إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الإرادة الفلسطينية في مواجهة الإدارة الأمريكية

Eradaaبقلم / سعيد موسى
((مابين السطور))
لقد أفرط البعض بالحسابات السياسية السطحية لتقييم مسار الخطاب السياسي الأمريكي، بالضبط كما أفرط الرئيس الأمريكي في الكاريزمية عندما تجاوزت الخطوط الهلامية التكتيكية المسموحة وصولا إلى خطوط الإستراتيجية الأمريكية المحفورة الثابتة، وقد اعتبر الكثيرون أن التغير الحاد في الخطاب السياسي الأمريكي متزامنا مع الانقلاب السياسي والاجتماعي الذي أوصل الرجل الأسود للبيت الأبيض، على انه تحول يطال خطوط السياسة الإستراتيجية الأمريكية، وقد تأمل الكثيرون خيرا لتعديل مسار نهج السياسة الأمريكية التي انتهجت سلوك الهيمنة والعدوان العسكري والاقتصادي على كل نظام في العالم الثالث عامة والشرق الأوسطي خاصة وعالمنا العربي تحديدا عندما يتململ حيال الخضوع ، والدوران الطوعي والقسري في فلك السياسة الأمريكية ذات العقلية التاريخية الامبريالية،جاء الرئيس اوباما بشعاراته النظرية المفرطة في كاريزمية القيادة على أساس قلب الطاولة على كل مواريث الإدارات السابقة، وتحويل العلاقات الأمريكية العربية والإسلامية من علاقة صراع وتنافر إلى علاقات حوار وتعاون، ويبدوا أن الذين أفرطوا في التفاؤل حيال ترجمة الشعارات من واقعها النظري إلى عالمها العملي قد نسوا أو تناسوا أن الإدارة الأمريكية مهما كانت ميولها ورغبتها في التغيير، ليست هي المؤسسة الحاسمة أو المتفردة باتخاذ القرار خاصة القرارات المتعلقة بالثوابت الإستراتيجية الأمريكية، والتي نادرا ما تتأثر بتقلب الإدارات ورؤيتها سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية، وماهي غير شعارات لا تتجاوز حدود الهوامش التكتيكية السياسية مهما كان لون الإدارة القادمة أو الراحلة، ومهما كانت كاريزمية الرئيس فلها حدود لهامش التغيير في حدود المسموح من باقي المؤسسة الأمريكية على مستوى مجلسي النواب والشيوخ”الكابتول هيل” في أنظمة ليست شمولية تقيد سلوك”رأس الهرم” بالمفاهيم والمصالح الديمقراطية الغربية، أي لا وجود لحكم الرجل الواحد بعيدا عن روح المؤسسة المكونة للنظام السياسي الأمريكي.
 
 
 
الحقيقة أن هناك مؤشرات ودلائل متعددة جعلت البعض يفرط في ذاك التفاؤل، والتعويل على كاريزمية الرئيس الأمريكي اوباما وإدارته، ومن أهمها بعد كتلة الشعارات المؤطرة بالعدل والحوار والتعاون وعدم معاداة العرب والمسلمين، ثم الانطلاق منذ اللحظات الأولى لتولي إدارة اوباما سدة المسئولية، ليعلن على مستوى الرئاسة والخارجية أن قضية الصراع العربي الإسرائيلي عامة والقضية الفلسطينية خاصة على سلم أولويات اهتمامات إدارته، بل وتعيين ممثل”جورج ميتشل” خاص كمبعوث لمنطقة الصراع وعدم إضاعة الوقت ،في محاولة لإحياء عملية السلام المتعثرة بسبب الغطرسة الإسرائيلية، لقد كان الرئيس اوباما هو الآخر مفرطا في التفاؤل انطلاقا من كاريزميته القيادية والرأي العام الواسع الأمريكي المؤيد له في مسار السلام والانسحاب من العراق ومحاورة إيران وحتى مغازلة القاعدة وطالبان، وعلى عادتي الغير متطيرة كتبت في هذه السياسة الغير ناضجة كعربة تسبق الحصان رؤيتي في مقال بعنوان”اوباما والجدار الاستراتيجي” بمفهوم أن ذلك الخطاب الأمريكي المعتدل والذي يتطلب تشجيع ودعم تلك الإدارة المختلفة الوافدة لن يتجاوز الخطوط الحمراء، والتي من شأنها إحداث تغير يذكر أو انقلاب حسب الشعار النظري على مجمل السياسة الخارجية الأمريكية حيال قضايا الصراع خاصة القضية الفلسطينية، وان الرئيس اوباما وإدارته التي لقيت ترحيب وعقد عليها أمل المسحوقين من الأنظمة الحالمة سوف تصطدم بجدار استراتيجي عندما تصبح الشعارات على محك التنفيذ بعد اكتمال محك الخطاب النظري.
 
 
 
وقد كثفت الإدارة الأمريكية هجمتها الخاصة بالتسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وراحت تضع نطاقات زمنية لتبني رؤية الإدارة الأمريكية السابقة ورئيسها”بوش الابن” لحل الدولتين، ونتيجة كثافة التواصل والاتصال مع أطراف الصراع، وصعود حكومة اليمين المتطرف”ليبرمان_نتنياهو”إلى سدة الحكم في الكيان الإسرائيلي، بل ونتيجة جدية التوجه لإحياء عملية السلام مع تعاظم شعبية الرئيس الأسود الذي وعد الجميع حتى شعبه بازدهار اقتصادي وإحلال السلام والعدل والحوار مع الأعداء محل الحرب والصدام، فمازال الأمر يبدوا أن المستحيل ممكنا وحدث الخلط بين التكتيكي والاستراتيجي، ولم يحدث مواجهة بين صناع القرار بالمشاركة لأنه لا مكان للتفرد في اتخاذ القرار، لكن مع الاقتراب من بؤرة الصراع والتماس مع القضايا الجوهرية ثوابت الصراع المعقدة، حاولت إدارة الرئيس اوباما أن تترجم شعار التخفيف من سياسة الانحياز بالمطلق للكيان الإسرائيلي، كي ترسل إشارات لطرف الصراع العربي الفلسطيني بالجدية والمصداقية للشعار النظري وعدم انفصامه عن السلوك العملي، ربما نستطيع القول أنها لم تكن مناورة وخداع كي نكون منصفين لهذه الإدارة الأمريكية المندفعة الحالمة بغسل عار سمعة السياسة الأمريكية على مدار عقود طويلة، فاقترب اوباما وميتشيل وكلينتون من مربعات المحظور مع قيادة الكيان الإسرائيلي ذات امتداد النفوذ القوي والمؤثر في صناعة القرار الأمريكي، وبدا للوهلة الأولى اوباما المتفائل والمفرط بكاريزميته في مواجهة العناد الإسرائيلي حيال المطلب الأمريكي الواضح بضرورة تجميد العمل الاستيطاني كمطلب عربي فلسطيني انطلاقا من استحقاق والتزام أقرته خارطة الطريق والرباعية الدولية، بل اخذ اوباما يقترب كما أشرت سابقا شيء فشيء من جدار المحظور الاستراتيجي واخذ يلوح بالعقوبات الاقتصادية والضغط الملفت للنظر على الحكومة الإسرائيلية، والتي ضربت بعرض الحائط جدية المطلب الأمريكي لان الاستيطان روح الصهيونية القائمة عليها الدولة العبرية، وفي ظل تلك المواجهة الحقيقية بين إرادة الإدارة الأمريكية والامتثال الإسرائيلي، ودون الخوض في التفاصيل المملة والتي يسكن بداخلها شياطين الحقائق فان الإدارة الأمريكية أمام الرفض الإسرائيلي وحتما المدعوم بأصابع النفوذ المحركة لجدار الصد الاستراتيجي والذي يضع الكيان الإسرائيلي ليس كامتداد للأمن القومي الأمريكي كما يشاع، بل كامن الولايات المتحدة وامن أهم ولاياتها وأكثر من ذلك أن العلاقة الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الثابتة اكبر واثبت من أي إدارة أمريكية عابرة، لم يكن أمام هذا التحدي الإسرائيلي للمطلب الأمريكي الفوقي بأمر تجميد الاستيطان، إلا أن يتقدم خطوة على خارطة الإفراط بالتفاؤل لاتخاذ قرار كسابقة تاريخية تتناسب مع جدية خطاب الإدارة الأمريكية وكاريزمية رئيسها اوباما وذلك بمعاقبة تلك الربيبة الصهيونية المتمردة ولي ذراعها، أو بخطوة للوراء وزيادة الوعي بان الانفلات لاختراق الجدار الاستراتيجي السياسي الأمريكي مستحيلا وبالتالي محاولة التهرب من مواجهة خاسرة مع الكيان الإسرائيلي مدعومة ليس فقط بلجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية”ايباك” بل بمكونات النظام السياسي الأمريكي الداعم والرافض المؤثر على إمكانية ترجمة الشعار من مساره النظري لواقعه العملي.
 
 
 
فكان حفظ ماء الوجه للتراجع الأمريكي بعد الاصطدام بثوابت الجدار الاستراتيجي الذي يحول دون تحول استراتيجي على مستوى السياسات الخارجية خاصة فيما يتعلق بطبيعة التسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتم الحديث في تجميد مؤقت للاستيطان في الضفة الغربية باستثناء القدس وما يسمى “بالنمو الطبيعي” لباقي المستوطنات، الطرف الفلسطيني الذي يتمسك بأدنى من حقه تماشيا مع التوجه الدولي الذي يمثله شروط الرباعية وخارطة الطريق، والتي تنص صراحة على عدم شرعية الاستيطان وضرورة وقفه كأرضية صالحة لمفاوضات وسلام، رفض الطرف الفلسطيني هذا الالتفاف خاصة فيما يتعلق بتجميد مؤقت لمدة تسعة أشهر لن يتجاوز حدود المناورة والخداع، ثم سجلت حكومة الكيان الإسرائيلي وحلفائها في المؤسسة الأمريكية خطوة أخرى لتراجع إدارة اوباما التي اصطدمت بقوة في حائط صد الجدار الاستراتيجي الفولاذي، حيث تدنى الخطاب الأمريكي من تجميد شامل للاستيطان إلى تجميد مؤقت غير شامل، إلى لجم الاستيطان، إلى كبح جماح الاستيطان، وما إلى ذلك من مصطلحات مطاطية مرتبكة تفيد بتبني الرؤيا والإرادة الإسرائيلية، ويبدوا أن إدارة الحالم اوباما كانت ردة فعلها لانكشاف ضعف كاريزميتها وسلطتها وجهتها للطرف الفلسطيني وللمتتبع سوف يكتشف بسهولة الهروب الأمريكي من مواجهة الكيان الإسرائيلي الضارب بعرض الحائط خزعبلات مطالب اوباما وإدارته، وصب جام غضب الإدارة السياسي حيال الملتزم بالقانون وإرادة المجتمع الدولي”الطرف الفلسطيني” وليس إلى المتحدي والمستخف باندفاع إدارة اوبما وبما يسمى بمهزلة القانون والمجتمع الدولي، وبعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني/ محمود عباس بتجميد وتعليق المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي حتى ينفذ الاستحقاقات التي تنكر لها بوقف الاستيطان كما ورد في خارطة الطريق والتي وقع الكيان الإسرائيلي على الالتزام بها، ثم بدأت مناكفات الضغط الأمريكي تتجه صوب الطرف الأضعف كما تعتقد الإدارة الأمريكية”الطرف الفلسطيني”، وكان التحدي الأمريكي العكسي يقضي أن يتم إخضاع الضحية والملتزم لا أن يتم إلزام المعتدي والممتنع.
 
 
 
فكانت وفق ذلك الالتزام والامتناع والعجز الأمريكي، أن دعا الرئيس اوباما على هامش دورة الأمم المتحدة إلى لقاء ثلاثي يضم إلى جانبه كل من الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وقد حذر البعض من هذا المشهد على اعتبار انه تنازل عن حق فلسطيني والخضوع للاملاءات الأمريكية الإسرائيلية، بل وإعلان ذلك اللقاء على انه كسر للإصرار الفلسطيني ونصر للتعنت الإسرائيلي ونفي للعجز الأمريكي بل وإصلاح لما اعوج في شعارات الرئيس الأمريكي اوباما والتراجع عن نظرية العدل والنزول درجة عن كاريزمية لا تصلح للمواجهة وفرض الإرادة على كيان إسرائيلي قام على أساس نظرية الباطل الغربية لتعلن ميلاد المسخ منذ 1948 وعدم إمكانية تحويل الشيطان إلى ملاك بل تحل اللعنة على أي قائد يحاول المساس بالثوابت والمكونات الأساسية لكيان شيطاني صنيعة أمريكيا والغرب، وحدث اللقاء الثلاثي والإدارة الأمريكية تعي جيدا أن في ذلك إضعاف للطرف الفلسطيني وتشجيع للتعنت الإسرائيلي وهذا يدل على بداية التحول الجوهري، بل وزادت الإدارة الأمريكية من حدة تراجعها وضراوة هجمتها على القيادة الفلسطينية كإسقاط لعجزها أمام التعنت واللكمة السياسية الإسرائيلية للكاريزمية الجديدة، فقد استماتت الإدارة الأمريكية منع مناقشة تقرير”جولدستون” أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذي يدين الكيان الإسرائيلي بارتكاب مجازر حرب إبان العدوان البربري على غزة، وخضعت جميع الدول الشرقية والغربية والعربية والإسلامية إلى الضغط والابتزاز الأمريكي للحيلولة دون عرض التقرير بدعوى كاذبة تنم عن مزيد من العجز والانبطاح الأمريكي أمام نفوذ الكيان الإسرائيلي المتجذر في مؤسسة اتخاذا لقرار الأمريكي، حتى أن الخمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن كان ثلاثة منها “أمريكا وفرنسا وبريطانيا”يعارض بالمطلق عرض التقرير، ودولتين تتحفظان على العرض هما”الصين وروسيا الاتحادية” مما حدا بالطرف العربي والإسلامي بما فيه الفلسطيني إلى قبول التأجيل للدورة القادمة في مارس/2010 ، ودارت الدوائر بعاصفة تحت عنوان المؤامرة من القيادة الفلسطينية والرئيس/ محمود عباس تحديدا بأنه وراء التأجيل ليحاول كل الخصوم النيل من وطنيته وقيل فيه ما قيل وصل إلى حد الوصف الجائر والمتعمد بالخيانة، معركة إدارتها قوى عربية وإقليمية ومحلية، بل ونتيجة العاصفة التي يبدوا أنها معلومة من بعض الأطراف مسبقا وتم الأعداد لها، اختلفت الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح ودون الاستعداد لتفهم التفاصيل في ظل عاصفة لا يمكن معها تعديل سرج الحصان، كان ذلك ضربة وجهتها الإدارة الأمريكية إلى النظام السياسي الرسمي الفلسطيني، واعتبرت الإدارة الأمريكية أن الرئيس الفلسطيني في اضعف أحواله أمام شمولية الهجمة، فجاء المبعوث”ميتشل” على عجل ليناور ويساوم على ضرورة بدء المفاوضات دون شروط مسبقة يصر عليها الرئيس بوقف الاستيطان وإلا لن يكون هناك مفاوضات مهما كان الثمن.
 
 
 
هنا انطلق المارد الفلسطيني بقبول التحدي وانكشاف المؤامرة حتى بعد أن تخلى شركاء التأجيل عنه أمام عاصفة الهجوم والطعن في وطنية الرئيس /أبو مازن، وأخذت الدبلوماسية الفلسطينية تعلن حالة الطوارئ لتقوم بهجمة مرتدة لإظهار الحقيقة ورد الكيد إلى نحور الإدارة الأمريكية والى أنظمة عربية وإقليمية تحاول استلاب القرار الفلسطيني وتشارك مع العدو في إضعاف القيادة الفلسطينية بأيدي وأوراق فلسطينية، وصمم الرئيس مشهرا سيف التحدي للجميع دون استثناء، على إعادة عرض التقرير قبل أن يجف مداد قرار التأجيل، وربما تدخل العناية الالاهية كي تنجح القيادة الفلسطينية بطلب جلسة طارئة واستثنائية عاجلة لمجلس حقوق الإنسان تعادل الجلسة العادية، ورغم ضخامة التهديد الأمريكي والصخب الإسرائيلي والتلويح بعقوبات للسلطة الفلسطينية بوقف المساعدات الأمريكية للسلطة، فقد زاد الإصرار الفلسطيني الذي اكتشف أنها مؤامرة أمريكية وتصيد عربي في المياه العكرة للنيل من السلطة الفلسطينية ورئيسها لحسابات أخرى وتقاطع مصالح، انعقد المجلس وأحرز الرئيس والقيادة الفلسطينية زخما وانجازا لم يكن متوفرا في الجلسة السابقة التي كانت مواقف الدول الأعضاء مدعاة للتأجيل، فعلى سبيل المثال لا الحصر تغيرت بالمطلق اتجاهات تصويت الدول الخمس الدائمة العضوية مع ثبات الموقف الأمريكي المعارض، فقد استنكفت كل من بريطانيا وفرنا عن التصويت مما شكل صفعة للرغبة الإسرائيلية بالتراجع عن الممانعة، وقد تحول التحفظ الصيني الروسي إلى تأييد لعرض التقرير، وحصل القرار على 25 صوتا بعد أن كان سابقا سيحصل وفق القراءات على 18 صوت، فكان ذلك مؤشر قوي على التحول في ليونة الموقف الفلسطيني إلى صلابته وقبول التحدي مهما كان الثمن لان البديل هو توريط وإضعاف وابتزاز القيادة الفلسطينية.
 
 
 
ولقد بات واضحا غياب الخطاب الأمريكي الذي كان مدعاة للإفراط في التفاؤل العربي، بل عاد السلوك الأمريكي المنحاز والمتبني لوجهة النظر الإسرائيلية إلى سابق عهده مما حدا بالمتفائلين إلى الإحباط وليس فقط التشكك حيال السياسة الأمريكية المنحرفة للمرحلة القادمة،نادت مؤخرا الإدارة الأمريكية بدعوة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى طاولة المفاوضات دون أي شروط مسبقة وهذا بالضبط هو الموقف الإسرائيلي الذي اعتبر المطالبة بوقف الاستيطان كاستحقاق اتفاق بمثابة شروط فلسطينية، ولم يعد بخافي على احد أن الرئيس أبو مازن ما عاد يعول على وعود أمريكية ورقية لا علاقة لها بالواقع أكثر من الشعار، وان الاستجابة للمفاوضات دون وقف استيطان إنما يعني الانتحار السياسي مهما كانت الوعود الأمريكية التي ستذهب في مواجهة التعنت الإسرائيلي أدراج الرياح، ولم يعد هناك شك بان أبو مازن يقول بقوة لا للخضوع للضغوطات الأمريكية بعد فشلها في إخضاع الحكومة الإسرائيلية لاستحقاقات خارطة الطريق وتنكرها لكل ماتم الاتفاق عليه مع الحكومات السابقة ولا ضمانات في ظل العودة بقوة إلى الإعلان الأمريكي الصريح بالانحياز للكيان الإسرائيلي وان لا انفصام في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وهكذا يعود اوباما وإدارته منفلتة العقال بخطابها الحالم إلى رشدها.
 
 
 
 
الرئيس/ محمود عباس يصرخ بأعلى صوته في وجه مشاريع الالتفاف الأمريكية لإسقاط تمترسه على عدم الذهاب إلى المفاوضات دون وقف الاستيطان ودون تحديد مرجعية المفاوضات، فما أحوج من يصرخ في وجه هذه التحول الأمريكي للتملص من التزاماته إلى توحيد الصف العربي وقبله الفلسطيني لدعمه في وجه الضغوطات الهائلة الأمريكية خاصة، لقد جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية إلى المنطقة بشبهة التفاف على المطالب الفلسطينية العادلة وقد رفض الرئيس/أبو مازن بشكل قاطع الطرح الأمريكي الالتفافي مهما كلف الثمن، واخذ يحمل الجامعة العربية مسئولية الميوعة في تحديد المواقف كي لا يتركوه وحيدا في مواجهة الضغوطات الأمريكية الإجرامية، من يقول لا للإدارة الأمريكية وبهذا الشكل المعلن يستحق ثقة شعبه ويستحق الالتفاف حوله وتقوية صلابته في مواجهة هذا الارتداد الفاضح لإدارة اوباما العاجزة،والتي باتت متوحدة مع الموقف الإسرائيلي المتطرف المتغطرس، فما أحوجنا في هذا المنعطف السياسي الخطير التي تمر به قضيتنا الفلسطينية إلى وحدة الصف العربي والفلسطيني، لان الضغوطات والارتداد الأمريكي نابعين من الانقسام الفلسطيني المخزي والسلبية العربية في التعاطي بجدية مع هذا الارتداد الأمريكي بعد وعود اوباما وإدارته الكاذبة وسقوطها في مهدها، الإدارة الأمريكية والكيان الإسرائيلي عاكفين على إضعاف موقف الرئيس/أبو مازن والسلطة الفلسطينية، ويبدوا أن الرئيس/محمود عباس وهو الذي يحمل مشروع واضح لا لبس فيه لجدية التسوية على أساس الدولتين وبمرجعية خارطة الطريق لدولة على حدود الرابع من حزيران، وتغول الاستيطان إنما يعني قطع الطريق على هذا المشروع السياسي ، بمعنى أن لا سلام يلوح في الأفق ولا يوجد ما يمكن خسارته أكثر من خسارة قبول العودة للمفاوضات دون مطلب وقف الاستيطان، ولتذهب الإدارة الأمريكية إلى الجحيم فالنتيجة الحتمية لهذا العبث الأمريكي الصهيوني هو انفجار تتشكل معطياته بدء من الهجمة الصهيونية على القدس، الأهم من هذا كله أن يصمد الرئيس/أبو مازن في وجه الضغوطات والتهديدات الأمريكية ويثبت على موقفه، رغم التنكر الفلسطيني والعربي لهذا الموقف الجريء الذي يثبت عليه ولا يجد من ينطق بالحق ليقول “نعم” لأبو مازن كما قال “لا” لأبو مازن،والاهم من هذا كله مهما كان حجم التحديات ومصير المركز السياسي للرئيس أن يثبت بشرف على موقفه وان تهب الجماهير داعمة لموقفه الذي يعبر عن إرادة فلسطينية صلبة وجادة في مواجهة الإدارة الأمريكية.. وليكن من بعد ذلك الطوفان.
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد