إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

توماس فريدمان: الانسحاب من العراق.. إنجاز وحيد بتكلفة باهظة

Tomas(1)كتب توماس فريدمان مقالاً نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «أعين على الجائزة»، استهله بخبر خيالي لعام 2012، تخيل فيه احتفال الرئيس أوباما بتمام انسحاب القوات الأميركية من العراق، وأنه الانجاز الوحيد الذي استطاع تحقيقه في الشرق الأوسط-بالرغم من تكلفته الباهظة – بينما تعطلت جهود السلام الفلسطينية – الاسرائيلية وتعقدت الحرب في أفغانستان. ثم يطرح الكاتب السؤال: هل من الممكن أن يقرأ الأميركيون مثل هذا الخبر بعد ثلاثة أعوام من الآن؟ ويجيب الكاتب بأنه لا يراهن على حدوث ذلك ولا يستبعده أيضاً. اذ أنه بعد ست سنوات من الغزو الأميركي للعراق، لا يزال العراق مثيراً للأعصاب. فمراقبة السياسة العراقية تشبه مراقبة بهلوان يسير على حبل مشدود ليعبر مغارة خطرة. اذ يبدو وكأنه سيسقط في الهاوية مع كل خطوة، ورغم ذلك – وبشكل ما – يواصل التقدم الى الأمام. ويوضح الكاتب أن تحويل دولة تعرضت للقمع طيلة ثلاثة عقود من الحكم الديكتاتوري ليس عملية سهلة. انه خطوة واحدة وانتخابات واحدة وقانون واحد في كل مرة، وكل منها حاسم ويحتاج الى جهاد من أجل تحقيقه. ويقول الكاتب ان الخطوة التالية لا تقل أهمية، ولهذا لا يمكن ترك أفغانستان لتشتت انتباه الدبلوماسيين الأميركيين بعيداً عن العراق. ولنتذكر أن تحويل العراق سيؤثر على العالم العربي والاسلامي بأسره، بينما تغيير أفغانستان لن يؤثر سوى عليها. ويرى الكاتب أن فريق الرئيس أوباما بحاجة الى التأكد من أن ساسة العراق المتشاكسين لن يؤجلوا الانتخابات القادمة عن موعدها في 16 يناير القادم، ولن يقيموا الانتخابات على أساس نظام «القائمة المغلقة» الذي كان متبعاً عام 2005، والذي يسيطر فيه رؤساء الأحزاب على نتيجة الانتخابات. اذ يجب أن يُصر فريق أوباما على انتخابات بنظام «القائمة المفتوحة»، والتي تتيح الفرصة للوجوه الجديدة وتسمح للعراقيين بالتصويت لمرشحين محددين، وليس لحزب بعينه. ويضيف الكاتب أن المرشد الأعلى لشيعة العراق أية الله علي السيستاني يطالب بالانتخابات المفتوحة أيضاً لأنها أكثر مصداقية. ويوضح الكاتب أنه اذا تم العمل بنظام القائمة المفتوحة في الانتخابات، فستكون الخطوة الهامة التالية هي ظهور الأحزاب العراقية المشاركة في هذه الانتخابات بتحالفات غير عرقية تضم السنة والشيعة والأكراد. وهذا سيكون مهماً لأن العراق نموذج مصغر من الشرق الأوسط، واذا استطاعت طوائف العراق معرفة كيف تحكم نفسها- دون ديكتاتور ذي قبضة حديدية- فستصبح الديمقراطية ممكنة في المنطقة بأسرها.
أما ما يثير الأعصاب-في رأي الكاتب- فهو أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، والذي ظهر مع حزب الدعوة الشيعي، قرر أن يخوض الانتخابات هذه المرة مع ما أسماه «تحالف دولة القانون»، وهو تحالف وطني من 40 حزباً سياسياً بينهم زعماء قبائل سنية وغيرهم من الأقليات. ويوضح الكاتب أنه حينما سأل المالكي عن تحالفه الجديد-أثناء زيارته الأخيرة الى الولايات المتحدة- أجابه رئيس الوزراء العراقي قائلاً انه «لا يمكن أن يحكم العراق لون أو دين أو طائفة واحدة. لقد رأينا بوضوح أن الطائفية والتجمعات العرقية هددت وحدتنا الوطنية.ولهذا أعتقد أنه ينبغي حشد هذه الطوائف المختلفة معاً لاعادة تشكيل العراق كدولة قائمة على حكم القانون والمساواة والمواطنة. فقد شجعنا الشعب العراقي، وهذا ما يريده. كما تنظم الأحزاب الأخرى نفسها بهذه الطريقة، ولم يعد باستطاعة أحد أن يخوض الانتخابات ككتلة طائفية محضة. فتجربتنا فريدة من نوعها في المنطقة». ويضيف الكاتب أن هذا صحيح، اذ يرغب الايرانيون في سيطرة أحزاب شيعية موالية لطهران على مقاليد السلطة في العراق. كما يكره النظام الايراني الديكتاتوري فكرة أن يقيم العراق انتخابات حقيقية، بينما تقنن ايران نفسها التصويت وتحصره بين مجموعة مرشحين تم اختيارهم سلفاً ثم تزور النتيجة. في الوقت نفسه يخشى أغلب القادة العرب تأصل ديمقراطية متعددة الطوائف في دولة مجاورة. ويؤكد الكاتب ذلك بقول المالكي «أخطر ما يهدد الآخرين هو نجاحنا في بناء دولة ديمقراطية في العراق…اذ ستشعر النظم القائمة على حزب أو طائفة واحدة بالخطر…لقد حكم صدام لأكثر من 35 عاماً، ونحن بحاجة الى تنشئة جيل أو جيلين على الديمقراطية وحقوق الانسان للتخلص من التوجهات القديمة»، وهي المهمة التي يدرك المالكي أنها لن تكون سهلة. ثم يختتم الكاتب المقال بقوله انه اذا أُقيمت الانتخابات، فستُعقد أثناء وجود القوات الأميركية. ولكن الجائزة والاختبار الحقيقيين سيكونان بعد أربع سنوات من الآن، وذلك اذا استطاع العراق اقامة انتخابات تتنافس فيها التحالفات متعددة الطوائف – القائمة على أفكار مختلفة في الحكم وليس العرق – على السلطة، وتنتقل فيه مقاليدها من حكومة الى أخرى دون تدخل القوات الاميركية، وهذا هو ما سيحرك منطقة الشرق الأوسط بأسرها. وحتى مع الاهتمام بأفغانستان، لا ينبغي نسيان النظام السياسي العراقي الضعيف ومساعدته على الازدهار.
 
المصدر: الوطن القطرية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد