إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

البرلمان العراقي مسجى على قارعة الشماتة

Barlaman(4)محمد الجاسم
 حين تقترب الوفاة من أحد, يتسابق الآخرون ممن حوله من الأقربين والآل للتهيؤ للحدث الجلل الذي سيكون فيه المسجى نزيل عالم آخر يحتاج فيه لذكر المحاسن والمناقب التي كان يتمتع بها في دنياه, فتكون للميت عوناً على ضغطة القبر, وتكون للأحياء موعظة لترقيق القلوب.
 طيب, مالذي يمكن للمرء أن يتذكره من محاسن ومناقب مجلس النواب العراقي المسجى على طاولة المجلس السياسي للأمن الوطني..بعد أن فقد الأول ماء وجهه الدستوري وقوته التشريعية على عتبة سيده بالتبني المجلس الثاني الذي هو ليس لديه من قوائم أو عكازات دستورية يقوى على الإتكاء عليها ليقول كلمة مـُلزمة بشأن ما عجز عن الفصل فيه مجلس النواب,وليس له قوة سوى من النوع الذي يطلقون عليه (استشاري).ويتساءل المواطن الفقير لله ببضاعته القانونية المتواضعة من أمثالي : هل يعقل أن يعجز الكيان الدستوري التشريعي المخـوّل من قبل الشعب العراقي عن حل معضلة هو صنعها بنفسه وبلباقة ودهاء وعناد وقومية وعنصرية وحزبية أعضائه , ثم يحيلها الى مجلس استشاري لايحل ولا يعقِـد ؟؟
المعضلة التي يتكئُ عليها بعض اعضاء المجلس المسجى على قارعة الشماتة بانتظار نهايته المحتومة , هل تستحق أن يتشدق بها الذين لديهم تحفظاتهم على قانون الإنتخابات الجديد..وإذا كانت قضية كركوك التي اختلقها السياسيون من ذوي النزعات الخصومية والمتعصبون هي قضية سياسية فلماذا يقحمونها في قانون الانتخابات الذي ينتظر التشريع والذي يمس مباشرة مصلحة المواطن العراقي الحالي والأجيال القادمة ويؤشر الى مستقبل البلاد برمتها؟؟.. وكلما أدلهمّت سحب المشاحنات التي تغذيها بين الأطراف النزعات الضيقة والشوفينية من الداخل وتـُصرَف لها الأرصدة المخيفة من الخارج التي أشارت إليها مؤخرا جهات برلمانية وحكومية ,نرى السادة البرلمانيين يلعبون على سيرك الوقت المضغوط أمامهم من قبل المفوضية العليا للإنتخابات بحيث نرى بوضوح ونشمُّ بإزكام نتانة المشروع المخبأ لتأجيل الإنتخابات أو لإلغائها لا قـّدر الله تمهيدا لإعادة عقارب الساعة الى الخلف وهاهي بالأفق تلوح رايات البعث الدموي للإنقضاض على الوضع السياسي المتردي والإجهاز على ما تم تحقيقه لحد الآن .
   ثم لماذا السماح لأجندات داخلية وخارجية لممارسة سياسة ليِّ الذراع داخل مجلس النواب كلما تصاعدت نبرة الحديث عن قانون جديد للإنتخابات ..ألم يكن ذلك مدعاة للوقوف عنده والضغط بكل الوسائط لتجنيب الخلط بين التشريع ومهماته الوطنية لمصلحة الشعب من جهة والخصومات السياسية المدفوعة بنزعات حزبية وقومية وطائفية من جهة اخرى.
   لقد كانت للبرلمان المسجى على قارعة الشماتة مثالب تأريخية لم تشفع له معها كل التشريعات التي سنـّها في دورته الحالية ,طالما أنها لم تمس مباشرة حاجات المواطن البسيطة والمشروعة في الطعام والسكن والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية والحياة الحرة الكريمة,كما أن دوره الرقابي على مؤسسات الدولة تعرض الى الكثير من التشكيك والإتهام بأنه كان مسيساً وكثيراً ما دخل في دائرة الكيد السياسي الذي مارسته بعض الكتل إزاء الكتل الأخرى مما أفرغ مشروع الرقابة واستجواب الوزراء المطعون في نزاهتهم وحسن أدائهم الوظيفي من محتواه القانوني و(أزهق روحه) وتعطيل دوره على رأي أحد النواب .. أما وقد نشطت استجوابات لم تكن مجدية بالنتيجة ومشاريع استجواب تم وأدُها في مهدها و إعاقتها بوقتٍ على مقربة من موعد الانتخابات الجديدة في كانون الثاني القادم فقد جاءت لإستمالة الناخب العراقي وترقيع سمعة البرلمان الحالي الذي لم يلمس المواطن العراقي منه سوى خيبة الأمل.وفي الوقت الذي تتنافس برلمانات العالم الحر وبرلمانيوهم على الأداء الأفضل للوصول الى كسب أصوات الناخبين وتنفيذ برامجهم التي جاؤوا من اجل تنفيذها لبلادهم نرى ان مجلس النواب العراقي كان محط انتقادات شعبية واسعة أخلـّت كثيرا بمصداقية تمثيله للشعب الذي انتخبه من حيث التشريع ومن حيث الدور الرقابي معا.وليس ببعيد عن الأذهان المستوى الذي وصل اليه المجلس في عهد رئاسة رئيسه السابق الذي حوَّل بعض جلسات المجلس الموقر الى فيلم كوميدي وفصول ساخرة تذكرنا بالملهاة المصرية البائسة في عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي  يتندر بها العدو والصديق على السواء.لقد اشتكى نواب كثيرون من الضغوط الحكومية لإخفاء الحقائق التي لها علاقة باستجواب بعض وزرائها مما أخلّ بالمعادلة الدستورية القاضية برقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية.حتى ذهب الأمر ببعض النواب المقربين من رئيس الحكومة الى محاولة تعطيل استجواب الوزراء الذين تتوفر عنهم لدى اللجان المختصة قوة مؤشرات فساد مالي أو اداري أو مخالفات لقانون اجتثاث البعث ,وفي الوقت ذاته نرى النائب المعين يلقي خيط السنارة على وزير آخر ليس لدى اللجان المختصة عليه مؤشرات بالقوة ذاتها إلا لكي يخلط الأوراق على اللجان الرقابية ثم يتطور الأمر بين الاثنين ويصل الى القضاء ليحكم لصالح الوزير ضد النائب بغرامة مالية بتهمة القذف والتشهير.
   لقد انتقلت بعض أمراض المؤسسات الحكومية الى أروقة ومكاتب البرلمان مثل مرضَيْ المحسوبية والمنسوبية أوالفساد الأداري ,الأمران اللذان يعتبران حاضنين دافئين للإرهاب , مما سهل عملية تفجير كافتيريا مجلس النواب وإزهاق أرواح طاهرة في ذلك العمل الجبان .. في الوقت الذي نرى المجرم الذي تدور حوله إشارات الإتهام بالتخطيط والتنفيذ والملف القضائي التحقيقي الذي يدينه قد لاذ بالفرار من داخل العراق الى خارجه وكان الصمت الحكومي والتقصير الأمني في إلقاء القبض عليه قبل هروبه قد عبـّد له الطريق للهرب والإفلات من قبضة العدالة وما تزال قضية إعادته للعراق من ماليزيا التي القي القبض عليه فيها مؤخرا مثار جدل وتساؤل عن عجز الدولة العراقية عن استقدامه وتقديمه الى العدالة.
   لقد عجز مجلس النواب عن تشريع نص يحمل قوة القانون لدرء الفتنة التي تحيق بوضع محافظة نينوى وقد ترك المحافظة نهباً للأهواء السياسية والتجاذبات القاتلة دون أن يكون حاسما فأشترك مع الحكومة في مؤامرة تمزيق الصف وتمييع الحق الإنتخابي للمواطن النينوي, وبدل أن يكون للعراقي في نينوى وكركوك والنجف والناصرية وأربيل والأنبار من يحميه بأسم القانون رأينا أن قصعة الحلول تأتي بأطباق خجولة على شكل اقتراحات وتوافقات سياسية وتطييب خواطر على حساب الحقوق الشرعية التي أقرها الدستور.
   أشار بعض النواب في أكثر من مناسبة الى التأثير الخارجي في مقاليد الأمور العراقية,وأثبتت التحقيقات الجنائية تورط دول الجوار في دعم العمليات الإرهابية وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين العراق وسوريا مبلغا قد يفضي الى محاكمة دولية لتحديد المسؤولين عن الإرهاب القادم من الخارج وقد أيد الشعب العراقي عبر الآراء الحرة ومنظمات المجتمع المدني مساندته للحكومة في طلبها من الشقيقة سوريا تسليم المتهمين والداعمين للإرهاب المتواجدين على الأراضي السورية.. لكن مجلس النواب نأى بنفسه عن هذا المفصل الخطير من تاريخ العراق وصرحت إحدى نائبات التحالف الكردستاني بأن (ذلك من مسؤولية الحكومة ووزارة الخارجية ولا دور لمجلس النواب في هذا الأمر).
   عندما طغت ظاهرة الغياب والتغيب لأعضاء المجلس عن جلساته المصيرية وغير المصيرية وتواجد بعض أعضائه في دول الجوار بشكل مستمر وخصوصا (المقر البديل للبرلمان العراقي) في العاصمة الاردنية عمان اشتكى الشعب بمرارة عالية من هذه الظاهرة الضارة وتنادت أصوات بُحـّتْ من النداء والتنادي لوضع حد من قبل رئاسة المجلس لهذه الظاهرة الرهيبة على الوضع القانوني للعراق..إن الفوضى التي كانت تسود جلسات البرلمان وعدم احترام التواجد القانوني للنائب لصالح تكريس تواجده الحزبي والكتلوي أخـلا كثيرا بالهيكل الخاص بالمجلس وبهيبته العامة , مما تسبب في تمرير المياه من تحت الجالسين على أنقاض النظام الداخلي الذي لم يكن من القوة بحيث يمنع الغياب والتغيب أو يحدّ منهما. لقد هدد رئيس البرلمان السابق في أحدى الجلسات بقطع مخصصات النائب الغائب وقد رأينا حجم السخرية التي قوبل بها هذا التهديد من قبل النواب أنفسهم مما أدى الى مزيد من الإرباك والإستقطابات السياسية الأمر الذي يؤدي عادة الى تأجيل الجلسات بدل الحسم المناسب. لقد فشل مجلس النواب في رسم سياسة أداء محترمة تنظم علاقة النائب بعمله الذي هو ليس عملا حكوميا بما تنطوي عليه هذه العبارة من ملابسات ,وإنما عمل تشريعي لا ينبغي بأية حال من الأحوال أن يكون سببا في تعطيل قوانينه وسيرته التشريعية والإخلال بالجلسات المتعلقة بالمصادقة على قرارات مهمة تصدر عن مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية.
   لقد وصل الأمر بظاهرة المقاعد الفارغة في جلسات مجلس النواب الى أن تحدو بالمواطن أن ينقلب على نفسه ليصادر هو حقه الشرعي في التصويت بنفسه ويعيش حالة الإرتداد في انتمائه للعملية الإنتخابية وتنتشر الشبهات في الشارع العراقي التي تستفرغ عملية المشاركة الفاعلة في العملية الإنتخابية من محتواها الحتمي والضروري.
   إن الوظائف المناطة بمجلس النواب والتي وردت في منطوق المادة واحد وستين الفقرة (ثانيا) من الدستور العراقي والتي وصفت المجلس بالسلطة التشريعية تتلخص بالوظيفة التشريعية وسن القوانين ثم الرقابة على أجهزة الدولة التنفيذية والوظيفة المالية التي تتلخص عادة باقرار الموازنة العامة للبلاد وقد تتعرض احيانا الى التقليص أو زيادة النفقات أو إجراء المناقلة بين أبواب وفصول الموازنة العامة ,وطبعا تمثيل الشعب بالطريقة التي تجعل البرلمان خادما للشعب وضاغطا على الحكومة للنهوض بواجباتها من أجل المواطن اضافة الى الواجبات الاخرى. لكن الذي يحصل فعليا ان مجلس النواب العراقي الحالي قد أخفق الى حد بعيد في ترسيخ تلك المفاهيم التي رسمها له الدستور .. فنرى بعض النواب تحولوا الى دعاة للإرهاب وقد صدرت بحق بعض منهم مذكرات قبض قضائية بتهم مختلفة منها التمويل أو التحريض أو دعم الجماعات المسلحة بشكل علني والتورط بجرائم قتل على خلفيات ودواعٍ سياسية أو طائفية.كما اهتم البعض الآخر بالمطالبات النهارية الجهارية بالامتيازات والمرتبات والمخصصات المالية تارة والجوازات الدبلوماسية تارة أخرى ولم يهتموا بخبز الشعب الذي أصبح يعيش الفقر المدقع ويسكن بعضه بيوت الصفيح التي تتحول في القيظ اللاهب الى أفران حقيقية بينما يستحيل الشتاء فوق رؤوسهم زمهريرا وبردا وأمراضا متنوعة . لقد اتسعت الشقة وتباعدت المسافة يوما بعد يوم بين عضو البرلمان العراقي وبين مواطنه البسيط بسبب الامتيازات التي ضمنتها اللوائح الداخلية له, في الوقت الذي يتلاشى فيه مبدأ العدالة الذي جاء به الدستور صراحة مما خلق طبقات اجتماعية جديدة تربـّت على اللامبالاة أمام هموم الشعب .إن التسابق بين النواب على التصويت على قرارات وقوانين تخص امتيازاتهم وزيادة مداخيلهم المالية بدرجات فاحشة قد عمق الشرخ في الثقة بين المواطن والمجلس على خلفية الفقر الشاسع الذي يعيشه السواد الأعظم من العراقيين.
   إننا في الوقت الذي نشير فيه وبهذه العجالة الى المثالب التي رافقت مجلس النواب العراقي الحالي فإننا لا نبخس الوطنيين المخلصين من أعضائه الذين كانوا يدفعون أثمانا باهضة أمام زملائهم لتمثيل ارادات شعبهم الصابر فمنهم من دفع أولاده شهداء على مذبح الوطنية الحقة ومنهم من اغتيل افراد من عائلته لمجرد كونه عنصرا فاعلا في البرلمان ومنهم من يواصل الليل بالنهار في العمل الميداني وفي اللجان المتخصصة وإدامة التواصل مع ابناء الشعب والمواظبة على حضور الجلسات وإغنائها بأفكاره وطروحاته البنـّاءة.. وانما.. اذا ناديت َ قد أسمعتَ حيا   .. ولكن لاحياةَ لمن ْ تنادي
وربّ قولٍ أنفذُ منْ صول
 
ناصرية دورتموند
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد