إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

ما فسد قليله فأكثره فاسد

Fayez(6)د. فايز أبو شمالة
كم كان رائعاً السيد عباس، تتبعت ما قاله أمام رجال الأعمال في مقر الرئاسة في رام لله باحترام شديد، وأعجبت بمنطق الرجل، وسلاسة سرده للأحداث، وهو يتحدث عن مرجعية المفاوضات التي حددتها خارطة الطريق، وعن عدم شرعية الاستيطان على أرضنا، وأن الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي كان قريباً جدا، إلى أن جاءت الحكومة الجديدة، وقالت: يجب أن نبدأ من الصفر، فكيف نبدأ من الصفر بعد كل هذه المفاوضات، والأمر المعروف دوليا؛ أن كل حكومة تسلم للحكومة التي تليها، ولا تبدأ من نقطة الصفر.
 
وكم كان صافياً كالثلج، عندما تحدث السيد عباس عن المصالحة الفلسطينية، وشكر مصر التي عملت بجد واجتهاد سنتين ونصف، وبالنهاية أجملت الآراء والمواقف، وقالت: إن لديها ورقة للمصالحة، عرضتها على خالد مشعل ومحمود الزهار، اللذان وافقا عليها، ومن ثم بعثوها لنا يوم 10/10 ، ونحن قبلنا بها، وبعثنا عزام الأحمد ليوقع عليها، ونحن نعرف أن هذه الورقة لا تنصفنا ولكننا نريد التوصل إلى نتيجة. ولكن في اللحظة الأخيرة زار خالد مشعل طهران وتراجع عن الموافقة، ماذا نعمل أكثر من ذلك؟.
 
قلت في نفسي: أعانك الله يا سيد عباس على حركة حماس، وتشددها غير المبرر، ورفضها للمصالحة تجاوباً لتعليمات طهران، ولاسيما أنني مواطن فلسطيني لا يمتلك تفاصيل الحوار، ولا ما دار فيه، ولست طرفاً في الانقسام الدائر بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية كي أنفي عن هذا التهمة، وألصقها بذاك، فواصلت الاستماع للسيد عباس باستمتاعٍ، وهو يشير إلى الدول المانحة التي تبرعت بأكثر من 4 مليار دولار لتعمير غزة، ومضى عام ولم يتم شيء لأن حماس تقول: إما أن يتم التعمير من خلالها أو لا يتم ذلك، واقترحنا أن يتم التعمير عن طريق رجال الأعمال أو المؤسسات الدولية، ولكنهم لم يوافقوا، ليبقى مئة ألف فلسطيني في العراء، فإلى متى، لا نعرف؟
 
        إلى هنا زاد غضبي على حماس، وأشتعل قلبي كراهية لهؤلاء الناس الذين لا يرفضون المصالحة فقط، وإنما يرفضون تعمير غزة إلا من خلالهم! لأواصل الاستماع للسيد عباس بارتياحٍ شديد لهذه المصارحة، حتى وصل إلى تقرير “غولدستون”، وانتبهت وهو يقول: قامت الدنيا ولم تقعد، لأنه تم تأجيل التصويت على التقرير، وسبب التأجيل هو أن الأعضاء طلبوا قراءته لدراسته ليعرفوا على ماذا سيوقعون؟ وأضاف: إن التقرير يدين ضباط إسرائيليين ولكنه يدين بالمقابل حركة حماس، ونحن واجبنا أن ندافع عن حماس لأنها فلسطينية وجزء من شعبنا.
 
        هنا ضاقت عليّ الدنيا؛ كيف ذلك يا سيد عباس؟ ونحن ما زلنا أحياء نتابع باللغتين العربية والعبرية كل حرف يصدر عن وسائل الإعلام، ونلاحق كل سلوك وتصرف وقرار، ولم تمض على محاولة دفن تقرير “غولدستون” حياً من طرفك أكثر من شهر!. فكيف أصدقك في هذه، وأنا شاهد على تفاصيلها؟ وأقسم أنني ذرفت دمعاً في تلك الليلة؛ وأنا استمع باللغة العبرية عن طلب ممثلكم تأجيل عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان؟ 
 
 بعد هذا، ألا يحق لنا يا سيد عباس أن نتشكك في كثير من كلامك عن المصالحة، وعن الوثيقة المصرية، وعن تعمير غزة، وعن مرجعية المفاوضات، وعدم شرعية المستوطنات وفق المقولة الفلسفية: ما فسد قليله فأكثره فاسد؟!.
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد