إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

المصالحة الفلسطينية وسوق المزايدات

المصالحة الفلسطينية وسوق المزايدات

بقلم: زياد ابوشاويش

لا يعرف الشعب الفلسطيني أمراً أرهقه واستنزف طاقة أبنائه قدر هذا العنوان الذي بات سوقاً للمزايدات من كل نوع وفي كل اتجاه، وما بين تأجيل وآخر تبرز عقبات جديدة أمام المتحاورين في فريقي الخلاف وخصوصاً حركة حماس التي يستهدفها التغيير الذي طرأ على الورقة المصرية بحيث لا تتمكن من البقاء كقوة مقررة في الشأن الفلسطيني وخاصة ما يرتبط منه بعملية السلام المزعوم.

إن غياب الضمانات العربية والدولية لنتائج الانتخابات الفلسطينية القادمة بشكل متعمد وإصرار الولايات المتحدة والرباعية على شروطها بما يخص التزام حماس بالاتفاقات السابقة ونبذ العنف والاعتراف بالكيان الصهيوني بغض النظر عن نتائج أية انتخابات يتفق عليها بين الطرفين المتنازعين يفقد عملية المصالحة والورقة المصرية أية قيمة جدية. إن ما عبر عنه مبعوث الادارة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل بعد عودته لبلده من جولته الأخيرة في المنطقة والتي فشل كالعادة بإقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان ناهيك عن وقفه تدلل على ما ذكرناه للتو حول الضمانات فقد أعاد الرجل التأكيد على شروط الرباعية لقبول مشاركة حماس في السلطة أو أي حكومة فلسطينية قادمة. الجدير بالذكر هنا أن الشروط والالتزامات لا تفرض إلا على الجانب الفلسطيني وتنتظره العقوبات إن أخل بأقل إلتزام للولايات المتحدة والرباعية بينما تقوم إسرائيل بكل الخروقات دون أن تتعرض لأية عقوبات أو ضغوط جدية، ولعل تصريحات رئيس وزراء العدو الاسرائيلي حول اتفاق أبرم بين كيانه وإدارة السيد أوباما حول موضوع الاستيطان توضح حقيقة ما نجابهه في هذه المرحلة خاصة حين يصرح نتنياهو أن وقف الاستيطان أو تجميده غير وارد في سياسة حكومته العنصرية.

لا يمكن لأحد أن يتقبل ما يجري على صعيد التعطيل لعملية المصالحة بواسطة الجنوح المصري لمنح طرف من الأطراف صلاحيات أكبر مما تفرضه هذه المصالحة، وليس من المفيد أن يزايد أحد على قصة الشرعية وبأنها في يد طرف ويفتقدها الطرف الآخر، كما أنه ليس من الصحيح أن تحدد مصر موعداً لانتخابات لا تضمن هي الإقرار الرسمي العربي والدولي بنتائجها لأن هذا يعني سلفاً تغليب طرف على آخر حيث المعادلة أن يكون قسم كبير من الشعب الفلسطيني مهدد بلقمة عيشه إن صوت لحماس ونجحت، وبالتالي من غير الإنصاف أو المصلحة الوطنية أن يكون خيار الناس بين التجويع وحرية منح الصوت لهذا الطرف أو ذاك، والضمانات المطلوبة عربياً ودولياً تنزع هذا السلاح المسلط على رقاب الناس وتعطي لعملية الانتخابات شرعية ونزاهة ستفتقدها إن جرت تحت شروط أمريكا والرباعية.

إن حديث بعض القيادات الفلسطينية عن تردد حماس وخشيتها من التوقيع على الورقة المصرية هو كلام حق يراد به باطل. حماس تخشى التوقيع لأسباب منطقية رغم أننا نطالبها بالسعي الجدي لانجاز المصالحة، وحماس تخشى أن تذهب لانتخابات غير مضمونة بمعنى الإقرار بنتائجها، وهي كذلك لا ترغب في تسليم كافة المرجعيات للرئاسة التي تتحمل تأجيل كالذي وقع مع تقرير جولدستون وتفتقد للموثوقية الوطنية من وجهة نظر حماس والكثير من الناس. إن اتهام حماس بتعطيل المصالحة يمكن أن نفهمه لو كانت الورقة المصرية متوازنة ولو أخذت بعين الاعتبار ملاحظات كل الفصائل عليها وليست بالصيغة الراهنة، ومن هنا كانت الضغوط على حماس خارج إطار الحرص على الصف الوطني ووحدته وفقط هي مزايدات للرد على موقف حماس العنيف والحاد تجاه الرئاسة وحركة فتح والناجم عن مسألة التقرير الذي انتهى بسلام.

أصبح واضحاً اليوم أن كلا الفريقين فتح وحماس يقران بأن المصالحة غير واردة بالمعنى الذي يسعى إليه الشعب الفلسطيني لأن هذه المصالحة إن تمت على قاعدة الورقة المصرية والشروط الأمريكية أو حتى شروط استئناف المفاوضات فإنها لن تنتج غير مجموعة من الألغام التي ستنفجر حتماً في كل مفترق سياسي بين الطرفين. حماس لا ترغب في التفريط بما حققته وترى أن ذلك هو ضمانتها للمشاركة الجدية في كعكة السلطة وفي صنع القرار، وفتح لا تتقبل مثل هذه المشاركة إلا على قاعدة تكيف حماس مع متطلبات العملية السلمية وشروط استمرار تدفق المال من الدول المانحة، وكل حديث للمزايدين حول الديمقراطية وضرورة العودة لصناديق الاقتراع هو كلام بلا معنى في ظل الضغط والحصار الذي يتعرض له قطاع غزة منذ استيلاء حماس على السلطة هناك وفي ظل افتقاد العملية الديمقراطية لأية ضمانات تشرع نتائجها على المستوى العربي والدولي، وفي المقابل كانت حماس في غنى عن كل هذا الوضع الخطير والمربك بالعودة لمشروع المقاومة الذي وضعها في صدارة الشعب وقدم لها كل ما تريد، وهي اليوم مطالبة بالعودة للمربع الأول الذي اختارته حين تحولت من حركة إخوان مسلمين فاقدة للرصيد الشعبي إلى حركة مقاومة إسلامية تمتلك أكبر رصيد على الساحة الفلسطينية.

أما الذين يبدون حرصهم على المصالحة والتوقيع ويرون أن الوقت لا يعمل في صالح القضية الفلسطينية فإن واجبهم السعي لجعل المصالحة أمراً دائماً والوحدة الوطنية قانوناً يحترمه الجميع وليس من أجل إبعاد هذا الطرف أو ذاك وتكريس الهيمنة لأصدقاء إسرائيل، أو لإرغامنا في المحصلة النهائية على العودة للمفاوضات العبثية دون أية ضمانات بوقف الاستيطان.

وأخيراً للذين يتحدثون عن أجندات خارجية وضغوط إقليمية على أحد الطرفين أو كليهما نقول أن من يعلن رفضه للمصالحة واضح كالشمس وهم أؤلئك الذين يشترطون انصياع حماس لمتطلباتهم وقبول اشتراطاتهم وأمريكا على رأس هؤلاء وأما الحديث عن ضغوط سورية لتعطيل المصالحة فهذا يتناقض مع كل ظاهر الموقف السوري وباطنه والذي نعرفه جيداً، وعلى ذات السوية الموقف الإيراني.

[email protected]

 

                                                                                                                               

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد