إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

بعض النقاط فوق بعض الحروف حول “قناة صدّام”

Saddam(19)نبيل أبو جعفر
مواقف كبيرة يستحقّها التقدير العالي لرمز شهداء هذا الزمان بوجهه المقاوم ، في مواجهة وجه الرسمية المذلّ الخانع، وتأتي مبادرة إطلاق قناة فضائية باسم الرئيس صدام في ذكرى إغتياله صبيحة يوم الحجّ الأكبر قبل عامين واحدة من هذه المواقف التي تصبّ في هدف التخليد الذي ناله بشهادة شرفاء الدنيا كلها.
 
أما المبايعة – التي استحقّ ويستحق أكثر منها دون جدال – فتتمّ على الأرجح في حياة الأشخاص من الرموز والقادة، وتأتي استجابة لمتطلبات وضع ما، إما لإزالة الشكّ في التوافق على موقف، أو الإلتفاف حول رمز مسؤول، سواء كان قائداً أم حاكماً رسمياً. وقد تتطلبها الظروف في تجارب أخرى وحالات خاصة للتغطية على نقص ما أو فضح إدعاءات وما شابه ، فكيف يمكن أن تكون البيعة والحالة هذه لرمزٍ رَحَل بكل الإباء الأسطوري كما لم يرحل عظام التاريخ القديم والجديد إلاّ ما ندر، وكيف يُمكن أن نبايع من وزّع على الدنيا لحظة نطق الشهادتين كمالاً ورجولة ، وقدّم أسطع مثل في الالتزام والشجاعة والثبات على الموقف ؟
 
في تقديري أن هذا هو رأي معظم الناس، وأوّلهم كرام المناضلين والشرفاء الذين هبّوا لمبايعة النهج الذي قضى من أجله، وقد جدّدوا فينا العزيمة ، وذكّرتنا قائمة أسمائهم بأيام شبابنا الأولى.
 
في القائمة التي شملت أسماء كرامٍ من الأردن وفلسطين ــ على سبيل المثال ــ طالعتُ الكثير من أسماء أبناء رفاق وأصدقاء قدامى انقطعت الصلة معهم بحكم غربة عشرات السنين . وبين قراءة إسم هنا وآخر هناك عادت بي الذاكرة إلى عمّان وبغداد وأرضنا الفلسطينية المحتّلة من الغاصب، والمحكومة من قبل الجنرال الأميركي دايتون .
 
لا أدري كيف أُفّسر طول قائمة المناضلين الفلسطينيين والأردنيين الذين لا يتقن معظمهم ــ كمعظم شرفاء أمتنا ــ فن “فهلوة” السمسرة وعقد الصفقات ، ولا تمرير المناقصات واللهاث وراء المصالح الشخصية البحت ، ومعظمهم أعطى دون أن يأخذ . بينما نرى في ضفّة أخرى بالمقابل غياب أسماء لنماذج من طينة أخرى على النقيض تماماً ، أخذت الكثير ولم تُعطِ شيئاً. امتلأت كروشها وقد أمضت سنوات عمرها في إذلال النفس سعياً وراء المكاسب الذاتية ، وكانت أصوات معظمها ترنّ في آذاننا بعبارات التملّق ومسخ الجوخ، ثم سرعان ما تلاشت فجأة ــ كما لو كانت من كوكب آخر ــ منذ اليوم الأسود لوقوع الإحتلال في التاسع من نيسان 2003.
 
ربما لا تكون الآن مناسبة التذكير بهذا الجانب ولا الكتابة عنه، رغم أهمية ذلك في الحاضر والمستقبل وعلى الدوام . إلاّ أن قائمة كرام المبايعين قد كشفت اندساس بعض هذه النماذج التي طالما التصقت بالعراق في أيام عزّه كالعَلَق في جسم الإنسان، ثم غابت عنا بالكامل يوم انتفت المصلحة طيلة السنوات الأخيرة التي تلت الإحتلال حتى اليوم ، وهي نماذج معروفة ومن “أرضيّة عربية مميّزة” أصبحت أشهر من نار على علم ، ولا نريد الإطالة أكثر في هذا الجانب الحساس . فقط يكفينا دعوة القارىء للعودة إلى قراءة قوائم كرام المبايعين من مناضلي أقطار أمتنا وساحات العالم الخارجي ، ليكتشف أن معظم المستفيدين من منتسبي هذه “الأرضية” تحديداً قد غابت أصواتهم عنا وسقطت أسماؤهم بالطبع !
 
لا ريب هذا الكلام عمومي نظرا لاستحالة الخروج عن العمومية في هذه الظروف ، لكن لكل إشارة فيه دلالتها بالأسماء ، ومنها أسماء عربية كبيرة ، ولابد أن توضع كل النقاط على كل الحروف قريبا بإذن الله ، فتجربة العراق بكل ما قدمته من أنهر الدماء والإباء الجماعي العصيّ على الإنهيار ولو في حالة إستثنائية واحدة على صعيد القيادة ، وهي حالة نادرة في حياة الأنظمة والشعوب ، تستحق دراستها وتقييمها بعمق .
 
أقول هذا الكلام ولا أنسى وجوب تقدير ظرف كل من بايع موقعاً باسم مستعار، وكل من لم يستطع التوقيع أصلاً، إلى جانب تقدير موقف كل مناضل يحترق ولا يستطيع أن يكتب لأنه يعيش في بلدٍ ما، أو تحت ظرف خاص، ناهيك عن قافلة كتاب المقاومة الذين يبايعون يومياً خارج إطار قائمة التواقيع.
 
أقول هذا ولا أنسى أيضا وسط تقدير مبادرة إطلاق “قناة صدام” وحملة الوفاء لنهجه، واجب التحذير من أن القلّة القليلة من نماذج “الأرضية” المميّزة إياها أقدر ــ مع الأسف ــ من مئات آلاف المناضلين الحقيقيين على التسلّق ومسح الجوخ. وهم بطبيعة الحال أطول باعاً في اقتناص فرص التعامل بالبضاعة والسياسة والتبخير المبتذل.
 
كم كان مؤلماً ومفرحاً في آن ، أنه في الوقت الذي توارى فيه هؤلاء عن الأنظار، وبخلوا على البلد الذي أكرمهم بكلمة حق في وجه أبشع هجمة في الدنيا ، خرج يُفاجئنا كرام من معدن آخر كانوا في الخط المعارض للنظام الوطني في العراق وللرئيس الشهيد، ولما تعرّض بلدهم لمحنة الغزو والإحتلال أخذوا موقف الرجال الشرفاء ، ومنهم من كتب – وما زال – أروع ما كتب في حياته تضامناً مع بلده وقيادته وتأثيرا في الناس ، مثلما قرأنا لزميلنا المبدع علي الصّراف تحت عنوان ” رسالة إعتذار إلى “دكتاتور” أكثر من رائع”.
 
 
 
ملخص القول: الرئيس صدام ارتقى باستشهاده الى مرتبة لم يعد فوقها فوق، وأعتقِد أن كل قصائد المديح والإجلال لن تزيد – والله العظيم – في قَدَره خردلة، بعد أن أصبح في دار الخلود. لكن على كل الأوفياء له ولنهجه الحَذَر، فثمة من ما يزال – خارج إطار العراق المقاوم – يواصل عملية الفهلوة والخداع منطلقا من “الأرضية ” ذاتها حتى في هذه الأيام الصعبة ، وقد فاجأَنا بعضهم في الماضي مرارا بأنه لم يُصادف أن تعرّض العراق لضربة في العظم إلاّ وكان متواجدا بعيدا في الخارج ، “يتَسَوّح” ويدّعي العكس… وما زال يمارس “النضال” والناس نيام !!
 
 
 
 يُنشر السبت في “البيادر” الصادرة في القدس المحتلة
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد