بين مطرقة التنحي وسندان المرحلة /شجاع الصفدي

0
المتابع للتاريخ العربي ما بعد سقوط الدولة العثمانية وتقسيم بريطانيا للدول العربية وتفريق الشعوب بخطط استعمارية محبوكة خلقت العداء بين أبناء الأمة الواحدة والدين الواحد ، سيجد أن العرب هم الوحيدون الذين يتمسكون بقادة الهزيمة ، وكلما سقط أحد الرموز التي يصنعونها لأنفسهم باتوا يولولون ويتباكون عليه حتى يكاد المرء يشعر أن هذا الزعيم صنع العزة للأمة كلها وحرر المقدسات وأصبح العالم العربي فجأة قوة عظمى تخشاها دول العالم ! ، ولم يتوقف العرب عند هذا الحد بل طوروا صنع الأصنام حتى باتوا يجعلون من بعض القيادات السياسية أو القامات الدينية أصناما يعبدونها ويعظمونها ويجعلون المساس بها أو الاعتراض على قولها هو أمر موازٍ للكفر ، مما شوّه الفكر العربي وجعل التاريخ المدوّن خلال القرن الماضي أشبه بالمسخ ، والكارثة أنهم كلما سقط أحد هؤلاء الرموز ورحل باتوا ينهشون لحمه في غيابه وضعفه ، حالهم حال قريش في الجاهلية حين كانوا يصنعون الأصنام من التمر ثم يأكلونها حين يجوعون .
ولو ذهبنا في مقارنة بين العرب وبين انجلترا التي صنعت هذا التفكك من جذوره ، لوجدنا أن تشرشل والذي انتصر في حروبه وحقق الكثير لبريطانيا العظمى سقط في أول انتخابات جرت بعد الانتصار ! ، وفي الحين الذي يتشبث العرب بزعمائهم يحبذ البريطانيون أن ينتخبوا دماءً جديدة ويدفعون باتجاه التغيير من الجيد للأفضل، فهناك لا يوجد بشر آلهة ، ولا زعماء مخلّدون إلا بأفعالهم وليس في كرسي الحكم .
أما عند العرب فكلما جاءت نزعة البطولة لأحد الزعماء وفكر أن يستقيل يصر الشعب العربي أن يصنع منه طاغية للأبد .
فنحن من نصنع الطغاة ، نحن من يَأْلَفْ القمع  حتى النخاع ، ونحن من نعرض قفانا للريح الباردة لتصفعنا بقوة .
بعد هزيمة 1967 خرج الشعب المصري بالكامل للشوارع يهتف ويرفض استقالة عبد الناصر رحمه الله ،
كان زعيما يحترم نفسه وتنحى ، شأنه شأن أي زعيم مخلص للوطن عليه أن يتحمل عواقب قيادته حتى وإن لم يكن له يد في أمر الهزيمة ، ولكن الشعب أبى إلا أن يصنع من عبد الناصر زعيما بنكهة أخرى فأفسد كل ما كان واختلف النظام بالكامل خلال ثلاث سنوات تلت الهزيمة ، أسست لمراكز قوى أسوأ وعصابات نظامية أشد وطأة على الشعب ، ظلمت وسلبت ونهبت حتى جاء السادات ليغيّر الوضع القائم ويقلب الطاولة رأساً على عقب ويؤسس لطريقة حكم جديدة في مصر أساسها حكم الفرد ، وهذا ما كان واستمر كنهج بعد اغتياله.
وبعد وفاة عبد الناصر توالدت الأقلام ليكتب بعضها عن بطولته ورمزيته ليصنع منها رمزا يقتدي به الأجيال ، وذلك خشية على الفكر الناصري من التلاشي برحيل القائد ، وبعضها سنّ رماحه ليغرزها في جثة الزعيم ميتاً وجعلوه طاغيةً لم يترك مجالا للإخوان ولا للشيوعيين ولا لغيرهم دورا لخدمة مصر حسب زعمهم !.
كذلك الحال بعد اغتيال السادات ،وجدنا من كان يعظمه يطعن فيه بمجرد الاغتيال ومن كان مع زيارة ” تل أبيب ” بات يعتبرها خيانة ! ، وهنالك من التزم الصمت حتى يستطلع وضع ” الما بعد ” ليبني عليه سياسات قلمه ومدى ولائه ، حتى جاء الزعيم الجديد واختلفت موازين الحكم تدريجيا خاصة بعد إعلان حالة الطوارئ والتي جعلت الكلام له حسابات أخرى في مصر .
ويحضرني  في هذا الصدد مقال لأحد المحللين السياسيين والذي كان يتلقى دعما كبيرا من الزعيم الراحل صدام حسين لحزبه ونشاطاته السياسية وكان يعلن دعمه وتأييده لصدام حسين على الملأ ، وفي يوم الكارثة كنا جميعا نتابع  اللحظة التي كان فيها الاحتلال الأمريكي يسقط تمثال صدام حسين وقناة الجزيرة تعرض المشهد القاسي فوجئت في الصباح التالي بمقال لهذا المحلل السياسي بعنوان ” وسقط الدكتاتور ” ، وبعد أن كنت أؤمن بأن هذا الرجل معتدل وصاحب فكر راقٍ وثوري اقتنعت أن الأمر لا يعدو كونه تجارة ، والتجارة شطارة ! .
وفي الحالة الفلسطينية فكل المعايير تختلف دائما ، ربما لأن الوضع الفلسطيني مختلف عما هو عليه في كافة الدول العربية ، وتنحي الرئيس الفلسطيني في وضع كالذي نحن عليه بلا شك هو كارثة لأن البديل هو حالة ضبابية عارمة ستطغى على الساحة الفلسطينية طويلا ، وبلا شك أن خطوة  الرئيس عباس عدم الترشح للرئاسة مرة ثانية ، في حال نفذها هي خطوة جريئة جدا ستحسب له تاريخيا في قوة اتخاذ القرار ، ورغم ضرورتها لوضع النقاط على الحروف وإسكات الطوفان الذي بدأ بالتهام القضية الفلسطينية ، إلا أنها خطوة خطيرة جدا وعواقبها لن تترك شيئا على حاله ، فغياب أبي مازن عن الساحة الآن معناه أن يترك المجال لعدة احتمالات :
        أن تطرح حماس مرشحا من طرفها للرئاسة وتخوض الانتخابات بقوة بعد الترتيب مع القيادة المصرية وتأجيل الانتخابات إلى شهر يونيو القادم حسب ما تنص عليه الورقة المصرية ، وفي حال فازت حماس فإنها مضطرة للتفاوض مع ” إسرائيل ” حتى وإن خالف ذلك مبادئها لأن معنى عدم التفاوض هو إغراق أكثر من أربعة ملايين فلسطيني فيما لا تحمد عقباه ، وتوقف مسيرتها كحركة تسعى لتثبيت نفسها على الساحة السياسية الدولية وهذا لا يمكن أن يحدث لأن الحركة تبدي تجاوبا في مسألة التفاوض وإن اختلفت المعايير التي تطرحها لكنها مستعدة لهذا التفاوض وهو في النهاية أمر لا مناص عنه سواء قبلت حماس أو رفضت لأنه لا مقاومة دون تفاوض يعززها ، فالسلاح لا يحقق شيئا دون تفاوض لجني إنجازاته ، كما أن التفاوض وحده دون سلاح لن يحقق ثماراً تُجنى ، لذلك ستجد حماس نفسها في معمعمة التفاوض سواء من خلال وسيط كبداية أو مباشرة وصولا لحالة تثبت استقرارها كحزب حاكم ، وكل السيناريوهات مفتوحة بعد ذلك .
        أما الحالة الثانية فهي خروج مرشّح من خارج فتح ليحظى بالرئاسة ، ويكون قرار التخلي عن قطاع غزة بالكامل بالنسبة له أمرا حتميا ، وفي الوقت الذي لم يكن الرئيس عباس  قادرا على اتخاذ قرار كهذا فإن أي شخص من خارج فتح لن يتوانى عن اتخاذه لأن الارتباط مع غزة بالنسبة له إما ارتباط سياسي كامل وإما لا ارتباط على الإطلاق ، ولن يعنيه أبناء فتح في قطاع غزة وظروفهم المعقدة ، مما سيُدخل الكل في دوامة ويجعل حماس في هذه الحالة خارج الإطار الذي انتظرت أن تكون من يشكله وهذا يعيدنا لمربع التفاوض الداخلي من جديد بصورة مختلفة هذه المرة .
        والسيناريو الأبعد هو خروج الأسير مروان البرغوثي من السجن وترشحه للرئاسة مما سيجعل حركة حماس تدعم هذا الترشح ليس لدعم مرشح حركة  فتح وإنما لتلاشي الوقوع في ورطة التفاوض المباشر مع ” إسرائيل ” ، فكون الرئيس من فتح فهذا يضعها كحركة في صدارة التفاوض والتنسيق الإجباري مع الاحتلال ويخلي طرف حماس من أي أعباء سياسية من هذا النوع على الأقل في مرحلة محددة تتوافق مع إستراتيجيتها  .
وإن كنت أستبعد أن يسمح الاحتلال بخروج البرغوثي كونه الرجل الذي يحظى بشعبية كبيرة في صفوف فتح في الضفة الغربية وقطاع غزة وكونه يمكن أن يجبر حماس بدبلوماسيته على اتفاق فلسطيني ينهي الانقسام وهذا آخر ما ترغب فيه ” إسرائيل ” بلا شك ، فالفُرقة القائمة هي خدمة مجانية قدمها الفلسطينيون لدولة الاحتلال ولن تستغني عنها بسهولة .
 
 
وفي كل الأحوال مهما كان السيناريو المحتمل فإن الشعب الفلسطيني وجميع فصائل العمل الوطني يتوجب عليهم أن يتخذوا  قرارا حاسما حول نية الرئيس عباس عدم الترشح  ، فإما أن يتم اتخاذ قرار وطني حازم و موحد يلزم الرئيس بمواصلة المسيرة كواجب وطني ليس من حقه التصرف به بشكل فردي في هذه المرحلة الحساسة  ، وأن يتم التوافق مع حركة حماس على إجراء انتخابات نزيهة تكفل للشعب الفلسطيني أن يختار قيادته ويتحمل وزر اختياره بسلبياته وإيجابياته ، أو يترك المجال للرئيس أن يتنحى بالفعل واحترام قراره ، واختيار شخص يتم التوافق عليه بين جميع أطياف الشعب الفلسطيني دون الوقوع في بئر التجربة اللبنانية والاختلاف على الشخصية المرشحة وما يليها من عراقيل .
ولا بد أن الكل يعي مدى تربص دولة الاحتلال بالحالة الفلسطينية ومدى التشويش الذي تصنعه لأجل إبقاء الانقسام على حاله بل وزيادته ، لذلك فالواجب الوطني يحتّم أن يُتخذ قرارا جريئا  من كافة الأطراف لمجابهة كل الاحتمالات القائمة ، وصد كل المخططات الرامية لتفتيت القضية الفلسطينية حتى لا تتناثر وتصبح غير مرئية للعالم في وضعٍ مزرٍ كهذا الذي نحن عليه .
أما أن نكون من صناع الأصنام والرموز دون أن نفكر في عواقب الأمور فهذا نتيجته الفشل التام للمسيرة الوطنية الفلسطينية التي أفنى الأجيال أعمارهم فيها .
 
 
د.شجاع الصفدي
فلسطين المحتلة
 
 
 
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.