إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

“موطني” يا فضائية الجزيرة، أم “فدائي”؟

AlJazeeeeraد. فايز أبو شمالة
 
كان نشيدنا الوطني الذي غنت له كل فلسطين، ولعلع له رصاص الثورة في كل ساحات المواجهة، وتبنته منظمة التحرير الفلسطينية زمن النوايا الجدية، والفعل الصادق لتحريرها، كان النشيد الذي طرزته الفلسطينية على منديليها، وغنته ليلة زفافاها، ورددناه في أقبية التحقيق، وفي سجون صهيون، كان نشيد “بلادي” كلمات الشاعر سعيد المزين، فتى الثورة، وألحان الموسيقار المصري على إسماعيل، وتقول بعض كلماته: بلادي بلادي، بلادي يا أرضي، يا أرض الجدود، فدائي فدائي، فدائي يا شعبي يا شعب الخلود، بعزمي وناري، وبركان ثأري، وأشواق دمي لأرضي وداري، صعدت الجبال وخضت النضال، قهرت المحال عبرت الحدود، بحق القسم تحت ظل العلم، بأرضي وشعبي ونار الألم، سأحيى فدائي، وأمضي فدائي، وأقضي فدائي إلى أن تعود.
 
إنه النشيد الوطني الذي رافق المقاومة، والقسم الذي ألهب المشاعر على المضي قدماً بالتضحية حتى تعود كل فلسطين. فلما قصرنا، وعجزنا، وتخاذلنا، وفشلنا في إعادتها، وصار لنا سلطة حكم ذاتي، وقوات أمن تتسلم سلاحها بعد ترقيمه من إسرائيل، أدركنا أن الدولة الفلسطينية لن تقوم إلا وفق الشروط الإسرائيلية المهينة، فكان لا بد أن يصير للفلسطينيين أناشيد أخرى تتناسب والحالة السياسية الجديدة، ومنها نشيد: موطني موطني، الجلال والجمال والسناء والبهاء، في رباك، في رباك، والحياة والنجاة والهناء والرجاء، في هواك في هواك، هل أراك، هل أراك، سالماً منعماً، وغانماً مكرماً، هل أراك في علاك.
 
إن التغيير الحاصل في السياسة الفلسطينية، والتخلي عن الثورة، والسعي لشبه دويلة، لا بد أن يتعرض للنقد، وللسخرية، ولاسيما بعد أن تخلى عن حلم تحرير فلسطين، ورضي بواقع الحكم الذاتي، فكان النقد للواقع الفلسطيني من خلال محاكاة النشيد، والتقليد الساخر له بالكلمة واللحن، وهذا النقد تعبير عن حالة الضيق، والقرف التي يعيشها الإنسان الفلسطيني، وهي رسالة شديدة اللهجة للسلطة الفلسطينية علّها تعي حقيقتها، وحقيقة الشعب الذي ضاق ذرعاً من هذه الحالة. ولا بأس من نقل بعض كلمات النشيد الساخر، وهو بعنوان: “كان موطني”، يقول: الوبال والضلال والبلاء والرياء في رباك في رباك، والطغاة والبغاة و الدهاء لا الوفاء في حماك في حماك، ها أرآك لا سواك، خانعاً مكمماً بقادتك مسمماً، ها أراك ها أراك، كبلت يداك تصطلي لظاك موطني، موطني.
 
 
 
إن هذا الأسلوب من المحاكاة في الشعر معروف، وهو نقد ساخر يجيء على وزن القصيدة، وقافيتها، وقد سبق للشاعر إبراهيم طوقان الذي كتب نشيد موطني أن حاكى قصيدة الشاعر العربي المصري أحمد شوقي، وهو يقول:
 
     قم للمعلم وفّه التبجيلا                   كاد المعلم أن يكون رسولا.
 
لقد حاكاه الشاعر طوقان قائلاً:
 
شوقي يقول وما درى بمصيبتي          قم للمعلم وفّه التبجيلا
 
أقعد، فديتك، هل يكون مبجلاً             من كان للنشء الصغار خليلا
 
تجدر الإشارة هنا إلى أن الذين تحرقوا على تحريف كلمات القصيدة الفلسطينية “موطني” وهاجموا فضائية الجزيرة على جرأتها في توصيل الحقيقة للمواطن العربي، ونقل الواقع الفلسطيني كما هو، ودون تزييف، هم الذين حرفوا نشيد فدائي، وألغوا مضامينه من الذاكرة، واستبدلوا معانيه قبل أن يحقق غرضه، وقبل أن تعود البلاد التي من أجلها كانت الثورة، والشهداء، والأسرى!. فلم يغضبون ممن يحاكي ساخراً كلمات قصيدة “موطني”؟ وقد سبق الجميع الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، الذي انتقد الزعامات الفلسطينية التي تهادن، وتساوم، وتضع يدها في يد عدوها، ثم تبيع للناس وطنيه، فقال فيهم:
 
سمْسرْ وخُنْ، وأغْششْ وبعِْ، تِكُنْ بطلاً عظيماً
 
يا شعبُ، قد حَلَقتْ زعامتُك البلادَ فقلْ: نعيماً
 
ملاحظة: من المفارقات الغربية جداً، أن نشيد “موطني” صار النشيد الوطني للعراقيين بعد الغزو الأمريكي لبلادهم.
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد