إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هجوم السلام السوري..التوقيت والهدف

هجوم السلام السوري..التوقيت والهدف

بقلم: زياد ابوشاويش

لم يتردد الرئيس السوري بشار الأسد في القول أن بلاده على المستوى القيادي والشعبي ترغب في استئناف مفاوضات السلام غير المباشرة مع إسرائيل وأن تركيا لا زالت وسيطاً مقبولاً ونزيهاً يجب أن تدعمه أوروبا للعب الدور الذي بدأه وتوقف نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

جاء ذلك في كلمته الهامة التي ألقاها على هامش زيارته لكرواتيا وأوضح فيها أن الشريك الإسرائيلي غير متوفر حتى الآن، فما الذي دفع الرئيس الأسد لقول ذلك رغم معرفته المسبقة أن خيار سورية للسلام ليس متوفراً لدى العدو الذي يحتل الجولان وفلسطين وتحكمه اليوم حكومة عنصرية متطرفة ترى في سورية عدوها اللدود وتحرض عليها ليل نهار؟ والسؤال يقود للتدقيق في توقيت الدعوة السورية وعلى أعلى المستويات لمفاوضات سلام لن تكون في مطلق الأحوال أفضل كثيراً من مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني وفي ظل فهم سوري لغياب الدور الأمريكي النزيه والذي بشرنا به السيد باراك أوباما في خطابه الشهير بالقاهرة.

بداية لابد من القول أن سورية ترغب حقاً في السلام إذا كان سيعيد الحقوق العربية كاملة وهذا خيارها الاستراتيجي على قاعدة أن السلام يضع حداً للتمدد الصهيوني في المنطقة ويؤدي في نهاية المطاف لاستقرار يحجم الدور الاسرائيلي وربما يقود في نهاية المطاف في ظل اختلال العامل الديمغرافي لزوال الكيان الصهيوني بتركيبته ومضمونه الحالي. رغم ذلك فإن وجود الدولة العبرية برمته غير مقبول من الشارع السوري، وفي هذا فالأمر عام في الوطن العربي والشارع الاسلامي لكن عناد الواقع يقود أحياناً لخيارات صعبة.

النظرة التحليلية لواقع المنطقة وتجليات التغيير في سياسات بعض دولها النافذة والوضع الدولي المواتي نسبياً رغم العناد الاسرائيلي والتحيز الأمريكي يقدم أحد الأسباب للمبادرة السورية بهجوم السلام الذي انطلق من أحد الدول الأوروبية ليسمعه الجميع وفي الذهن الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الأسد لفرنسا الشهر القادم. وفي العوامل الأخرى سنجد العامل الاسرائيلي المتمثل في انهيار جزء من الصورة الخادعة التي سوقتها الدعاية الصهيونية للدولة “الديمقراطية ” الأميز في المنطقة، وكذلك المعضلة التي وجدت نفسها تتخبط فيها بعد التصويت على تقرير جولدستون مترافقاً مع رفض دولي لمنطق الحكومة الاسرائيلية باستمرار بناء المستوطنات والتعديات التي ترتكبها سلطات الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين في القدس وغيرها من المناطق المحتلة في الضفة الغربية ناهيك عن استمرار حصارها الهمجي لقطاع غزة.

وبمعنى أوضح فقد جاء طرح الدعوة السورية لاستئناف المفاوضات في توقيت هو الأنسب من الزاوية التكتيكية، وقد أحدثت الدعوة الأثر المطلوب على غير صعيد بما فيها الداخل الاسرائيلي حين وجدنا ردود فعل متباينة تجاهها قبولاً ورفضاً وتحذيراً حيث سيكون من الصعب على الحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو رفضها وفي نفس الوقت سيكون من الصعب عليها القبول بها بدون شروط لأن أية مفاوضات للسلام بين إسرائيل وسورية تستهدف حقاً صنع السلام ستعني حكماً عودة الجولان العربي لسورية وانسحاب قوات الاحتلال من مواقعها الحالية في الهضبة وهذه خسارة تعتبرها الحكومة ومن لف لفها من المتطرفين خسارة فادحة وتمس أمن الكيان مباشرة. ليس هذا وحسب بل إن أي سلام ينتج عن مفاوضات غير مباشرة تتطور إلى مباشرة في غضون مدة زمنية محدودة ستعطي نموذجاً لا تريده إسرائيل مع الجانب الفلسطيني الذي سيتحتم على إسرائيل التعامل معه في قضايا شائكة كالقدس والسيادة واللاجئين وغيرها من قضايا الحل الدائم والتي سيكون على إسرائيل التعاطي معها على غير ما جرى في الجولان وغيرها من الأرض العربية المحتلة الأمر غير المقبول من المجتمع الدولي ناهيك عن الفلسطينيين.

الرئيس الأسد اعتمد أيضاً في هجومه السلمي من أرض أوروبية على مساندة صريحة من الدول العربية ذلك أن تجليس العلاقة مع العربية السعودية عزز الغطاء العربي لكل مبادرة سلمية تنطلق من سورية وفي الخلفية مبادرة السلام العربية التي لم تجد صداها حتى اللحظة في الكيان الاسرائيلي، واستطراداً فإن الرئيس الأسد يعلم أن دعوته قد تقابل بالرفض من إسرائيل وفي الأغلب هو يتمنى ذلك لأن الرفض الاسرائيلي سيكون عاملاً جديداً لتضييق الخناق على إسرائيل بعد انكشاف موقفها الرافض للسلام ولاعادة الحقوق لاصحابها بما في ذلك استمرار بنائها للمستوطنات واستمرار استخفافها بقرارات الشرعية الدولية والقانون.

الرئيس الأسد اعتمد كذلك على العامل الأمريكي في مقاربته لهجوم السلام انطلاقاً من أوروبا وفي هذا التوقيت، فبرغم أنه دعى في السابق للمفاوضات إلا أنه كان يقرن ذلك بأن تبدأ من حيث انتهت المفاوضات التي سبقت بما في ذلك ما يطلق عليه وديعة رابين المتمثلة في تعهد إسرائيلي بالانسحاب من الجولان وعودته لسورية كنتيجة نهائية للمفاوضات، هذه الشروط لم يقرنها الرئيس هذه المرة وفي ذهنه الموقف الأمريكي الجديد نسبياً لرئيس الإدارة السيد أوباما ولوضعه أمام خيار المبادرة بطرح مشروع أو موقف جديد من عملية السلام على المسار السوري وهو ما ألزم به نفسه في أكثر من مناسبة وأصبح تجاهله أمراً صعباً ويطعن في مصداقية ونزاهة الرئيس نفسه (الدور الأمريكي مطعون فيه من الأساس). إن حديث الرئيس عن تأييد شعبي لعودة المفاوضات مع إسرائيل يأتي في سياق التكتيك الذي يعتمد على فهم كبير للأطراف الفاعلة في أزمة الشرق الأوسط وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا وفي هذا الوقت بالذات لأنها المرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الصهيوني التي يلجأ فيها رئيس عربي لمثل هذه اللغة والتفاصيل من أجل حشر إسرائيل في الزاوية وإحباط الهجوم المضاد الذي سمعنا بعضه حين اشترط بعض المسؤولين في إسرائيل أن تتخلى سورية عن دعمها لحماس ولحزب الله ولعلاقتها مع ايران.

وأخيراً فالمبادرة تأتي أيضاً في ظل وضع سوري داخلي وخارجي هو الأفضل منذ سنوات طويلة الأمر الذي يكسبها قوة ورصانة يحترمها العالم بأسره وتضع الأمر برمته في إطار صحيح ومفهوم حول رغبة سورية في السلام من منطلق القوة وليس شيئاً آخر.

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد