إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

من فساد الديمقراطية الى ديمقراطية الفساد.. بقلم: علي الصراف

Fasaaad
الإعتراف ببيع المناصب الأمنية في العراق، لا يضيف جديدا الى ما يعرفه العراقيون عن حال “حكومتهم”.
فهذه حكومة في نظام لا يتورع كبار مسؤوليه، بمن فيهم فريق “حماية” نائب رئيس الجمهورية، عن القيام بأعمال نهب واستيلاءات مكشوفة. فإذا احتاجوا نقودا، فأقصر ما يمكن أن يفعلوه هو الذهاب لسرقة بنك في وضح النهار.
أحد المسؤولين الظرفاء، وهو خبير اختلاسات دولي، كان يعد نفسه لكي يصبح رئيسا للجمهورية، عز عليه أن يعود الى العراق من دون أن يحمل معه آلة طباعة لتزوير العملة.
ولدينا من “النواب” في البرلمان ما يجعل أي زريبة تشعر بالقرف لكثرة ما فيه من نصابين ومحتالين ومزوري شهادات.
والأمثلة على أحوال الفساد في العراق لا تحتاج الى شهادات دولية تضعه في مصاف الصومال. فتقارير منظمة الشفافية العالمية كفّت ووفّت. وعلى الرغم من ان قادة النظام الجديد قدموا أنفسهم على انهم مناضلون ضد الدكتاتورية، في وقت من الأوقات، إلا انهم لا يشعرون بالخجل مما يفعلون الآن. فهم كشفوا عن طينتهم الحقيقية كلصوص ودجالين، بينما لم تشكل الدواعي “النضالية” حائلا دون التصرف بمستوى من الإنحطاط الأخلاقي يكاد لا يوجد أدنى منه.
في البدء، ظن القادة الأميركيون ان أعمال الفساد والنهب التي سمحوا بها سوف تكفل لهم، أولا، تشكيل نظام جديد من الأتباع المطيعين، فتحولهم، بعطايا الفساد، الى مطايا لأغراض الإحتلال.
وثانيا، استدراج الجياع من الصعاليك والشطّار والعيارين لينضموا الى الحفلة، فتتألف منهم مليشيات وأحزاب تمثل بدورها “القاع المادي للديمقراطية”.
وثالثا، استخدام هؤلاء في المساعدة على مكافحة أعمال المقاومة المسلحة، بسبب قدرتهم على ممارسة أعمال الترويع. فبما أنهم “القاع المادي للمجتمع”، وقعر إنعدام القيم، فقد كانوا مؤهلين لنقل استراتيجية “الترويع والصدمة” التي كانت تنفذها الصواريخ والطائرات الى داخل المجتمع العراقي نفسه.
والفكرة كانت بسيطة للغاية: يوجد الكثير من المال. أوله المليارات التي تكدست من برنامج النفط مقابل الغذاء. وآخره ما لا نهاية له من الأموال التي يمكن جنيها من صادرات النفط.
عبر المال، لا عبر أي قيم، قالوا: “نقيم ديمقراطية”. فماذا كانت؟
أولا، كانت ديمقراطية مليشيات وأحزاب طائفية، وعصابات منتفعين أطلق عليهم “مجتمع مدني”.
ثانيا، من هؤلاء تم تشكيل “نظام جديد”، يعتمد في وجوده على المال الذي تقدمه إدارة الاحتلال.
ثالثا، فرض هذا النظام نفسه بأسلحة: الترويع والدجل وشراء الضمائر.
هل كان لا أحد يعرف ان الديمقراطية هي نظام قيم وقواعد وأخلاقيات؟ بلى. الكل كان يعرف. ولكن بالنسبة لاحتلال جاء من اجل الإستيلاء على الثروة الوطنية العراقية، فقد كانت قيم الديمقراطية وأخلاقياتها هي آخر ما يحتاجه هذا النظام. والقصة في عين الإحتلال كانت بسيطة جدا: تقاسم حصص، إنما بين لصوص كبار، وبين أتباعهم من اللصوص الصغار.
وللحيلولة دون ان تختلف عصابات النظام الجديد مع بعضها البعض، فقد كان من الضروري “تقاسم الحصص” فيما بينها هي أيضا. وبذلك تم إرساء الأساس لشرعنة أعمال النهب والإستيلاءآت للمصالح والمراكز والمؤسسات والإدارات، حتى تحول ما كان يعتبر “دولة” صارمة في السابق الى جزر منفصلة ومتناحرة فيما بينها وتتنازع على الصغيرة والكبيرة.
“المحاصصة الطائفية” لم تكن نظاما لتوفير قاعدة للتوازن السياسي – الديمغرافي بين المجموعات السكانية، وإنما قاعدة لتقاسم المنافع والإمتيازات، وللتناحر حولها، ولتحويل المجتمع العراقي برمته، الى مجتمع ينهش بعضه بعضا.
ولا أحد من أطراف هذا المجتمع كان يستطيع أن يأخذ شيئا، ما لم يكن منخرطا في التكالب على “تقاسم الحصص”.
هذه العملية (المشاركة في التكالب على الحصص) هي ما صار يُعرف بـ”العملية السياسية”. وكان دخولها، أو الامتناع عنها، هو ما يمثل الفارق بين “الديمقراطية” و”الإرهاب” في أعين قادة الإحتلال.
أن تتكالب بين المتكالبين على حصة، تُصبح جزءا من النظام. أما أن تستنكف، فهذا يعني إنك إرهابي.
“الصحوات” نشأت على هذا الأساس، لتكون “وصيفا” للمليشيات الأخرى. ولكنها ظلت على الهامش. ساعة يعطوها رواتب، وساعة لا. وذلك لأنها لم تكن من أوائل المُبشرين بالمحاصصات.
والذين يعدون أنفسهم لدخول “العملية السياسية” من هزيعها الأخير، لن يكون حظهم أفضل من حظ الذين سبقوهم على أبواب الشحاذة.
الفساد لم يكن جوهريا في النظام، ولم يكن “جزءا” من طبيعته. الفساد كان هو النظام.
السؤال الآن هو: إذا أقمت نظاما قائما على التكالب، فماذا يكون أصحابه؟
وإذا جمع هؤلاء بين والجوع والشراهة والشعور بضيق الفرص، فماذا تكون النتيجة؟
ولكن، الى ماذا انتهينا من هؤلاء؟
أولا، النظام ليس فيه نظام. فالفوضى هي طابعه وأساسه الوحيد. وفي الفوضى، فان سباق سفك الدماء يغلب على كل سباق سواه.
ثانيا، الأفّاقون لا يوفرون ضمانات لإدامة أي نظام، حتى ولو كان من اجل خدمتهم. لأن الفرص، مهما كثرت، لا تكفي شراهتهم. (وإلا لما جاء “الرئيس المقبل” وهو يحمل آلة تزويره معه. وإلا لما ذهب حراس نائب رئيس الجمهورية ليسرقوا بنكا، وإلا لما دأب النواب على بيع أصواتهم على بعض القرارات بالمال، وإلا لما عمدت المليشيات الى توسيع مناطق نفوذها بالقوة).
“فساد الأساس” كان من الطبيعي ان ينتهي بـ”فساد الفروع”. وفساد الديمقراطية، ما كان ليحتاج الى الكثير من الحكمة ليستنتج المرء انها ستنتهي بديمقراطية فساد.
لماذا تأتي بآلة تزوير عملة، وانت “رئيس مقبل” يمكن أن يتحكم بعشرات المليارات؟
لماذا تسرق مصرفا وانت “تحمي” نائب رئيس الجمهورية؟
لماذا والعراق يستطيع أن يُصدّر من النفط سنويا ما قيمته 70 مليار دولار تقريبا؟
الجواب بسيط. الفساد لا يُشبع بطنا، حتى ولو كان وراءه مال قارون.
فعدا عن ان لصوص النظام يُحوّلون المال الى الخارج (لبناء ديمقراطية عقارات في الخارج) فان اموال النهب لا تبني اقتصادا. ولا تستطيع، بطبيعتها، أن تكون جزءا من دورة انتاج او استثمار.
 كل الذين ينهبون المال، يخفونه، أو يصدرونه الى الخارج، أو يخسرونه في أعمال فساد مضادة، أو في البحث عن حماية لأنفسهم.
هذه هي “الدورة الإقتصادية للفساد”. وهذه، حتى ولو كان وراءها مال قارون، فانها لا تبني نظاما.
لو كان يمكن لأعمال النهب ان تشكّل مصدرا لاقتصاد ناجح، لكان اللصوص هم الذين يتصدرون “لائحة فوربس” لأكبر أثرياء العالم.
والعراقيون يعرفون ذلك من حكمتهم الخاصة. إنهم يقولون: “المال الذي يأتي بالحرام، يذهب بالحرام”.
والنظام الذي قام، برمته، على الحرام إنما يحمل بذرة فنائه بنفسه.
وها هم، أركان النظام، يتصارعون. بالأحرى، يمارسون دورهم الطبيعي، في التكالب. يبيعون ويشترون في أعمال القتل والترويع. وينفقون المال على نهب المال. وليس من الغريب أن يبيعوا كل شيء. بما فيها المناصب الأمنية. وكل واحد منهم يحمل آلة تزويره معه حتى ولو تأبط بالمليارات.
وبما أن المسألة مسألة “تقاسم حصص” من فوق، فانها مسألة “تقاسم حصص” من تحت أيضا.
هذا هو المقتل الذي سوف ينتحر به الإحتلال ونظام مطاياه.
كان يمكن للإستعمار أن ينهب. هناك طريقتان: أن تبني نظاما معقولا نسبيا، يستعين بخبرات ويضع ضوابط، فينهب بتأن وهدوء على مدى طويل. أو أن تبني نظاما يقوم على التكالب.
وشكرا للباري عز وجل، إذ جعل أحباءنا الأميركيين يختارون نظاما لا تجرؤ حتى الكلاب على القبول به.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد