إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الرجال والمواقف

Mwaqefالدكتور هشام رزوق
هناك سؤال يطرح نفسه من وقت لآخر: من يصنع الآخر؟ الرجال أم المواقف ؟ هناك فريق يقول أن الرجال الأشداء هم القادرون على اتخاذ مواقف جريئة تنسجم مع قناعة ما أو مبدأ أو مصلحة، والمصلحة هنا قد تكون شخصية أو مصلحة بلد أو شعب أو أمة. وفريق آخر يقول إن تراكم المواقف الجريئة تخلق رجلاً يستحق الاحترام ويستحق أن يتحمل مسؤولية ذات صبغة عامة، أي أن يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام على أي مستوى من المستويات.
حسب رأيي، هناك علاقة تفاعلية بين الرجال والمواقف، فليس سوى أصحاب الهمم العالية والإرادة الصلبة والقناعات الراسخة من يستطيع أن يتخذ مواقف تكون على مستوى المسؤولية التي يتحملوها، خاصة إذا كانت تلك المواقف تحمل شيئا من المخاطر ومن التأثير سلبا أو إيجابا على مصالحهم الخاصة أو المصلحة العامة، هنا تظهر معادن الرجال، تظهر إمكانياتهم وقدراتهم على تحمل المسؤولية، وتحمل تبعات تلك المواقف.
وبقدر ما يتخذ شخص ما من مواقف مبدئية،لا يتنازل ولا يضعف، بقدر ما يكبر في عيون أقرانه وأصدقائه وأبناء حيه ورفاقه في أي حزب من الأحزاب التي ينتمي إليها (إن كان منتميا) وأبناء مدينته ثم بلده، حتى يصبح له موقع مؤثر في مجتمعه يؤهله لأن يتحمل مسؤوليات كبيرة وهامة، هذا إن كانت الأمور تجري بشكل طبيعي وسليم في أي مجتمع من المجتمعات.
هناك رجال تتناقل الأجيال أخبارهم وذكراهم جيلا بعد جيل لأنهم ساهموا في صنع التاريخ أو في صنع الحضارة الإنسانية, تذكر كل منهم بما قدم لشعبه أو لأمته أو للإنسانية جمعاء من أفكار أو قيم أو إنجازات علمية أو عملية.
صحيح أن أولئك العظام قد ظهروا في فترات متباينة من التاريخ البشري وضمن ظروف مختلفة من مرحلة تاريخية إلى أخرى، لكن كل مرحلة كان لها رجالها ومفكروها وقادتها ممن خلدوا ذكراهم بما قدموه من مثل عليا ومواقف وأفعال بقيت خالدة على مر السنين.
 
نحن العرب، كباقي الأمم، لا نشذ عن القاعدة، إذ أن لنا إرثا حضاريا عظيما ولنا رجالاتنا الذين نعتز بهم وندرس أفكارهم ومواقفهم وتذكرهم كتب التاريخ التي ندرسها لأبنائنا حتى تبقى سيرهم خالدة وتشكل مصدر إلهام للحاضر والمستقبل، وقد يكون من الصعب جدا في هذا المقال أن نذكر كل الشخصيات العظيمة التي تحتفظ بها ذاكرتنا وننقلها لأبنائنا وأحفادنا.
 
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لشخصياتنا التاريخية، فإن تاريخنا القريب يحمل لنا أيضا قائمة طويلة من أسماء الرجال الذين تركوا بصماتهم على مسيرة وصيرورة هذه الأمة وخاصة في مرحلة النضال من أجل الاستقلال لمعظم الأقطار العربية.
إلا أنه ومنذ نيل الاستقلال، بدا وكأن هناك عقما عربيا في ولادة الرجال بالوصف الذي ذكرناه آنفا، وتلك قضية تثير الفضول والاستغراب.
 وحتى لا نبقى في العموميات، فإننا قلبنا النظر طويلا بأحوال هذه الأمة وبالقادة الذين يحكمونها وبالوضعية السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي آلت إليها الأمور، فلم نجد إلا القليل مما يمكن أن نفتخر به أو نسحله في أي كتاب نتركه للجيل القادم.
إنه لشيء مخجل حقا ألا يكون هناك لنا من الشخصيات السياسية التي استلمت زمام الأمور في البلدان العربية بعد الاستقلال أكثر من عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة يمكن أن تذكرهم الأجيال القادمة كقادة وطنيين تميزوا بشجاعتهم وإخلاصهم لشعبهم ولبلدهم ولأمتهم،
ووقفوا موقفا رجوليا في وجه القوى الاستعمارية، قوى الطغيان والتكبر، وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الإخلاص لمبادئهم وعدم التنازل عنها.
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تحديدا( حتى لا نذهب بعيدا ) والأمة العربية تشهد على أيدي الحكام العرب التمزق والتشرذم والضعف واستلاب الإرادة ونهب للثروات الوطنية والقومية، كما شهدت مختلف الأقطار العربية تحللا اجتماعيا مرفوقا بانحلال أخلاقي وتفكك في بنية الأسرة والمجتمع مع انهيار في المستوى الثقافي والعلمي بكل أشكاله وصوره إضافة إلى هروب جماعي لكل الخبرات والطاقات والكفاءات.
ضاعت فلسطين وسقطت أول وحدة عربية بين مصر وسورية، خسر العرب كل حروبهم أمام الكيان الصهيوني واحتلت أراضي أكثر من دولة عربية، احتلت العراق ومزقت شر ممزق، نخرت الحروب الطائفية أو القبلية أو العرقية جسد أغلب الأقطار العربية، وأتى الفقر والحرمان والأمية والمرض على الغالبية الساحقة من شعوبها، كل ذلك وكأن الحكام والمسؤولين العرب في غيبوبة كاملة عن قضايا بلدانهم وشعوبهم أو قضايا أمتهم، فلا حياة لمن تنادي، حكام يمارسون حياتهم اليومية وهمهم الأول والأخير هو المحافظة على كرسي الحكم بشتى الوسائل والأساليب وأولها القمع لكل صوت معارض، وممارسة سياسة التفقير والتجويع وتشجيع الانتهازية والمحسوبية، حكام لهم خبرات عالية في كيفية سرقة أموال الشعب وتهريبها إلى البنوك الأجنبية واستثمارها هناك.
حكام يستأسدون على أبناء جلدتهم، تراهم رجالا أشداء حين يرتبط الموضوع بقمع أبناء شعبهم إن ظهرت بوادر احتجاج أو مطالب مشروعة في العيش الكريم وفي الممارسة السياسية.
حكام يستأسدون على أقرانهم من الحكام العرب أو من الشعوب العربية المجاورة لهم أو البعيدة عن بلدهم، تظهر رجولتهم في الإسراع إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض الحصار على أي بلد عربي يرون في مواقفه إساءة شخصية للرئيس أو لابنه أو لعائلته من قريب أو بعيد، يرغي الحكام ويزبدون إن حاول أي عربي أن يشكو من سوء معاملة أو من طرد تعسفي أو من مطالبة بحق له في أي بلد عربي آخر. هنا تستعرض الجيوش وتظهر الطائرات الحربية في السماء والدبابات والصواريخ على الأرض وتبدأ الإذاعات ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالقيام بدورها “الوطني والقومي” بأن تنشر الاتهامات على عواهنها وتشن حملة شعواء على البلد المعني بالأمر شعبا وحكومة وحاكما ومن ثم تدق طبول الحرب وتتحرك الجيوش ثأرا لكرامة هذا الحاكم أو ذاك.
وبالمقابل، يحار المرء في سر قدرة أولئك الحكام العجيبة على تحمل الذل والإهانة والخضوع أمام القوى الاستعمارية وخصوصا الولايات المتحدة وإسرائيل.
تدنس مقدسات، تنتهك حرمات، تخترق أجواء وحدود، تقصف مواقع هنا وهناك، يتم اغتيال شخصية هنا واختطاف شخصية أخرى هناك، ينتشر الجواسيس والعملاء تحت مسميات لا حصر لها، يتصرف السفراء وكأنهم قناصلة عامين لقوى مستعمرة، تعيث القوى الصهيونية في أرض فلسطين فسادا، قتل واعتقال وحائط وحواجز وحصار خانق، يتم تهويد القدس وطرد أهلها، يدنس المسجد الأقصى المبارك، كل هذا والحكام ينامون نوم أهل الكهف، يصمتون صمت القبور، فلا احتجاج ولا غضب ولا جيوش ولا طائرات ولا دبابات، إنما خضوع واستكانة وابتلاع للذل، وقد يقومون بهذا عن طيبة خاطر.
منذ عقود عديدة ونحن ننتظر أن يقف أي حاكم عربي موقفا رجوليا، يغضب فيه لبلده ولشعبه ولأمته، فلم نر سوى بعض المواقف القليلة التي تستحق منا أن نقف عندها ونسجلها بكل فخر (الشهيد صدام حسين مثالا).
 
يقولون أن الحروب هي التي تصنع المواقف والرجال فمنذ،عهد الفراعنة مرورا بألكسندر الكبير ثم الرومان ومن بعد إلى الحقبة الإسلامية وحتى الحرب العالمية الثانية، كانت أسماء القادة الكبار تلمع في وقت الحروب حيث يذكر الرجال بما أنجزوه من انتصارات على الأرض وما أظهروه من شجاعة وحنكة عسكرية وسياسية في المعارك التي خاضوها، فأين قادتنا و حكامنا من هذا كله؟ أين هي المعارك وأين هي الانتصارات؟
قد يقول قائل أن زمن الحروب على الطريقة القديمة قد ولى وأن الحروب تخاض الآن عن بعد وبوسائل علمية وتكنولوجيا متقدمة، وأن الفرد القائد لم يعد هو الأساس بل مجموعة من الفنيين والعلماء العسكريين، وهذا صحيح.
 وقد يضيف آخر أن الانجازات الاقتصادية والسياسية ونشر الديمقراطية وتحقيق الرفاهية للشعب،  هي من يعطي للقادة سمعتهم الطيبة، وقد يكون هذا صحيحا أيضا، ولكن أين نحن من كل هذا؟
 
ماذا فعلنا بكل الأسلحة الحديثة التي اشتراها حكامنا بملايير الدولارات؟ هل تم تحرير شبر واحد من الأراضي المحتلة بها؟ وهل حققت لمن اشتراها الأمن والمنعة والعزة والاعتماد على النفس بلا طلب الحماية من الأجنبي؟
ثم أين الانجازات الاقتصادية رغم ملايير النفط والغاز والمعادن وغيره؟ هل تحققت الرفاهية لأبناء الشعب العربي؟ هل تم القضاء على الأمية والفقر والبطالة والمرض؟ فبماذا يمكن للحكام أن يفتخروا؟ وبماذا ستذكرهم الأجيال القادمة؟
إن ما حدث ويحدث على أيدي حكامنا كان من المفروض أن يؤدي إلى وقوع أكثر من ثورة شعبية في أكثر من بلد عربي، ثورة تقتلع تلك الأنظمة وأجهزتها من الجذور وتضع على رأس السلطة أناسا أكثر إخلاصا وأكثر رجولة وأكثر التصاقا بقضايا شعوبهم وأمتهم، والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو عن قدرة شعوبنا على تحمل القهر والظلم، وهي التي قدمت الغالي والنفيس في معارك التحرر من الاستعمار، قدمت القوافل من الشهداء وواجهت المعتدين بالصدور العارية لكن المليئة بالإيمان بالنصر، ولم تهدا حتى طردت المحتل الأجنبي وحققت الاستقلال، فأين هي تلك الشعوب؟ أهي أيضا مستسلمة لواقعها وكأنه قدر لا يمكن تجنبه؟ أم هو الإفلاس السياسي للأحزاب السياسية؟ أهو القمع والإرهاب؟ أم البحث عن لقمة العيش؟ أم هذا كله دفعة واحدة؟
 
لقد رأينا شعوبا من دول إفريقية وآسيوية فقيرة وجائعة ومظلومة تحركت ضد الأنظمة الديكتاتورية التي تحكمها، نزلت إلى الشوارع بأعداد هائلة واستطاعت بقليل من التضحيات أن تسقط تلك الأنظمة وتضع حدا للظلم وللقهر وتفرض نمطا جديدا من الحكم، فماذا أصاب شعوبنا؟ لماذا لم نر ولو مظاهرة واحدة بآلاف الناس تنزل إلى الشوارع مطالبة بتغيير أوضاعها السياسية والاقتصادية؟
صحيح أننا شهدنا في بعض الأقطار العربية مظاهرات عديدة وبمئات الآلاف من المتظاهرين انتصارا لفلسطين، للقدس، للعراق، للسودان، ضد أمريكا وضد إسرائيل، إلا أن أي مظاهرة (إلا ما ندر) لم تتحرك في بلدها ضد نظامها، وتلك مفارقة تثير الاستغراب رغم كل ما يمكن ذكره من مبررات قد تكون مفهومة ومنطقية.
أخشى أن تكون صفحات سوداء تلك التي سيكتبها التاريخ عن هذه المرحلة، صفحات مليئة بمواقف الخنوع والذل والتخاذل، بضياع الحقوق، بالهزائم، صفحات مليئة بالمآسي، بالألم، حيث القهر والظلم وخنق الحريات، وهذا أمر لا يشرف أحدا منا لا حكاما ولا محكومين.
بقي أن نعزي النفس بالقول بأن الشعوب لا تموت وأن هذه الحقبة السوداء من تاريخنا ستنتهي حتما، وتلك سنة الحياة، فدوام الحال من المحال.
الدكتور هشام رزوق
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد