إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحكمة يمانية وهذا وقتها

Nequlaبقلم نقولا ناصر*
 (قال النبي محمد (ص) إن “الحكمة يمانية”، ووصف أهل اليمن بأنهم “أرق أفئدة وألين قلوبا”، فما بال قلوبهم تبدو قد غلظت، بينما تبدو الحكمة وكأنها لم تعرف طريقها إليهم يوما ما)
 
 
 
 
 
 
الخبر الذي نشرته صحيفة الوول ستريت جورنال الأميركية يوم السبت الماضي عن قيام وزارة الخارجية الأميركية بتنظيم “عملية سرية” في اليمن منذ شهر تموز / يوليو الماضي لتهريب ستين من المواطنين اليهود اليمنيين وصلوا إلى أراضيها فعلا بينما مئة آخرون في الانتظار، لا يترك مجالا للجدل في أن الفتنة المستشرية في القطر الشقيق تكاد تفلت من السيطرة الوطنية عليها.
 
 
 
وإلا ما تجرأت واشنطن على تجاوز عدة خطوط يمنية حمراء، أولها القيام بدور وكيل لدولة الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ مهمة على أرض اليمن اعتادت هذه الدولة أن تقوم بمثيلاتها بنفسها، وثانيها قيامها بهذه الدور لصالح دولة معادية في حالة حرب مع اليمن، وثالثها انتهاك حرمة السيادة اليمنية بتنظيم عملية سرية تشمل مواطنين يمنيين على أرض يمنية، ورابعها القيام بكل ذلك دون علم الحكومة اليمنية أو تنسيق معها في الأقل، وربما لن يمضي وقت طويل قبل أن يحصل هؤلاء المهربون على جنسية أميركية – إسرائيلية مزدوجة ثم ينخرطون إما في أعمال معادية كالتجسس ضد اليمن نفسه أو يؤدون خدمتهم العسكرية الإجبارية في دولة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية أو غيرها من الأراضي العربية المحتلة.
 
 
 
يقول تقرير الوول ستريت جورنال إن “مسؤولين من وزارة الخارجية الأميركية” هم الذين “يديرون” العملية السرية، لكن أحدا لن يصدق ادعاء كهذا، إذ لم يكن أبدا معروفا أن الدبلوماسيين الأميركيين “ينفذون” عمليات سرية، فهم ربما يخططون لها، لكن التنفيذ هو من اختصاص عملاء ستة عشر وكالة استخبارية أميركية، وبالتالي فإن عملاء إحدى هذه الوكالات هم الذين نفذوا العملية، في انتهاك آخر للسيادة اليمنية.
 
 
 
غير أن “اضطرار” واشنطن إلى القيام بهذه العملية هو في حد ذاته مؤشر خطير إلى الوضع الأمني المتدهور في اليمن، في الأقل كما يقومه الاستراتيجيون الأميركيون، وحكومتهم. ويلفت النظر هنا تزامن بدء العملية السرية الأميركية مع الزيارة التي قام بها لصنعاء الجنرال ديفيد بيترايوس، قائد القوات المسلحة الأميركية في الشرق الأوسط، الذي تسميه بعض وسائل الإعلام في بلاده بأنه “أبو مكافحة التمرد” بعد “الدليل الميداني” الذي كتبه لهذا الغرض، لكي “يشجع” الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على أن يكون “هجوميا أكثر ضد إرهابيي القاعدة في بلاده”، لأن “الحكومة اليمنية أكثر اهتماما بمحاربة الحوثيين في صعدة، والانفصاليين في الجنوب، وتأتي القاعدة في مرتبة ثالثة بعيدة، فالحكومة لا ترى فيها مشكلة يمنية، بل مشكلة أجنبية”، كما قال غريغوري جونسن الخبير الأميركي في شؤون اليمن. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما في الشهر الماضي قد بعث لنظيره اليمني رسالة قال فيها إن “أمن اليمن حيوي للمنطقة وللولايات المتحدة”، على ذمة الصحيفة نفسها، ويتساءل المراقب كيف يمكن لل”العملية السرية” الأميركية الجديدة في اليمن أن تساهم في تعزيز الأمن فيه.    
 
 
 
طبعا سوف تسوغ واشنطن عمليتها السرية بذرائع “إنسانية”، محتجة بالمخاطر التي تهدد حياة اليهود اليمنيين في مناطق القتال بين القوات الحكومية وبين المتمردين في الشمال، بينما تعرف واشنطن أكثر من غيرها أن واحدا منهم لم تصبه حتى شظية، وأنهم يحظون برعاية الرئيس اليمني الذي أمن لهم المأوى مع راتب شهري في العاصمة صنعاء، وهو ما لم يحظ به عشرات الآلاف من اليمنيين الآخرين الذين هجرهم القتال من مواطنهم وما زالت المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية وتلك التابعة للأمم المتحدة عاجزة عن الوصول إلى معظمهم. إن هذه الانتقائية والمحاباة الأميركية مثيرة للغضب والسخط، ولا بد أنها كذلك بخاصة في أوساط الشعب اليمني.
 
 
 
ولأن الذريعة “الإنسانية” متهافتة، فإن حجة “العداء للسامية” دائما جاهزة أميركيا وإسرائيليا لتستخدم حتى في موطن تاريخي للساميين كاليمن. ف”العملية السرية” التي نظمتها “الخارجية الأميركية” كانت من أجل تهريب اليهود اليمنيين من “العنف المتصاعد المعادي للسامية” في اليمن كما قالت وول ستريت جورنال. ولا يوجد صوت مرتفع ضد أميركا واليهود في اليمن، عدا صوت القاعدة المكبوت في الإعلام السري، سوى صوت التمرد الحوثي وهو موجه أصلا ضد نظام الحكم مستغلا علاقات الحكم المتطورة مع الولايات المتحدة أكثر منه موجها ضد الولايات المتحدة نفسها أو ضد اليهود، ولم يحدث حتى الآن أن جرح التمرد الحوثي يمنيا يهوديا واحدا، لا بل إنه يعلن في إعلامه أن عداءه لأميركا وحليفها الإسرائيلي هو مجرد عداء “ثقافي سياسي” فحسب.
 
 
 
لقد تعكرت المياه اليمنية حدا يسمح لكل الصائدين في المياه العكرة الاصطياد فيها، وكل اليمنيين مسؤولون، حكما ومعارضة، تمردا وموالاة، الكثرة الوحدوية الساحقة منهم كما القلة القليلة من الانفصاليين.
 
 
 
قال النبي محمد (ص):”إذا هاجت الفتن فعليكم بأرض اليمن فإنها مباركة”، وقال إن “الحكمة يمانية”. نستذكر ما قاله النبي العربي اليوم ونحن نراقب أهل الحكمة وكأنما يفتقدونها، بينما الفتن تذر قرونها في بلدهم الذي يبدو اليوم كأنما يفتقد البركة التي جعلت محمدا يوصي به مثابة يلوذ إلى بركتها من هاجت الفتن بين ظهرانيهم، فلا يترك اليمنيون لأشقائهم العرب سوى الدعاء مع النبي، “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا”، لأن “العرب من قحطان، وقحطان من اليمن” كما قال نبي الله، الذي وصف أهل اليمن أيضا بأنهم “أرق أفئدة وألين قلوبا”. فما بال قلوبهم تبدو قد غلظت، بينما تبدو الحكمة وكأنها لم تعرف طريقها إليهم يوما ما.
 
 
 
فعندما يصنف اليمن مع الصومال من أفقر الدول العربية، ويحتل المرتبة الأولى في منطقته في ارتفاع معدلات الفقر طبقا للأمم المتحدة والبنك الدولي، وعندما تضاف الأزمة الإنسانية وأزمة المهجرين بسبب الحرب إلى أزمته الاقتصادية الذاتية، ومضاعفات الأزمة المالية العالمية عليه، وتفاقم أزمة الفقر فيه، حيث واحد من كل ثلاثة يمنيين يعاني من جوع مزمن وحوالي (42%) يعيشون تحت خط الفقر الوطني وحوالي (47%) يعيشون على أقل من دولارين أميركيين في اليوم وحوالي (82%) من الأسر اليمنية بالكاد تغطي الحد الأدنى من مصاريف الحياة اليومية بينما (17%) ينعمون بالثروة حسب تقرير التنمية البشرية للعام الحالي، بينما تظهر مؤشرات إحصائية متحفظة جدا إلى أن نسبة البطالة ارتفعت من تسعة في المئة عام 1994 إلى رقم قياسي في الوقت الحاضر، ثم يقول مشروع إدارة حوض مياه صنعاء الذي يموله البنك الدولي إن العاصمة اليمنية سوف تكون أول عاصمة في العالم تنضب فيها المياه بحلول عام 2025 ويقول تقرير للبنك الدولي إن مستويات المياه الجوفية في اليمن بعامة تنخفض بمعدل 20 – 65 قدما في السنة، عندما يضاف كل ذلك وغيره إلى الأزمة السياسية التي أجلت الانتخابات عامين، وإلى الأزمة الأمنية التي استنفرت الجيش وقوى الأمن وأغلقت شمال البلاد وتكاد تفرض حالة الطوارئ على جنوبها حد أن تتوقف الحكومة عن منح تصاريح للأجانب ومنهم الصحفيين للتنقل في البلاد باستثناء العاصمة والمنطقة الساحلية المحيطة بعدن، فإن هذا الوضع بدأ يقود المحللين إلى التحذير من عرقنة أو أفغنة أو صوملة اليمن، وإلى الحديث عن “فشل الدولة” اليمنية.
 
 
 
وبغض النظر عن أي دعم خارجي مرفوض للتمرد الحوثي وعن رفض أي تمرد مسلح ضد الدولة يهدد الوحدة اليمنية، فإن طول أمده هو دليل لا يدحض على وجود دعم داخلي له لا علاقة له بأي مصلحة حقيقية لا في التمرد المسلح ولا في تهديد وحدة الدولة، وبغض النظر عن كون الدعوة إلى الانفصال في الجنوب هي حركة معزولة ضد حركة التاريخ والإجماع اليمني ومحكوم عليها بالفشل، فإن ركوبها موجة احتجاج شعبي واسعة لا مصلحة حقيقية لها في الانفصال هو دليل دامغ على مشروعية الاحتجاج وليس على مشروعية الدعوة إلى الانفصال، وبالقياس نفسه فإن استمرار النظام الذي حقق الوحدة في الاختباء خلف الوحدة للإقصاء السياسي ورفض الشراكة الفعلية في الحكم والتغطية على الفساد المستشري يتحول إلى قول حق يراد به باطل.
 
 
 
وعلى سبيل المثال، فإن الهجوم الذي شنه رئيس أركان الأمن المركزي وابن أخ الرئيس صالح، العميد يحي محمد عبد الله صالح، في السابع من الشهر الجاري، على معاقل الفساد واتهامه للحكومة وهيئة مكافحة الفساد بالعجز عن وقفه ودعوته السلطة إلى وقف منح أراضي الدولة للمسؤولين وانتقاده مجلس النواب لتأخره في إقرار قانون للأراضي لأن نوابا مستفيدين من عدم إقراره وحثه “على التضحية ببعض المسؤولين المدنيين والعسكريين” ممن “استغلوا نفوذهم” .. كان هذا الهجوم اعترافا جريئا يحمد عليه يسلط الضوء في الاتجاه الصحيح للفصل بين الحراك الشعبي في الجنوب وغير الجنوب وبين دعاة الانفصال.
 
 
 
فهذه بداية طريق جادة لمحاربة الانفصاليين والمتمردين أجدى كثيرا من التصدي الأمني والعسكري لهم، أو من الاكتفاء بمحاصرة الدعم الخارجي لهم كما فعل قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة العميد الركن أحمد علي عبد الله صالح خلال زيارته الأخيرة لدولة الإمارات العربية. وفي السياق نفسه يكون أجدى كثيرا كذلك الالتقاء في منتصف الطريق مع قوى سياسية كالحزب الاشتراكي اليمني ورموز سياسية مثل أمينه العام ياسين سعيد عثمان ورئيس أول حكومة يمنية بعد الوحدة حيدر أبو بكر العطاس والرئيس اليمني الأسبق قبل الوحدة علي ناصر محمد وغيرهم من الوحدويين ممن يؤهلهم وزنهم التاريخي في النضال اليمني جنوبا وشمالا، سابقا وحاليا، لتحويل الحراك الشعبي إلى قوة لدولة الوحدة، ويساهم في الوفاق الوطني بين المعارضة في اللقاء المشترك وبين الحكم، أما الاستمرار في جمعهم في سلة واحدة مع أصوات نشاز تجاوزها التاريخ مثل على سالم البيض فإن نتائجه العكسية سوف تنعكس سلبا على الوحدة وعلى دولتها معا.               
 
 
 
ومع ذلك ما زال الحكم والمعارضة المتمردة بالسلاح أو السياسية يسوقون حججا لا تقنع لا صديقا ولا عدوا لتسويغ الاقتتال وتسويغ رفض الجلوس أو اختلاق الذرائع لرفض الجلوس إلى طاولة حوار وطني ما زال الوقت متاحا أمامه لمنع تدهور الوضع أكثر إلى أزمة شاملة مستعصية على الحل قبل أن يفوت الأوان لذلك، ليتساءل كل من يحب اليمن وأهله عما إذا كان الرسول العربي (ص) قد تحدث عن الحكمة ورق الأفئدة ولين القلوب في يمن آخر غير هذا اليمن.
 
 
 
والمفارقة التاريخية أن الفتنة التي وصفها علي ناصر محمد بالطائفية والتي كانت نائمة في شمال اليمن قد استيقظت لتذر قرنها وسط الإخوة وأبناء العمومة من بطني حاشد وبكيل، وهما أخوان ابنا جشم بن حُبران بن نوف بن بَتَع بن زيد بن عمرو بن همدان، من قبيلة همدان التي ورد ذكرها باسم بني همدان ابتداء من القرن الأول الميلادي، وهي القبيلة التي يقول المؤرخون إن قبائل اليمن بكاملها لم تعتنق الإسلام إلا بعد أن اعتنقته فكان اعتناقها له عامل توحيد وقوة لليمنيين جميعا، ليجد المتابع للاقتتال الأخوي في اليمن اليوم أن أحفاد هذه القبيلة من البطنين، سواء من منهم في الحكم ومن منهم في التمرد، ومن منهم يظاهر الحكم ومن منهم يظاهر التمرد، قد انجروا إلى فتنة تتناقض في بداياتها وفي نتائجها المتوقعة إن استمرت مع الدور التاريخي الذي قام به آباؤهم وأجدادهم.
 
 
 
وعندما يتحول شعار الوحدة إلى مسوغ للحكم كي يقصف جزءا من شعبه بالطائرات الحربية والمدفعية ويفرض شبه حالة طوارئ على جزء آخر، وعندما يتحول فشل مرحلي مؤقت للوحدة إلى مسوغ للدعوة إلى الانفصال، وعندما يتحول تظلم طائفي أو جهوي من التهميش إلى مغالاة مسلحة تتمرد على الحكم تمردا يهدد وحدة الدولة فلا يفرق بين نظام الحكم وبينها، وعندما يقود العجز عن تغيير الحكم بالكفاح السلمي الشعبي – بغض النظر عن مشروعية أو عدم مشروعية الدعوة إلى تغيير كهذا – إلى حراك باتجاه الانفصال عن دولة الوحدة أو إلى التمرد المسلح عليها، وعندما يخلط نظام الحكم بينه وبين الوحدة فلا يعود يفرق بينهما بحيث يتخذ من الدفاع عن الوحدة ذريعة للتشبث بالحكم، وعندما يتذرع النظام والمعارضة السياسية معا بحجج وحدوية لعدم الالتقاء في منتصف الطريق فلا يقود الطريق المسدود الذي وصل حوارهما إليه إلا إلى نتائج عكسية على كليهما وعلى وحدة البلاد، عندئذ تكون الوحدة براء من كل هؤلاء جميعا، ويكون جميعهم أعداء لها، ويكون الوقت قد حان لكي يبدأ اليمنيون جميعا في البحث عن حكمتهم التي افتقدوها، فهذا هو وقتها.
 
 
 
والحكمة تقتضي أن ينطلق الجميع في بحثهم عن حل للأزمة أو الأزمات من مجموعة حقائق أساسية، أولها أن الزمن لا يعود إلى الوراء وأن ثورة 1962 باقية ووحدة 1990 مستمرة، فكلتاهما مع حركة التاريخ الوطني والقومي والإنساني، وثانيها أن النظام السياسي متغير ودولة الوحدة ثابتة ويجب التوقف عن الخلط بين الأمرين من الموالاة والمعارضة على حد سواء، وثالثها أن إرادة الشعب سوف تفرض نفسها إن عاجلا أو آجلا ومن الأفضل للجميع أن يتساوق معها اليوم قبل غدا، ورابعها أن القوى السياسية مهما بلغ نفوذها فإن نخبها سوف تتساقط كنبتة ينقطع الماء عنها إن انقطعت عن نبض جماهيرها وتبدو جميع القوى اليوم في اليمن منكفئة على عصبياتها انكفاء إن طال سوف يعزلها عن جماهيرها بالتأكيد فهذه الجماهير لا مصلحة لها في الوضع الراهن، وخامسها أن الأزمة الوطنية الراهنة إن استمرت سوف تزيد اليمنيين فقرا على فقر وعندها لا يلومن سياسي إلا نفسه إذا ما خرج الفقراء على الناس شاهرين “جنباتهم” وسيوفهم ليطوي التاريخ كل المسؤولين عن الوضع الراهن.
 
 
 
* كاتب عربي من فلسطين
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد