إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

خريف الأستاذ (قراءة هادئة فى سقطات (هيكـل) الأخيـرة)

Haykal(11)بقلم/ د. رفعت سيد أحمد
في حوارين متقاربين في أقل من أسبوع واحد، الأول مع قناة الجزيرة (أداره المحاور/محمد كريشان) والثاني مع صحيفة المصري اليوم (أجراه رئيس تحريرها الزميل مجدي الجلاد)؛ تحدث الأستاذ/ محمد حسنين هيكل، في كل مجال، فأفاض واسترسل، وتفرع، وأصل، وهاجم وأيد، ولكنه بعد هذا جميعه وقبله سقط عدة سقطات، أحسب أن مثله ما كان له أن يقع فيها، وبقطع النظر عن قيمه الرجل الإعلامية التي نعلمها ونقدرها تاريخياً، فإنه في ظني لم يعد، هو هيكل “القديم”، ذو الكفاءة المهنية واللياقة الفكرية المتوهجة، لقد أضحى الرجل، تائه، متضارب في أفكاره، إلى حد السقوط، فيما لا يجوز لمثله أن يسقط فيه، وعلى الرغم من الضعف الفكري الذي لازم من حاوره سواء في الجزيرة أو المصري اليوم، وتبدى في مستوى أسئلتهم، وسطحيتها، وأحياناً مفاجأتها غير المنطقية في سياق الحوار، فإن مجمل ما قرأناه باعتباره أحدث ما تفتقت عنه قريحة (الأستاذ ، كما يحب حواريوه أن يطلقوا عليه) كان ضعيفاً وغير متماسك منهجياً، وواقعياً، فضلاً عن سوداوية النظر والتحليل مع التحامل غير المبرر على أنظمة وسياسات بعينها نعلم جميعاً أن جذور فسادها واستبدادها وتفريطها تعود إلى عقود مضت ربما كانت سابقة لهزيمة 1967، وليس اليوم فحسب!. على أية حال .. دعونا نقرأ سقطات الأستاذ الأخيرة ونحاول تحليلها آملين ومن منطلق الحب الإنساني للرجل ومنزلته التاريخية ألا تتكرر مستقبلاً احتراماً على الأقل لماضيه ومقامه الذي كنا ولا نزال نقدره:
 السقطة الأولى: قول (الأستاذ) في حواره مع الجزيرة أنه زار (نصب الهولوكست) عندما طلب منه أحد أصدقاءه الألمان أن يبدي تعاطفه مع اليهود، فأراد هيكل أن ينفي عن نفسه تهمة كراهية اليهود وأن اختلافه فقط مع (إسرائيل) فلبى الدعوة لزيارة (نصب الهولوكست) لاعناً هتلر على فعلته ومتعاطفاً مع اليهود الذين أحرقهم هتلر في تلك المذابح والمحارق ـ الأكذوبة.
* في تقديرنا، تلك سقطة كبيرة للأستاذ ما كان ينبغي لمثله أن يقع فيها، وذلك لأن المناط بهم الندم على ضحايا هذه الجريمة ـ إن كانت قد وقعت لأن هناك عشرات الدراسات الأوروبية بل واليهودية التي تؤكد أنها أكذوبة ـ هم الغرب، وليس نحن (العرب)، لأنهم هم الذين ارتكبوا تلك الجريمة بافتراض وقوعها، وهم الذين استخدموها كأداة تاريخية فعالة لاحتلال وتدمير وذبح شعب آخر اسمه الشعب الفلسطيني، وليس مطلوباً من (الضحية) وهم هنا العرب ـ أمثال الأستاذ هيكل ـ أن يشاركوا في مهرجان الهولوكست حتى ولو بدافع كما يقول إنساني، لأن المشاركة هنا هي تعبير ضمني عن الموافقة على ما ترتب على تلك (الأكذوبة ـ الجريمة) من نتائج كان أبرزها احتلال فلسطين والعدوان الدائم حتى اليوم على البلاد العربية. إن المشاركة في البكاء على أطلال منَّ يسموا بضحايا الهولوكست هو شكل من أشكال النفاق السياسي، ما كان ينبغي لأمثال هيكل ارتكابه، وهو يرقى إلى مستوى “التطبيع” الضمني مع إسرائيل، حتى لو ادعى صاحبه أنه(شايل القضية على أكتافه منذ عقود وفقاً لتصريحه لصحيفة الفجر 25/10/2009 بعد أن قوبلت زيارته بانتقادات حادة)، ثم ليقل لنا (الأستاذ) وحواريوه الكثر الذين يسير أغلبهم، للأسف، خلف ما يفعل أو ما يقول كالببغاء بلا تمحيص أو نقد أو مراجعة، ما هو الفارق تحديداً اليوم بين (اليهود) و(الصهاينة)، حتى يضحكوا علينا بحكايات الهولوكست والتعاطف الإنساني، ثم من الأجدى أن يتم التعاطف معهم، الشعب الفلسطيني في الهولوكست (الطازج) والدائم الذين يعيش فيه أم أولئك الذين ماتوا قبل سبعين عاماً على أيدي هتلر بافتراض أنهم تعرضوا بالفعل لهولوكست أي “لمحرقة”؟! إن الأمر لا يحتاج إلى حيرة، فالإجابة معلومة سلفاً لمن في قلبه ضمير غير عطب واستقامة عقائدية تجاه العدو الصهيوني.
*          *          *          *          *
السقطة الثانية: تدور في تقديرنا حول ذلك الرجل البريطاني الأكذوبة الذي ظل هيكل يدافع عنه ويقدمه لنا في الإعلام ولدى حواريه لعدة سنوات خلت واسمه (ديفيد أوين) والذي وصف انتصارنا في حرب أكتوبر 1973 بأنها هزيمة منكرة! لقد دافع هيكل عن الرجل في حوار المصري اليوم (الحلقة الثالثة 22/10/2009) وقال أنه لم يقل ذلك بالضبط وأنه تراجع عما قاله، ولقد عدت إلى تصريحات الرجل ـ ضيف هيكل ـ أثناء المحاضرة التي ألقاها وبعدها، في صحافتنا وفي الصحافة البريطانية الذي هو لورد سابق في مجلس اللوردات بها، ويعمل حالياً مديراً لمركز الصحة والتعاون الدولي المعني بالتدريب في مجال تقديم المعونات الإنسانية، فلم أعثر على اعتذار عما قاله بوقاحة منقطعة النظير، في ندوة مؤسسة (الأستاذ) الصحفية! إن مجرد دعوة هذا المتعجرف البريطاني أياً كان وزنه السابق أو اللاحق، لهو سقطة تحسب على الأستاذ هيكل، وهو الرجل الحصيف الذي ما كان ينبغي له أن يقع فيها، فيدعو سياسي عنصري (مثل ديفيد أوين) كاره لدماء شهدائنا إلى هذه الدرجة، وما كان ينبغي لعقدة كراهية هيكل لنظام الحكم الحالي تصل إلى هذه الدرجة، فيسمح لهذا السياسي العنصري أن يحيض من فمه أقوالاً مثل التي قالها، فأياً ما كان موقف هيكل الشخصي أو العام من السادات، ونحن كنا ولا زلنا من المختلفين مع الرئيس السابق في أسلوب ومنهج استثمار حرب الانتصار في أكتوبر، إلا أن ذلك لا يدفعنا ـ وينبغي من باب أولى إلا يدفع الأستاذ ـ إلى حد استضافة رجل يكره انتصارنا اليتيم، ويحوله إلى هزيمة، ثم بدلاً من الاعتذار عما قاله إذ بالأستاذ يبرر له فعلته! فأي سقطة تلك وقع فيها (هيكل)؟! ولمصلحة منا؟.
*          *          *          *          *
السقطة الثالثة: أن (الأستاذ) طيلة حلقات حواره الثلاث مع رئيس تحرير المصري اليوم الزميل مجدي الجلاد، ظل يقدم لنا لوحة سوداوية عن مصر وفلسطين والوطن العربي، لوحة لا أمل فيها، توصلنا تدريجياً إلى التسليم الكامل بالأمر الواقع والانكسار الداخلي وحتى عندما اقترح حلاً للأوضاع في مصر وهو إنشاء (مجلس أمناء) كان اقتراحاً معاد سبق وقالت به العديد من الحركات السياسية والأحزاب والمفكرين والساسة والخبراء طيلة العقد الماضي، آخرهم ما طرحه الفقيه القانوني د. عبد الله الأشعل، وشرع في تنفيذه بالفعل ومن قبله قال به المستشار طارق البشري في دراسة وافية له عن أزمة الديمقراطية في مصر، إذن فالأمر ليس جديداً، وهذا الضجيج الذي أحيط بمقترح الأستاذ، ضجيج مفتعل، تعودنا مثله إثر كل إطلالة جديدة له عبر الفضائيات أو الصحف السيارة، وإذا ما تعمقنا في قائمة الأسماء التي اقترحها سنجدها قائمة غير متجانسة، وغير مقبولة شعبياً، وأيضاً بعضهم يحمل الجنسيات الأجنبية (البرادعي ـ زويل ـ مجدي يعقوب) مما يطعن في دستورية وشرعية مقترحه في الصميم، أما إذا تجاوزنا هذا المقترح وذهبنا إلى قائمة ما قدمه من أفكار سوداوية، شديدة القتامة لا تليق بمفكر وإعلامي قدير كنا ننتظر منه جرعة أمل مبنية على مخطط جاد للخروج من أزمات مصر الراهنة، فإذا به يلقي في وجوهنا جرعات من الهم والغم والتحطيم النفسي، خذ على سبيل المثال أقواله: (العرب والفلسطينيون “يهنئون أنفسهم” ويتحدثون عن انتصار رغم أنهم في حالة هزيمةـ خروجنا من منطقة الضعف تلك مرهون باعترافنا بأن ما فات كان فشلاً ـ الشعوب كلها تقريباً أسلمت أمرها لله ودخلت في أوهام وراء أوهام منذ 73 ومفاوضات وراء مفاوضات لا أسمي ذلك جهلاً أو تعمداً بل أسميه ضعفاً والضعف أخطر من الجهل والتعمد ـ كيف تكون الإرادة مستقلة في مجتمع تحكمه القوة؟ ـ نتنياهو قال لأوباما: أنت مخطئ في فهم العربي .. هو يخاف ولابد أن ترعبه .. والسعي وراء محبته تضييع للوقت ـ أثبتنا في حرب أكتوبر أننا قادرون سياسياً وعسكرياً ثم فكرنا في السلام في غير توقيته فاتخذنا إجراءات لا تليق بالمنتصرين بينما تصرفت إسرائيل سياسياً كمنتصرة ـ أسوأ شيء أن تصل إلى مرحلة غير قابلة للحركة ولا الحياة ولا الفعل. وهذا هو حالنا معلقون بين الاعتراف والإنكار).
* وبالإضافة لما سبق من مقولات وأفكار الناظم المشترك بينها هو اليأس فإن حواره سواء في الجزيرة أو في المصري اليوم ظل مملوءاً بكلمتي (لا أمل ـ والفشل) عند الحديث عن أوضاع مصر الداخلية، ثم يعود ليقول أنه (يحترم الرئيس مبارك) ثم يراوغ في عشرات المواقع أمام الأسئلة رغم أن أغلبها (سطحي) وبلا عمق معرفي أو فلسفي حقيقي يستحق التأمل، وتخرج من الحوار الأول (الجزيرة) والثاني (المصري اليوم) وأنت يائس تماماً، صحيح قد تعجبك بعض عبارات الأستاذ عن (الجغرافيا) و(التاريخ) والحركة في الزمان والمكان، ولكن ستكتشف بعد حين أن الطريق مظلم وأن (الأستاذ) بإطلالته قد زاده ظلاماً، وكأنه قد أتى لهذه المهمة تحديداً، ترى ما هي الأسباب وراء كل هذا الإحباط واليأس؟ هل يا ترى هو عامل السن (86 عاماً) أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية؟ أم هي فتنة النجومية المتأخرة عبر الفضائيات التي تجعله ـ وأمثاله ـ يقولون كثيراً ولا يصمتون قليلاً للتدبر وتقديم ما يفيد؟ هل هو الواقع الذي أوصل هيكل وغيره إلى هذا الاضطراب العظيم وتلك السوداوية واسعة النطاق في النظر للحياة، وللمستقبل؟ هل هي الرغبة الدائمة والثابتة لدى (الأستاذ) في الثأر لكرامته الشخصية من نظام حكم أهمله منذ 1973 وحتى اليوم 2009، فامتشق حسامه ليسيل الدماء على جانبي الشاطئ، فكانت (الحقيقة) هي الضحية الدائمة؟ أما هو صمت النخبة ومجاملاتها (ولن نقول نفاقها المبالغ فيه) لكل ما يقوله أو يفعله (الأستاذ) هو الذي أغراه بهذه السقطات، وجعلته لا يراها كذلك ويواصل اقترافها!! ثم ألم يكن أليق وأفيد للأستاذ وللمهتمين جميعاً أن يقدم لنا كتباً موسوعية رائدة مثل (حرب الثلاثين عاماً)، بدلاً من هذا الاستهلاك الإعلامي الذي يجرفه إلى المياه الضحلة فتبحث عن ثراء معرفي جديد فلا تجد إلا (الزبد) الذي سيذهب جفاء، كما هو معلوم في سنن التاريخ وقوانينه؟! أسئلة برسم المستقبل الذي أحسبه على النقيض تماماً مما قدمه (هيكل)، فهو (أي المستقبل) بالنضال الفكري والسياسي المخلص سيكون بلا شك أجمل، ألم يقل جيفارا ذات يوم (الماضي قد خسرناه والحاضر نعمل فيه والمستقبــل لنا)!. وهو مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) صدق الله العظيم.
 

E-mail: [email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد