوب الأرض دون استثناء ولا تقتصر على الأوروبيين وحدهم. ينظر الأمريكيون إلى العالم على انه منقسم إلى قسمين, أعداء وأصدقاء. إن لم تكن معي فأنت ضدي. هذا بالتحديد ما عبَر عنه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في أحد تصريحاته للصحافة.
 
هذه النظرة إلى العالم , نظرة استعلائية ومتطرفة تنم’ عن ذهنية عدائية للغير وتطرح في ذات الوقت تساؤلاً جدَياً حول مستقبلالعلاقات الدولية والتعاون الدولي بين الأمم. إن سياسة العصا والجزرة التي تتبناها الولايات المتحدة إضافة إلى الكيل بمكيالين, أن لم نقل عدة مكاييل, تتنافى والشرعية الدولية والقيم الإنسانية وابسط قواعد الديمقراطية وأخلاقيات البشر في شتى بقاع الأرض. غني عن القول أن الاستمرار في إتباع مثل السياسات, والتعاطي مع القضايا الدولية , الحساسة منها على وجه التحديد , بعقلية عدائية استعلائية ومحاولة حلالنزاعات الدولية باستخدام القوة العسكرية , سيترتب عليها حتماً نتائج وخيمة وربما مدمرة لا تستطيع معها دول العالم مجتمعة, ولا حتى الولايات المتحدة ذاتها , تحمل تبعاتها.                                   
 
أما الأوروبيون فيقفون على النقيض مع الأمريكيون في هذا التصور, فهم يعتقدون أن هذه السياسات ليست الشكل المناسب للتعامل مع القضايا الدولية الناشئة ولا حتى المزمنة منها, وان تقسيم العالم على هذا النحو يخالف الصورة الحقيقة التي يراها الجميع. إنهم ” أي الأوروبيون” ينظرون إلى العالم كصورة كونية متعددة الألوان وليست فقط ابيض واسود, أنها أكثر تعقيدا من ذلك كما يقولون, الآمر الذي يحتَم على المجتمع الدولي التعامل مع تفاصيلها بحكمة ودبلوماسية أكثر. لا خلاف على إن دول أوروبا لها إطماع في بعض مناطق العالم تماماً كالولايات المتحدة , ولها مصالح تسعى إلى تحقيقها وخصوصا في العالم العربي والإسلامي , لكن أساليب مقاربتها للقضايا يختلف تماماً عمَا تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية. لقد حان الوقت لبناء العلاقات الدولية بين الدول على أساس المصالح المشتركة واحترام إرادات الشعوب وصون مقدراتها والكف عن انتهاج سياسات الهيمنة بشتى صورها وأشكالها في عالم بات منهكاً من وطأة الظلم الواقع عليه, ومحروماً من نعمة الاستقرار.    
 
 
في الحلقة القادمة / وسائل الإعلام الأمريكية:  هل هي سلطة رابعة أم أكثر؟
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد