إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحقيقة في الشرق الأوسط مدفونة تحت العناوين

Fisk(3)روبرت فيسك – ترجمة: منار فياض
أميرة هاس كانت محقة تماماً عندما قالت مؤخراً إن جائزتها مدى الحياة للنساء كانت جائزة للفشل.
مراسلة صحيفة هآرتس الإسرائيلية في الضفة الغربية صرحت ببلاغة لقناة الجزيرة الإنكليزية.
هي حصلت على جائزة للفشل، قالت، لأنه برغم أنها هي وزملائها قد وصفوا كل شيء حول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لا زال العالم لم يفهم ما عناه الاحتلال ولا زال يستخدم كلمات مثل “الإرهاب” و “الحرب على الإرهاب”. أميرة كانت محقة تماماً. معظم صحافتنا الغربية عديمة الجرأة كما كانوا دائماً عندما عليهم الاشتراك بما وصفه نعوم تشومسكي “صناعة القبول”.
مدى ما الحكومة والمحررين والتلفاز قرروا القصة، يمكنك التأكد أن “جداراً” إسرائيلياً يصبح “حاجراً أمنياً” أو “سياجاً”، دكتاتور عربي متحالف مع الغرب “رجل قوي” والمناطق الإسرائيلية “المحتلة” تصبح ” متنازع عليها”. الذي عُومل بظلم يصبح بشكل عام عنيف، الوحشية تخفف والاحتلال يشرع.
فريد هوليداي من بورصة لندن سيصدر كتاباً في حزيران القادم اسمه ” مصعوق وهائب من المدفعية والألغام التي تستخدم في معركة اللغة”. “الحرب على الإرهاب” ـ نعم، فلنعط هذا الهراء الأحرف الكبيرة التي تحتاجها، كما هو الحال في “فقاعة بحر الجنوب” ـ قدمت لنا “غوانتامو” و “التسليم الاستثنائي” (“استثنائي” بالفعل!) والمستورد، كما يلاحظ هوليداي، انحرافات الكلمات المستوردة كالـ “جهاد”.
لكني أعتقد أن المشكلة تمتد إلى أبعد من هذا. إنها ليست فقط معقد (البيت الأبيض – البنتاغون – CNN– داونينغ ستريت- وزارة الدفاع – BBC) العسكري والسياسي والصحافي.
سادتنا لا يريدون لنا أن نتصادم مع الأشرار أو مع الأخيار. منذ سنوات مضت، مراسل لمجلة التايم في القاهرة حمل دفتر ملاحظاته الذي وضع فيه ملاحظاته عن تعذيب البوليس المصري الروتيني للسجناء. لكن السفير الأميركي استطاع إقناع رئيس مكتبه بأن يتمهل لأنه علم أنه مبارك “سيتدمر” من مثل هذه “التجاوزات”. هو هو! التايم لم تنشر القصة و، بالطبع، “التجاوزات” أصبحت أسوأ. بعد ذلك بوقت قصير، حراس السجن أصبحوا يجبرون السجناء على اغتصاب بعضهم بعض.
وشيئاً لم يتغير. وكالات الإعلام الغربية الكبيرة التي مكاتبها الشرق أوسطية في القاهرة مستنكفة عن لمس هذه القضايا اليوم كما كانت منذ أكثر من عقد مضى. الحال نفسه مع الحليفة الإسلامية الأخرى لنا، تركيا. لكن فلنبدأ مع القاهرة. عندما كانت “عملية السلام” – أتذكر هذه العبارة المبتذلة؟ – على وشك أن تثمر منذ خمسة عشر سنة مضت، ضخت الوكالات الكبرى الملايين في إقامة مكاتب جديدة وإمدادها بالموظفين في عاصمة مبارك المشعة بالديموقراطية. وماذا حدث؟ كالعادة، وكالات الأمن والمخابرات وضعت مخبريها داخل هذه المكاتب – أو ابتزت المراسلين المصريين – للتجسس على صحافة تلك المكاتب. كل رؤساء المكاتب في القاهرة يعلمون الجواسيس بينهم. لكن، بالطبع، لا يستطيعون صرفهم. ولا يستطيعون إيصال الأخبار التي يفترض بوكالاتها “الإخبارية” إيصالها لنا. التلميح البسيط للحركات المضادة لمبارك – إهمال هذه التغطية الشجاعة للتصرف المشين من قبل الشرطة في مهاجمة وضرب المتظاهرين النساء كما الرجال خلال تظاهرات “حركة كفاية” المعارضة لمبارك – ووزارة الإعلام ستستدعي مدير المكتب للحديث. حتى إنكار مصري رسمي لن يكون كافياً. سيكون هناك عواقب خطيرة إن كان هناك رد. إغلاق المكتب، ربما، سيكون إضاعة لكل الملايين التي صرفت في إقامة المكتب في الأصل؟
لهذا كل التغطية الإعلامية في القاهرة تقريباً حول وحشية الشرطة تكون فقط تقارير صادرة من لندن عن احتجاجات الأمنستي أو الهيومان رايتش ووتش، تتبعها الإدانة المصرية الضرورية من قبل مجموعات حقوق الإنسان. بكلمات أخرى، الاستثمار في المكاتب الغربية الإخبارية أصبح أهم من الأخبار ذاتها التي أقيم الاستثمار أساساً لأجلها!!
لكن فلننتقل إلى الدولة القديمة المفضلة لدي، تركيا.
الآن كلنا نعلم أن الإبادة الجماعية للأرمن في 1915 هي حقيقة تاريخية، أولئك المليون ونصف رجل، امرأة وطفل أرمن اغتصبوا، شوهوا بالسكاكين، احرقوا وأطلق النار عليهم من قبل الترك العثمان. لكني كنت قد ذكرت بالعمق التاريخي لهذه المجزرة الأولى في القرن الماضي عندما صديقة لي، كاثرين شيريدان، أعطتني كتاباً بغلاف جلدي من مكتبة المرحوم زوجها دون. اسمه سوريا، الأرض المقدسة وآسيا الصغرى بيد جون كارني “ESQ“، طباعة دار فيشر، وابنه في شارع نيوغايت في لندن 1836. وماذا رأى مستر كارني في إنطاكية؟
“بين الذين وحشية الثورة اليونانية سيدة أرمينية من القسطنطينية، أرملة شابة وجميلة، زوجها كان قد قتل منذ فترة قريبة…
الكآبة والحزن كانا مختومين على ملامحها الشاحبة… المصيبة كانت مفاجئة جداً وقاسية: منزلها، زوجها، حبها، كل ما نبض له قلبها باستمرار، أخذ بوحشية…” زوجها، بالطبع كان ضحية حرب الاستقلال اليونانية ضد الترك العثمانيين – نفس الحرب التي مات بها اللورد بايرون في ميسولونغي عام 1823. إذاً الأرمن كانوا يقتلون قبل قرن تقريباً من مذبحتهم: وحقاً كانوا يقتلون بعشرات الآلاف حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثانية قبل المذبحة.
إذاً كيف يشير مدافعونا عن الصحافة الغربية إلى مذبحة الأرمن؟ ها هي الرويترز في 13\ أوكتوبر من هذه السنة، مشيرة إلى ” العدائية الناجمة عن القتل العشوائي في الحرب العالمية الأولى للأرمن من قبل الترك العثمانيين. أرمينيا تقول أنها مذبحة، وهو تعبير ترفضه تركيا. وها هي وكالة الأسوشياتيد بريس اليوم التالي: “أرمينيا والكثير من المؤرخين يقولون أن الترك العثمان قاموا بمذابح ضد الأرمن في بداية القرن الماضي، اتهام تنكره تركيا”.
هل يمكنك تخيل الاستهجان الذي سيحدث إذا أشارت الرويترز إلى “القتل العشوائي” لليهود من قبل الألمان باستخدام الكلمات: “اليهود يقولون أنها مذبحة، تعبير لا يقبله اليمينيين والنازيين الجدد الألمان.” أو إذا أتى تقرير لوكالة “AP” هكذا ” اسرائيل والعديد من المؤرخين يقولون أن ألمانيا النازية قامت بمذابح ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية، وهي تهمة (كذا) اليمينيين الألمان، إلخ، يرفضها”. ستكون إهانة. لكن لا أحد، بالطبع، سيقوم بإغلاق مكتب الرويترز أو الـ”AP” في برلين. في مكاتب أنقرة واسطنبول، على أي حال، من الواضح أنها مسألة أخرى. حسناً، أعتقد أن هؤلاء الموظفين يمكن لهم دائماً أن يطلبوا الانتقال إلى مكاتب القاهرة – حيث يمكنهم الانغماس في نفس النوع من السفسطة.
لا، تشومسكي كان مخطئاً. الأمر لا يتعلق بالموافقة. إنه حول تصنيع الحرمان الاجتماعي، السياسي والتاريخي. الشعار مألوف وبسيط: دائماً استسلم للمتنمر.        وسطأأأ
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد