إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هوشيار زيباري.. أسمه بالحصاد ومنجله مكسور

Zebare(3)ضحى عبد الرحمن
 كاتبة عراقية
كان القرار الذي أتخذه وزير الخارجية العراقي ضد سوريا بسحب سفيره جواد الحائري( الذي أشتهر بفضائحه الرفيعة جدا شأنه شأن زملائه السفراء) من دمشق خطوة في غاية الحماقة. لأنه أولا: لا يتناسب مع علاقات الأخوة التي تربط بين البلدين الشقيقيين. وثانيا: لا يعكس حسن نوايا حكومة المالكي إتجاه سوريا, بل أغلق الطريق أمام حل المشكلة بشكل ثنائي دون تدخل أطراف أخرى سواء كانت عربية أو أجنبية. ثالثا: لأن المشكلة دخلت أروقة الجامعة العربية ووساطات تركية وسعودية وإيرانية وأخرى سرية غير معلنة، ودعوات من مصر والأردن وسلطنة عمان بحل الأزمة من خلال المفاوضات الثنائية المباشرة وإستبعاد الأمم المتحدة ولنا في لجنة التحقيق بإغتيال الحريري في بيروت أسوة سيئة, وكان يفترض إحترام رغبة تلك الدول بالتوسط لحل المشكلة قبل أن تتطور إلى أزمة. رابعا: لأن المشكلة ماتزال في بدايتها قيد الحوار والتفاوض ولا يجوز بروتوكوليا قطع الطريق أمام المفاوضات حتى لوكانت صبعة فالدبلوماسية لا تقطع الأمل في حل أية مشكلة مهما بلغ تعقيدها! لا شك ان هذا الإجراء المتهافت يعكس فشل الخارجية الزيبارية في فن التفاوض. مع العلم ان من أبرز تعاريف الدبلوماسية هي (فن التفاوض). في غضون ذلك أكدت سوريا عبر وزير خارجيتها وليد المعلم بأنها “على استعداد لتسوية الازمةمع العراق والاستجابة لمطالبه اذا قدم أدلة ووثائق مقنعة” هذا يعني أن صلب المشكلة هو ضعف الأدلة المقدمة من قبل الحكومة العراقية، مما يجعل المسئولية الأولى على العراق الذي فشل في إقناع الطرف الآخر بأدلته الباهته.
أن سحب السفير العراقي من سوريا فيه مضرة للعراق أكثر منه لسوريا، فسوريا هي التي تحافظ على حياة أكثر من مليون عراقي يعيشون على أرضها. وسحب السفير من شأنه ان يعرقل تلبية حاجات الرعايا العراقيين في سوريا, في حين لا يوجد في العراق إلا عدد قليل من السوريين, ولكن يبدو ان الحكومة العراقية والوزارة الزيبارية آخر ما يعنيها في سلم أسبقياتها مصالح العراقيين في الخارج بشكل عام. كما ان إتخاذ تلك الخطوة المتسرعة يكشف حقيقة ان الحكومة العراقية لا ترغب فعلا بفتح قنوات إتصال مع الدول العربية وان دعواتها السابقة للتقارب مع العرب ليست سوى صروحا من رمال ولا يعكس حقيقة توجهاتها. فهي تنفذ بذلك أجندة إيرانية بحته في الإستفراد بالعراق وقطع شرايين إتصاله بالأمة العربية. وهذه الأزمة المفتعلة مع سوريا تكشف بأن الحكومة العراقية ليس حرة في إرادتها وأن من شأن أية مشكلة مهما صغرت أن تعكر صفو العلاقات مع الأشقاء.
من المؤكد بأننا نشجب النظام السوري لو كان فعلا لديه علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتفجيرات الأربعاء وليس سوريا فقط، وإنما أية دولة أخرى مهما كان موقعها سبب ضررا للعراق! فالإرهاب يبقى جريمة بشعة. والحق يتطلب المصارحة إنه يعلو ولا يعلى عليه, والحقيقة يجب أن تعلن للملأ مهما كانت مراراتها! ولكن يبقى السؤال: هل فعلا لسوريا دور في تلك التفجيرات أو غيرها؟ فقد فتح التنين العراقي فمه متقيئا لهيب نيرانه على سوريا دون رحمة. وبدى كأنه عنصر إساسي لتنفيذ مخطط إسرائيلي بشع يستهدف سوريا. سيما أن الزيباري كشف حجم الدور الإسرائيلي في صنع القرار العراقي من خلال رفض ما يسمى بالمقاطعة مع الكيان الصهيوني المسخ وأبلغ هذا القرار بمذكرات رسمية للهيئات الدولية والسفارات المعتمدة في بغداد!
ولنتبع مراحل الإتهام العراقي لسوريا.
بعد تنفيذ العمل الإرهابي بساعات قلائل ظهر (عادل زوية) نائب رئيس الجمهورية ليعلن بأنه يعرف الجهة المنفذة وهما تنظيم القاعدة وحزب البعث! مستعينا بكتاب شمس المعارف الكبرى وضياء الصالحين! حنكة وذكاء نادرين كان يمكن لإدارة الإحتلال أن توظفها لكشف هوية مفجري برجي التجارة في نيويورك بزمن قياسي يستحق إدخاله في سجل غينيز للأرقام القياسية! وهو نفس الإتهام ألذي صرح به خلال ساعات أيضا إسطورة الأمن الناطق الرسمي لخطة أمن بغداد! وهو أدعاء يثير السخرية! فمن المعروف ان القاعدة ليست على وئام مع حزب البعث، لكنها ذات علاقة وثيقة بنظام الملالي في طهران, كما أن أي خبير في التفجيرات مهما بلغت حماقته لا يمكن أن يطلق أحكامه إلا بعد دراسة فنية وزيارة ميدانية لموقع الحدث ومعرفة المواد المستخدمة وأسلوب التنفيذ ومسائلة الشهود وترجيح الإحتمالات و إستكمال التحقيقات. ويقصر قراراه على الناحية الفنية فقط ! فما بالك بسياسي فاشل ليست له علاقة بهذه المواضيع لا عن قريب ولا عن بعيد؟
كما أن تصريح عادل عبد المهدي جاء لينسف ما أعلنته أهم الجهات المختصة في الموضوع وهي وزارة الدفاع وجهاز المخابرات، اللذان إتهما إيران صراحة بأنها تقف وراء التفجيرات حسب المعلومات المتوفرة لديهما. ويفترض بعادل عبد المهدي وبقية الأطراف أن يحترموا تلك المؤسسات ولا يدلوا بدلوهم في هذا البئر العميق لأن التحقيق مسئولية وزارة الداخلية والدفاع وجهازي المخابرات والأمن. وان إتهام دولة ما بأنها تقف وراء الجريمة من أختصاص وزارة الخارجية فقط. فإتهام دولة أي كانت سواء سوريا أو إيران أو غيرها بمثل ذلك الأرهاب الخطير يفترض ان يتم وفق الأعراف الدولية وبالطرق الدبلوماسية. وليس من خلال تصريحات جوفاء عبر وسائل الإعلام لمسئولين لم يبلغوا بعد سن الرشد السياسي! أو طنين ناطق أمني لا يستطيع ان يأمن سقطات لسانه! أوزعيق مستشارين لرئيس الوزراء أشبه بنعيق البوم. ولكن قصر سياج الخارجية وضعفه سهل للمتطفلين والحيوانات السائبة التجاوز على موقعها وصلاحياتها! ومع هذا فقد كانت سوريا بعيدة عن الإتهام ولم يشر أي من المسئولين إليها بأصبعه!
ويبدو ان (عادل زوية) أوقع نفسه في البئر الذي حفره لغيرة, فهذا الأدعاء طريقة مبتذلة للتهرب من مسئوليته المباشرة عن جريمة بنك الزوية وتهريب المنفذين الإرهابيين الى حاضنتهم إيران. ومن المعروف ان هكذا جريمة تحتاج الى حادثة اكثر جسامة لتطغي عليها كي ينسي الناس جريمة بنك الزوية. وهذا ما حصل فعلا فقد تناسى الناس جريمة الزوية وإنشغلوا بتفجيرات الأربعاء الدامي وأنسدل الستار عن المجرمين الهاربين ومسئولية نائب رئيس الجمهورية عما حدث. علما أن هروب المنفذين إلى الجارة الملعونة إيران يتيح لعادل عبد المهدي أن يطلبهم فورا لو أراد حقا لأنه إبنهم البار وأحد شياطينهم في العراق، ولكنه بالتأكيد لا يرغب في ذلك خشية من إفتضاح أمره! كما ان التفجيرات جرت في أجواء صراعات حادة بين قطبي حزب الدعوة جناح المالكي من جهة والمجلس الإسلامي الأعلى من جهة ثانية، وهذه أول مرة تطفو شوائب الخلافات الى السطح وتبرز بوضوح، رغم أن الحزبين يرضعان من ثدي واحد هو إيران! فقد استثمر المالكي جريمة بنك الزوية لصالحه رغم محاولته أخفاء سروره بهذا الحظ الوافر والمساعدة في تشويه معالم الجريمة وبعثرة خيوطها! سيما ان الإنتخابات على الأبواب ولاشك ان تلك الجريمة أحرقت ورقة عادل عبد المهدي نهائيا، كما سيتبين من نتائج الإنتخابات القادمة. ومن الصعب جدا خلال الفترة المحدودة المتبقية أن يجد المجلس الإسلامي الأعلى شخصية بديلة تحل محل عادل عبد المهدي رغم هشاشتها.
بعد أن استفاق المجلس الأعلى من دوار الضربة القاضية التي وجهها المالكي اليه تحت الحزام كان من الضروري أن يرد الصاع بصاعين, وأفضل منطقة قتل للمالكي هي الوضع الأمني الذي صدع به رأس الجميع، وتبجح به مرارا وتكرارا بإعتباره المنجز الوحيد لحكومته الكسيحة. وقد أعادت تفجيرات الأربعاء الدامي الوضع الأمني إلى المربع الأول على وصف الشاعر” فلا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا”! ولاشك ان هذه الضربة أشد قسوة من ضربة بنك الزوية بجميع المقاييس في ظل الأجواء الإنتخابية السائدة. هذا على إفتراض إن المجلس الأعلى فعلا الطرف الذي نفذ العملية، مع ملاحظة اننا نتحدث عن إحتمالات وليس نتائج مؤكدة. فالغموض في المواقف الرسمية والتناقضات والإتهامات العشوائية هي التي تدفعنا لسبر أغوار هذه الجريمة الشنعاء، ومحاولة إزالة بعض اللبوس، عسى أن نشعل شمعة في هذا الظلام الرهيب.
العملية الأرهابية التي تمت بهذا المستوى العالي من التخطيط والتنفيذ وإدخال أطنان من المتفجرات لمناطق محصنة لايمكن ان تخرقها ذبابة، ونجاة وفرار المنفذين وعدم تركهم أية خيوط تدل على هويتهم لا يمكن أن تتم إلا عن طريق جهاز مخابرات دولة! بالتأكيد ليس دولة ضعيفة وبعيدة كالصومال أو جزر القمر! وإنما دولة مجاورة يمكنها بسهولة إدخال المتفجرات للعراق في ضوء وجود حدود سائبة بلا رقيب ولا حسيب. دولة لها عملاء على مستوى رفيع متنفذين في مؤسسات حكومة المالكي لينفذوا أجندتها. ولأن سوريا أيضا من دول الجوار فأن الأمر يجعلها داخل دائرة الشبهات كإيران تماما! ولكن الوجه الآخر من المسألة هو إننا نفهم وجود متسللين من سوريا إلى العراق للقيام باعمال إرهابية ولكن هذا لا يعني إنهم يوجهون بريمونت المخابرات السورية! لأننا بذلك ندين إيران أكثر من سوريا, فالمتسللين من إيران أضعاف مضاعفة من المتسللين من سوريا, ومصلحة إيران من هكذا تفجيرات أكثر من مصلحة سوريا! إذا انطلقنا من مبدأ تصفية الحسابات مع الشيطان الأكبرعلى الساحة العراقية. وسوريا ليست لها عناصر مخابراتية موغلة العمق في المؤسسات العراقية مثل إيران وخصوصا في وزارتي الدفاع والداخلية وجميع المؤسسات الأمنية بل هناك عناصر من الحرس الثوري وفيلق القدس يديرون مؤسسات برمتها. كما أن سوريا لا تدعم أحزاب سياسية من الموجودة في الساحة العراقية مثل إيران. وسوريا لا تريد أن تسبب أحراجا لشريكها الإسترايجي إيران في العراق فهي واعية تماما لحجم التدخل الإيراني في الشأن العراقي! وسوريا بصراحة لاتتقاطع مع هذا التدخل كما صرح الرئيس بشار الأسد بهذا الشأن حيث قلل من حجم هذا التدخل! كما أن قيام سوريا بتسليم الأسرى الأحوازيين الأبطال خلال هذا العام والذي سبقه يؤكد تحالفها الإستراتيجي مع نظام طهران.
زيارة المالكي الفاشلة إلى سوريا والتي سبقت الحدث بيومين من شأنها أن تزيل اللبوس وتضع النقاط على الحروف ولكن الغريب أن سوريا لم تدل بدلوها في هذا الموضوع لحد الآن! ربما بإنتظار ما تسفر عنه التطورات وربما لاتريد أن تكشف كل أوراقها بإنتظار ما تسفر عنه التطورات. فسوريا ذات سياسة خارجية متزنة وهادئة عكس العراق الذي يمتاز بسياسة إنفعالية مصحوبة بضوضاء وثرثرة جوفاء. فما أن عاد المالكي للعراق حتى إرتفع صوت المستشارين( مجلس الأوصياء من الفلاسفة والحكماء) عاليا أشبه بعواء كلب في ليل هاديء حرض كلاب المنطقة كلها على النباح! بدأ الأمر كأنه إستعداد للحرب( بل نوه بذلك بأسلوب إستفزازي مثير للغرابة) وليس لمناقشة موضوع مع دولة شقيقة لم يحسم بعد! وأي موضوع؟ إنه يتعلق بالإرهاب الذي يموج ويصخب في العراق منذ ست سنوات دون أن تحرك الحكومة ساكنا أو تتهم جهة محددة بعينها! كل الذي نسمعه في بيانات الحكومة والمسئولين” أحدى دول الجوار” دون تحديد. ولكن يوم بعد آخر تكشفت الحقيقة من خلال الأسلحة والصواريخ الإيرانية التي تم العثور عليها في الكثير من الحملات التفتيشية, كان آخرها في مدينة الكوت فقد ذكر الناطق بأسم(قوات الرد) في تصريح بعد التفجيرات بأن” قوات خاصة من الرد السريعوضمن عملياتها الامنية لملاحقة المطلوبين قضائيا وامنيا، عثرت على مخبأ يضمالعشرات من الصواريخ والعبوات اللاصقة ايرانية الصنع في احدى المناطق شمال شرقيالمحافظة، تضمنت  30 صاروخا مضادا للطائرات من طراز ستريلاو40 عبوة لاصقة ايرانية الصنع محملة في سيارة خاصة لنقل الاسلحة والاعتدة” كما تم إلقاء القبض على عناصر إرهابية إيرانية من قبل قوات الإحتلال والجهات الأمنية العراقية. ومع هذا فأن الحكومة الراشدة لم تتهم إيران علنا بل كانت تدافع عنها بضراوة تثير العجب وليس الإعجاب!
الزيباري بإعتباره الوزير المختص بالعلاقات الدولية ظهر مفزوعا بعد التفجيرات ليرجح وجود تواطؤ بين الجهات الأمنية والجهة المنفذة, والحق أنه لم يتهم جهة محددة وهذه نقطة تحسب له لكنها لا تكفيه لإجتياز إمتحان الأزمة الدبلوماسية مع سوريا! وتصريحه لم يكن وليد جهل أوحسابات الفلك والنجوم! فهو على علم برفع نقطة الحراسة أمام الوزارة قبل يوم واحد من التفجيرات! وأكدت نائبة في البرلمان بأن الزيباري تلقى مكالمة هاتفية من أحدى الجهات الأمنية بهذا الشأن. ولكن عزف الوزراء والمستشارين( مجلس الأوصياء من الفلاسفة والحكماء) النشاز طغى على صوت الخارجية الخافت فأخرسه. تصرفت الحكومة السورية بحكمة بالغة و دبلوماسية هادئة ومسئولية قومية، و لم نسمع تعليقات مقابلة في الحدة أو ردود فعل متشنجة من قبل الوزراء والمستشارين السوريين كما جرى في العراق! فقد نوط الأمر بوزير الخارجية فقط وفق السياقات الدبلوماسية المتعارف عليها. وكان ذلك درسا بليغا للدبلوماسية العراقية التي لا تعرف رأسها من رجليها. ولا يحسب لها الوزراء ومستشارو المالكي أي حساب أو إعتبار.
ولنا حديث تابع عن الموضوع سيما قد تبع الإربعاء الدامي أحد دامي وبإنتظار دموية بقية أيام الإسبوع لننجر بعدها لحساب الشهور. كان الأحد الدامي ردا صاعقا على إدعاء الزيباري بأنه منذ اليوم الذي هدد فيه بتدويل الإربعاء الدامي لم تجر اية عملية إرهابية. فأي منطق هذا وأية دبلوماسية تمتلكون وأية سياسة خارجية ترسمون؟
 
ضحى عبد الرحمن
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد