إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

خارطة الألم العربية

Nawaysa(1)زكريا النوايسة
عادت بي الذاكرة إلى بواكير حياتي ، حينها كان يستهويني أن أبحث في أطلس العالم عن بعض التفاصيل الجغرافية التي تتناسب مع عمري وخبرتي المتواضعة ، وطالما شدّني ذلك الشعور عندما كنت أتصفح خارطة الوطن العربـي الطبيعيـة ،التـي كـانت تثيـر عنـدي كثيـرا من الأخيلـة ، زيتون تونس ، نخيل العراق ، نيل مصر الفيّاض ، ربيع لبنان الدائم ، ثلج جبال أطلس…. وغيرها من صور الجمال التي كانت إلى حينِ تمثل الوجه الوحيد الذي نعرفه، ونعرف به هذا الوطن المترامي. 
 
 ربما سيتمنى الكثيرون لو أن الزمان لم يدرْ دورته ، وبقي حاضنا لتلك اللحظات الجميلة التي تربتْ عليها الأجيال السابقة ، التي كانت تذكرنا أن ثمة وطن اسمه (الوطن العربي) هتف له الجميع ذات صباح ( بلاد العُرب أوطاني من عمان إلى بغدان)، ورُسمتْ خارطته بألوان زاهية ، وتباهى كثيرا من تيسر له أن يُعلّق خارطته على جدار غرفته، وكنّا أكثر صدقا وجرأة في تناولنا لوحدة الأمة ،والأمل بزوال ما صنعته الضغائن العربية قبل الاستعمار من حدود جغرافية ،وفواصل نفسية بين أفراد الشعب الواحد .                                 
 
 نعم سيشعر جُلّنا بهذا الأسف وستزداد وتيرة إحساسه ليصبح ألما ووجعا ليس من السهل أن يفلتَ الإنسان من قبضته ، فالخارطة الطبيعية ما عادت طبيعية ، بعد أن استبدلنا السهول الخضراء الممتدة بحقول الألغام التي أصبحت تحيط بهذا الوطن إحاطة السوار بالمعصم ، والماء الذي كان يروي عطش الأرض أحلناه إلى دماء تغذي شره النوايا السوداء التي (تكبس) على أنفاسنا ، والربيع الذي تعودنا أن نراه أخضرا حين كنّا نطالع أطلسنا ، أصبح باهت اللون ،وما عاد يغرينا أن نبحث بين زهره عن فراشة جذلى ، أو نقتنص عند ورده الغض بعض لحظاتنا الجميلة.                                  
 
 وربما يسأل أحدهم: لماذا هذه النظرة السوداوية لوطن ما زال قائما، بل وتزداد عباءته اتساعا ووتيرة حركته تسارعا؟وعلينا أن نُقرّ بأن هذا التساؤل يحمل في ثناياه بعض الحقائق ،ولكنها في معظمها حقائق تؤشر لواقع غير مقبول، ولعل الجواب على ما سبق من تساؤل سيكون مقنعا لو فتحنا أطلس الواقع العربي ، ولنخمن ماذا سنرى يا ترى؟                        
 
 سنـرى عراقـا يتـزاحـم فيـه الرصـاص وترسـم لوحـة حزنـه الكئيبـة نوايا الطائفية الخبيثة ، وعلى صفحته يتصافح المشروعان المتوحشـان الإيـراني والصهيوأمريكي، وحيـن تدقــق قليـلا ستجــد عنـد كـل انعطافــة مفخخـة أو جثة ، أو أثار دخان ممتد من ليلة مجنونة                                                   
 
   أما اليمن الذي كان فيما سلف سعيدا ما عاد اليوم سعيدا ،فقد امتدت له مخالب المشروع الإيراني ، فأصبح يبدأ نهاره من صعدة بالدخان وينهيه بالرصاص وصيحات الخلاف والتشظي التي نسمعها على مشارف عدن.       
 
  وفي المغرب الكبير وأطلسه الأشم لا تكاد ترى في صفحات كتابه سوى الخلاف والتناحر والتآمر فالعلاقة بين الجزائر والمغرب في مرحلة الطلاق البائن بينونة كبرى، والسرطان الصهيوني الذي زرع في القلب الموريتاني يُخشى أن يصيب باقي الجسد ويستشري فيه ، وهرطقات القيادة الليبية أصبحت ممجوجة وثقيلة على القلب.                                                  
 
  وعندما تنظر إلى ما آلت إليه الأحوال في السودان من شد وجذب ودعوات ومؤامرات لفتح الأبواب لتدويل أزماته المفتعلة، حتما ستداهمك خشية عظيمة من أن تفيق ذات فجرا لتجد أكثر من سودان .                             
 
 وللخليــج حكايـة كبيـرة ، فهـو يمثـل الخاصـرة الضعيفـة لجسمنـا المتهاوي ، فبدل أن يكون نفطه رافعة لسد جوع العرب ، أو الإسهام في إحداث تنمية ولو بحدها الأدنى ، نجد أن الترف الخليجي يوظف هذا النفط    ليحيل المنطقة إلى غابة من حديد وحجر،ويهيئها لتكون بوابة لمشاريع التوسع الاستعمارية ، حتى أصبح البعض يرى أن المسلّم به  أنك لو أردت أن تستعمر بلدا أيا كان موقعه على الخريطة ‘عليك أن تبني لك  قاعدة في الخليج العربي أولاً لتضمن نجاح هدفك بعد ذلك.                                    
 
 وحيـن تفتـح دفتـر فلسطيـن سينساب الـدم من الجـرح النازف منذ قرن وما زال ، فما أن التقطنا أنفاسنا بعد النكبة ونفضنا عنا غبارها وفي غفلة ذهبت الضفــة ومن ثــم داستنـا النكسـة، لتسلمنـا بعـد إلــى هزيمــة متبوعة بهزيمة ، وبعد أن خلعنا عنا قميص النكسة وصحونا من ألم الخيبة ، شددنا قليــلا الهمــة ، فانتابنـا إحســاس بالزهـــو فأنشأنــا ألـف تنظيــم وألف حـركة ،وأصدرنا مليون بيان ، وبعدها وعلى نغمات أغاني الثورة فارق الجسد العليل عضو اسمه غزة.                                                         
 
  وترى في بلاد الشام (إسرائيل) تغازل سوريا، والعين الصهيونية ما زالت منـذ يـوم الكرامـة ترصـد الطريق نحو الأردن لتبعث بأفعاها في محاولة أخرى ، وفي لبنان حدث ولا حرج ، فعلى رقعته الصغيرة تجد آثارا كبيرة للمشروعين الإيراني والصهيوامريكي، تشير إلى صراع مستميت لصبغ وجه الأرض بطابع أحدهما ، فلبنان الأخضر بلد الأرْز ،ودرته بيروت بلد الثقافة والحياة أصبح مستعصيا عليه أن يخرج بوزارة تحمل وجه لبنان ،دون أن يدخل في تفاصيلها بعضا من ملامح عزيزتنا إيران أو (حبايبنا) الأمريكان .
 
 في القاهرة ،وبالرغم من جفوة المصريين الرائعة لمن أُريد لها أن تكون صديقة، فإن السفارة ما زالت تلوث أجواء مصر الشعب والنوايا الطيبة التي تسعى بقوة للخلاص من هذه الخطيئة ،التي اقترفتها نزوة رئيس لم يدرك أن مصر ترفض أن تُستغفل ،عندما أراد منها أن تصدق أن الاستسلام نصرا والهيمنة الصهيونية مقدمة لعلاقات دولية متوازنة.                               
 
   
 
نعم إنها خارطة ولكن أي خارطة،إنهــا خارطــة الهوان والذل العربــي الذي أصبحنا نعشقه حتى الثمالة،خارطة الدم واللحم المتناثر صباحا ومساء فعلينا إن بقي في تكوين دمنا بعض كرامة،أن ننزع هذه الخارطــة من موقعها    ،لنواري بها  سوأة تفكيـرنا الانهزامي ورؤيتنا الإنبطاحية .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد