إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

كيف أصبحت المصالحة الوطنية الفلسطينية انتحاراَ جماعياَ!

د.صائب شعث                                                 
 

 
بالأمس رماني صديق عتيق وكاتب رائع، بسؤال عن رأيي في ما يدور من لغط حول المصالحة الوطنية الفلسطينية ؟ و باختصار أطلقت نحوه سطور من رؤيتي .
هذا النظام العالمي قائم على العقيدة الغربية The Balance of Power”  ميزان القوة، بقدر ما تعاظمت مقدرات القوة لطرف ضد الأخر، فانه يملي إرادته، ومقدرات القوة كثيرة، وتعتمد على الطرف المعنى باستخدامها بطريق تخدم أهدافه و مصالحة. تُبنى معاهدات السلام بين اللاعبين الدوليين على ترجمة دقيقة  لقوتهم الظاهرة و المُستخدمة لانجاز مأربهم من خلال التعاقد في هذه المعاهدات السلمية.
الانتفاضة الفلسطينية الأولى جسدت حالة القوة الشعبية الفلسطينية بامتياز آنذاك، ولذا جلس الطرف الصهيوني الى طاولة المفاوضات في مدريد، يفاوض وفدا فلسطينيا تحت مظلة الوفود العربية. سقف رئيس الوفد الفلسطيني ، الراحل الدكتور حيدر عبد الشافي كان قرار التقسيم 181. زود المفاوض الفلسطيني بقوة  شعبية فلسطينية و عربية ، وتحت مظلة الرسمية العربية، هناك سوريا على طاولة المفاوضات، تحمى وتحافظ على الفلسطيني من المكر و الغدر “الصهيو- أمريكي” أو محاولات الاستفراد بالمفاوض الفلسطيني.
استُدرجت قيادة منظمة التحرير الى دهاليز المفاوضات الانفرادية السرية، في أوسلو، معتقدة بأنها تمتلك عباقرة الساسة، وخلاصة الحضارات الإنسانية في فنون التفاوض. ذهب الوفد الفلسطيني الى هناك ليُترجم أوراق مَنَعته على طاولة المفاوضات السرية، غافلا بأنه ترك في مدريد فلسفة و مفردات قوته ، المجموعة العربية المفاوضة، الواعدة بالسلام مقابل الأرض.
سقط المفاوض الفلسطيني فريسة سهلة للثعلب شمعون بيرز ، لم تكلل جهود الطرف الفلسطيني بالنجاح حينئذ ،بل نجح في هزيمة ذاته من حيث لا يدري، أوقف الانتفاضة الشعبية أخر معاقل العنفوان الفلسطيني آنذاك، كبادرة حُسن نوايا لرابيين و بيرز. 
عاريا من القوة هو الآن، كما ذكر في مذكراته رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيرز في هذا الشأن”…بعدما كشف  المفاوض الفلسطيني أوراقه في المفاوضات ، احترت ماذا أعطيهم…” . خرجوا بإعلان مبادئ عام 1993،في ظله تضخمت موجات الاستيطان الصهيونية بالضفة وغزة بشكل لم يسبق له مثيل، و تحول الفلسطيني، من مواطن يكدح و يفلح أرضه رُغُم الاحتلال، الى متسول على عتبات الدول المانحة، ألاف الدونمات  اغتصبتها المستوطنات في عصر سُلطته الفلسطينية.
انظر يا صديقي ماذا حقق الكيان الصهيوني كنتيجة لإعلان مبادئ اوسلو ، سلمناه صك الغفران، اُسقط عنه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بمساواة الصهيونية بالعنصرية. عَطلنا قرارات و آليات المقاطعة العربية و الدولية ضده، و سهلنا دخوله  العواصم الأفريقية والأسيوية والإسلامية و العربية.خرج السفاح بيرز بجائزة نوبل للسلام، أصبح رمز دوليا للسلام.
انهمرت الرساميل الغربية التي كانت تخشى عصى المقاطعة العربية، نحو الكيان الصهيوني من اليابان الى نيويورك ،مرورا بكل عواصم أوروبا و بعض العواصم العربية. ضُخت مليارات من الدولارات في تطوير القواعد الصناعية الصهيونية، و دُفعت نحوه كل ينابيع المعرفة و التقنية الحديثة . منذ أوسلو الى الآن تضاعف دخل الفرد داخل الكيان الصهيوني ثلاث مرات على اقل تقدير اقتصادي علمي. تحولت “اسرائيل” الى قوة عظمى إقليمية , تتحالف و تُراهن عليها بعض الأنظمة في المنطقة.
العجيب فى الأمر، أيها المناضل المخضرم، أن طاقم المفاوضات  الذي حقق هذا الانجاز، المعجزة في أوسلو، هو من يدير سُلطة “كنتونات الجُبنَة السويسرية .. بلا جُبنَة” في الضفة ، لم يستوعب الدرس هذا الطاقم بعد ، لازال يعتقد بإستراتجية المفاوضات فقط، كوسيلة لانجاز المشروع الوطني الفلسطيني!
أتسال، كيف تُفاوض و أنت عار من القوة؟  تضرب بعرض الحائط، كل ورقة قوة يسلحك بها شعبك، المقاومة هي سر وجودك على ما تبقى من تراب فلسطين، الى الآن . الم نستخلص العبر بعد، من  مقايضة الانتفاضة الأولى مقابل إعلان مبادئ و حسن نوايا! النتائج تفقأ العيون، لا تحجُبُها الشمس و لا ستائر الظلام لا في تهويد القدس و  لا في مجازر غزة و لا كُتل و مدن المستوطنات  في الضفة.
هل من الممكن أن تجلس الى طاولة مفاوضات و المفاوض الصهيوني مثقل بأوراق القوة العسكرية و السياسية الإقتصادية و العلمية والأيدلوجية …و… كمفاوض فلسطيني ماذا بيدك، يجبره على أن يستمع إليك؟ لا تقل لي إعلان مبادئ أسلو، وتفاهمات وايت بلانتشن، و واي ريفر، و كامب ديفيد، وطابا، و انوبلس وشرم الشيخ والعقبة، و وعود رابيين و بيرز و بيلن وبن عامي، و رؤية جورج بوش الربانية و وعهوده بإقامة دولة فلسطينية ذاك العام ، و انتظاراً لمعجزة الرئيس اليهودي المسيحي المسلم ،أوباما … يا صديقي، لاشيء من هذا القبيل له أثر في فعل أو صدى لكلمة.
الإدارة الأوبامية أنعمت علينا باستنساخ “كوندي رايس”   و نادتها   “سوزي رايس” لتقود سياسة الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة، و تؤكد اليوم لشمعون بيرز شخصيا   على مسمع العالم بأسره،على المقولة الشهيرة للملهم متعدد الأعراق و الديانات أوباما بيهودية ” إسرائيل”. تعلم ماذا يعني ذلك، توسيع لحملة الاضطهاد العنصري و الطرد لأهالينا في فلسطين 1948 ، التعجيل بتصفية ما تبقى من العرب هناك بمباركة وإسناد أحفاد “مارتن لوثر كينغ “. إذا لم يستوعب المفاوض و القائد الفلسطيني هذه اللغة البليغة المعاني، فنحن نسير نحو الهاوية.
 الوهم الذي أحدثوه  الرباعية و الأوبامية و ادخلوا قيادة السلطة في جوفه ، بان الباب المؤدي الى مفاوضات الحل النهائي المنتظرة منذ عام 1993 مفتاحه هو السيطرة على قطاع غزة من جديد و تنفيذ نقطة رقم واحد في خارطة الطريق، و إلزام المقاومة و بالذات حماس بشروط الرباعية….  هذا هو الشيء الوحيد الذي تبقى لانتزاعه من المفاوض الفلسطيني.
عن أي رباعية أو خارطة طريق تتحدثون، إدارة اوباما قد قفزت عن ذلك كله، المرجعيات التي تعتمدها هذه الإدارة  هي القرار 242 الذي يتعامل بنصه الإنجليزي” مع ارض احتلت عام “1967 و ليس مع الأراضي المحتلة عام 1967، و القرار 338 الذي يدعو لوقف النار علي الجبهات المشتعلة أثناء حرب أكتوبر تشرين 1973 الجولان و سيناء، و لتطبيق قرار 242 كما يدعو للمفاوضات بين الأطراف المعنية.من تكون هذه الأطراف المعنية ؟ بالطبع لا علاقة للفلسطيني بالموضوع، الأطراف سوريا و مصر و الأردن، هذا هو خط اوباما .
حماس و فتح  يناوران حول مرجعية وطنية و انتخابات بلا ضمانات ، وأجهزة أمنية مغسولة الدماغ بعقيدة أمنية تعادي المقاومة ، و  هذا يريد حصص لتنفذيته ذاك  يسعى للغلبة و   المرجعية و مناطق الننفوذ ، هذه كلها الأن لا تجدي نفعا. الرباعية تملي شروطها لقبول حماس كطرف في أي حكومة أو عملية سياسية فلسطينية، هذه الشروط الأمريكية أصبحت مقدسات لا يمس بها في رام الله فهي مصدر الدولار. لا يُرفع الحصار الجائر عن غزة إلا بالقَبول بها، الجوع و القتل البطيء لشعب بأسره في غزة هاشم، يستمر. ماذا يعني هذا القبول بعيدا عن المهاترات و المصالح الفصائلية الضيقة ؟
    حرفيا يعني، تسليم رقبة المقاومة كبادرة حُسن نوايا أخرى للصهاينة !
ألم نتعلم بعد، من دروس 18 عاما من التعاطي معهم و مع عهودهم! نهرول لتسليم المقاومة تحت شعار( المصالحة والوفاق الوطني) و تنفيذ شروط الرباعية، كفريسة سهلة للكيان الصهيوني، مقابل وعود قدمت سابقا و لم تحترم أو تنفذ. و كأن غزة لم تُحرق أو تذبح كل يوم، و الأطفال المشوهة خلقيا لا تولد في غزة الآن . ونسير سامعين صاغرين لنهج إلقاء البندقية و إعلاء أصوات الباحثين عن دول مانحة و صهيوني يقبل بأن يفاوضهم. هنا لمست الخطورة يا صديقي المخضرم، في ما يطرح حول المصالحة الوطنية، إنها تستخدمنا جسرا للتسلل الى معاقل المقاومة في غزة و القضاء عليها، إنها انتحاراً جماعياً.
 
 
·        مفكر و كاتب مختص بقضايا العالم العربي
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد