إيران فوبيا

0

بقلم: محمد رياض

 

مبعث الكلام هو ظاهرة إيران فوبيا. فإيران ليست صديقة العرب الوفية وحليفتهم المخلصة والتي تساند المظلومين في العالم لوجه الله وفداءَ لدم الحسين كما يحلو للبعض أن يتصور، وهي ليست كذلك عدو العرب الأكبر والأخطر والأكثر شراَ والتي تسعى لإحياء إمبراطورية كورش على حساب دماء أطفال غزة ولبنان وتهدف للتمدد في المنطقة العربية عبر تفتيتها وتجزئتها وتقسيمها وإيقاظ الفتن المذهبية النائمة في أحشاء الكتب منذ مئات السنين.

كلا المنطقين يخدم أجندة خاصة مشبوهة. فالاول يريد تخدير الشارع العربي وإشغاله عن التحرك الإيراني في الإقليم لمصلحة الأجندة الإيرانية وإن لبس أدعياؤه عباءات التقوى والصلاح والورع. والثاني أخطر من الأول لأنه ببساطة يخدم أجندة صهيونية أميركية علموية وإن تستر أدعياؤه داخل عباءات الطهر الثوري والمصلحة الوطنية أو لو رفعوا لواء القومية العربية.

فالطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة والمشاعر الصادقة، والقراّن الكريم يصف الأخسرين أعمالا بأنهم الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاَ.

والإعلام العربي وخصوصاَ الخليجي الرائحة منه، يزخر بـأمثلة كثيرة على ظاهرة الفوبيا الإيرانية المستشرية في مجتمعنا، حيث أن بصرك لا يكاد يقع ولو عن طريق الخطأ على نشرة أخبار او برنامج حواري ما، إلا وتسمع عن الخلايا الإيرانية النائمة في دول الخليج أو عن التخطيط الإيراني لإفساد موسم الحج هذا العام وتدمير مكة أو السعي الإيراني لتشييع مصر ودول المغرب العربي أو عن المخطط الإيراني لتقسيم المنطقة العربية، الخ.

المشكلة أننا نتفق مع هذا الطرح ونختلف معه في أن واحد، فإنه من شبه المؤكد وجود خلايا نائمة وأخرى ناشطة إيرانية وروسية وصينية وفرنسية وبريطانية وإسرائيلية في الخليج فكل دولة قوية ذات مصالح أو مطامع في أي إقليم في هذا العالم تسعى لتكوين وجود إستخباراتي أو لوجستي لها هناك، وإيران في ذلك ليست بدعاَ من الدول، فلماذا التهويل من الخطر الإيراني في الخليج ودفن الرأس في التراب عندما يأتي الحديث عن ذكر غيره.

وأما الحج فأنا أشهد أن السلطات السعودية الدينية في مكة والمدينة تضايق الحجيج الشيعة عموماَ ومنهم الإيرانيون لا لشيء إلا لمعتقدهم وطريقة ممارستهم لشعائرهم. وليس هناك دولة في العالم تحترم نفسها وتسكت عن إهانة مواطنيها في الخارج، ولكن إعلامنا الممول التابع لدول لا تحترم نفسها ولا مواطنيها لا في الداخل ولا في الخارج لم يستوعب لماذا يحتج قائد وطني (مخلص لشعبه على الأقل) كنجاد بشدة لدى الدولة المضيفة لحجيجه على معاملتها المهينة لهم. ثم يطلق هذا الإعلام لأبواقه عنان التخيلات والشطح بها بعيداَ عن دائرة المنطق والمعقول والمحسوس!..فلا بد أن يكون وراء تصريحات نجاد أبعاد سياسية شيطانية كإحتلال مكة وتدمير الكعبة مثلاَ! فيا أمة ضحكت من جهلها الأمم! لماذا الانشغال بمزاعم وجود مؤامرة صهيونية لهدم الأقصى؟ الأجدر بنا طبعاَ أن نمعن النظر في أمر نجاد ومؤامرة الحجيج الإيراني لهدم الكعبة وتعكير صفو الأمنيين في اهم حرمين في الإسلام (هل إنتبهتم للتوقيت؟)

ثم نأتي على مؤامرات التجزئة والتقسيم في الوطن العربي وهذه لا أبريء إيران منها بالمطلق، على أن شكل المؤامرة وأهدافها ليست بالضبط كما يحلوا للبتروليين أن يصوروها، فإيران من وجهة نظري المتواضعة تسعى لإيجاد نفوذ لها في دول المنطقة عبر عملائها أو حلفائها، والورقة الطائفية موجودة على الطاولة طبعاَ وهناك أوراق أخرى مطروحة كذلك. وهذا هو نفس النوع من النفوذ الذي تسعى دول عديدة للحصول عليه في الإقليم وعبر إتباع وسائل وآليات متشابهة.

ما الذي منع أو إيران مثلاَ من تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية حين وافق ذلك الهوى الأميركي في عهد المعتوه بوش وحين صوت الكونغرس على قرار التقسيم وحين رقص الأكراد له طرباَ واعتقدوا ان حلمهم التاريخي في الاستقلال قد بات قاب قوسين أو أدنى، وحين كان لجماعة إيران والأكراد أكثر من ثلثي البرلمان!

ولماذا تقلص العنف الطائفي في العراق بنسبة 80% حين أنحسر نفوذ القاعدة بنسبة 80%؟

وما الذي منع نصرالله حليفهم في لبنان من السيطرة على مجمل لبنان بالقوة وقد قدر على ذلك حين بسطت قواته سيطرتها الفعلية هناك وما الذي منعه في السابق ويمنعه الان من إشعال فتيل حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أو ما الذي يمنعه حتى من إعلان الإنفصال اليوم أو غدا بإمارة جنوب لبنان كما انفصلت القاعدة بإمارة الأنبار عند أول فرصة أتيحت لها لو كانت الأمور تسير وفق منطق كتاب المارينز ومن سار على سنتهم ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعاَ!

ونعود لموضوع نشر التشيع في البلاد العربية، وكأن التشيع لم يخرج في الأصل من بلاد العرب باتجاه إيران وليس العكس! أولا تحرص كل مؤسسة دينية على الكرة الأرضية على نشر مذهبها ومعتقدها في محيطها الإقليمي؟ أولا تعمل الكنيستان الكاثوليكية الفرنسية والأورثودكسية اليونانية منذ قرون على إرسال بعثات المبشرين وإنشاء المدارس والمراكز الثقافية في بلادنا بهدف نشر معتقداتهم الدينية وثقافتهم؟ أوليس العمل على تعميم الفكر الديني في المحيط الجغرافي من أبجديات عمل كل مؤسسة دينية في أي مكان في العالم وعبر التاريخ.

وفي الختام أذكر بالمقدمة فلا يجب ان نستهين، لا بالأطماع الإيرانية في الإقليم ولا بالأطماع الأميركية والصينية والتركية والفرنسية والبريطانية أيضاَ، ولا بحقيقة أن الأفاعي خطرة بشكل عام، ولكنا نحذر من غباء إستراتيجية التركيز المهووس على لاعب واحد في فريق الخصم وترك العشرة الباقين ليسددوا بحرية تامة عدداَ لا متناهياَ من الأهداف في مرمى طموحاتنا القومية…هنا نقع فريسة الفوبيا والهوس الزائد بخطر الأفاعي

الفوبيا مرض نفسي يعبر عن نزعة لتضخيم الواقع ومن أعراضه الخوف والهلع والذعر غير المبرر أو المبالغ فيه بدرجة كبيرة جداً.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.