إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عُذراً أيّها الجنرالات

alt

عندما انتفضت عن النظام في صغري، لم أكن أبلغ الحلم بعد، ولم أكن أعرف ما هو النظام أصلا ولا أعرف عن السياسة شيئا، كنت لا أعرف ما تحتويه كثير من المصطلحات المستخدمة في عالم اليوم.

ثورتي كانت بالفطرة ضد الظلم وضد الحقرة بالتعبير الجزائري الخالص، حيث أنني شاركت في إضراب مفتوح في بداية الثمانينات، رفقة أبناء دشرتي كبيرهم وصغيرهم، ووجدنا سنداً منقطع النظير امتد إلى قرى وبلديات أخرى وحققنا مطالبنا دون اللجوء إلى العنف.

مطالبنا لم تكن سياسية، بل كانت مطالب اجتماعية، كنّا نفتقد إلى أبسط الضروريات،كتعبيد الطريق والماء والكهرباء والنقل والتعليم… كنا نتنقل على الحمر وعليها نحمل أمتعتنا ونأتي بالماء الشروب وغاز البيتان والسّميد…

ما أريد قوله اليوم هو أن ثورتي كانت ولا تزال ضد الظلم، وهي ليست ضد أشخاص بعينهم، لأن الأشخاص في النهاية سيغادرون الحكم سواء كانوا على المستوى المحلي أو على المستوى المركزي لسبب أو لآخر، لكن الظلم باق إلى يوم القيامة.

كثير ممن أسسوا معارضتهم ضدّ أشخاص بعينهم، لم تكن معارضتهم مبنية على نظرة دقيقية، بل كانت عبارة عن انفعال وغضب، ينتهيان متى تغيرت الأحوال، و سرعان ما أزيح الذين كانوا يعارضونهم، وجدوا أنفسهم في مأزق أمام شرائح كبيرة من المجتمع، مما صعّب عليهم الأمر وأصبحت رسالتهم لا تمرّ، وكلّما تحدث واحد منهم عرف الناس ما سيلي قوله من ذلك الشريط أو تلك الأسطوانة المشروخة .

حفظ المجتمع الجزائري كلمة الجنرالات، بل عرف العالم أجمع معنى هذه الكلمة، كما عرف المجتمع كلمة الإرهاب في المقابل، وكل المجتمعات فهمت لعبة القط والفأر، فهل حان الوقت لاستبدال هذين المصطلحين بمصطلحي الملموس والمنطق ؟

ربّما منكم من ينتظر سبب اعتذاري للجنرالات، فأقول بداية أنني أفرق بين الجنرالات، فمنهم معتد ومنهم ظالم لنفسه ومنهم من هو مقسط، واعتذاري لهم هو نسبي وليس مُطلقا، والسبب هو ما أرى من أفعال “الكابرانات” “رتبة عريف” والحرس البلدي وأعوان الشرطة وأعوان الإدارة… ومن الذين يتقمصون شخصيات غيرهم، يبيعون ويشترون بالقضايا، ناهيك عن الرشاوى والسرقات وتبذير المال العام، ويحققون أهدافهم بالنصب والاحتيال واستغلال المناصب التي عينوا فيها لخدمة الشعب فإذا بهم يحولونها لأغراضهم.
عندما أرى من هو خارج السلطة وهو في مرحلة الحبو والضعف وتراه يتوعد أن لو أمسك بفلان لما تركه يتنفس.
عندما أرى التسلّط في الأحزاب والحركات والجمعيات والمعارضة المغرضة.
عندما أرى الرياء والتفاخر بالجاه والمال داخل العائلات البسيطة.
عندما أرى النواب الذين أوكلهم الشعب لخدمة القضايا والتعبير بلسان البسطاء كيف يبيعون زوجاتهم ويغيرون إقاماتهم ويفعلون الأفاعيل.
عندما أرى الوعود الكاذبة والغدر والتجسس في أتفه الأمور عند عامة الناس.
عندما أرى التكبر في إلقاء السلام من أناس لا يملكون قوت يومهم.
عندما أرى الحفاة والعراة ورعاة الشاة يتطاولون على الناس، إذا ما خرجوا مما كانوا فيه من فقر وحرمان.
عندما أرى أبناء الأحياء القصديرية كيف يتحولون إذا ماهاجروا، عندما أرى بعض الحراقة عندما يُسوُّون أوضاعهم…
أقول ماذا لو كان هؤلاء جنرالات؟حينها تحدثني نفسي وتطلب مني لأن أعتذر للجنرالات وأقرأ لهم الأعذار.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد