إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

يعيش في رعب دائم أوصله حدّ التخريف.. كابوس البعث أفقد المالكي صوابه.. بقلم: نبيل أبو جعفر

 al maliki
هل يُعقل أن تكون صحيفة نيويورك تايمز الأميركية متحمسة لحزب البعث وفصائل المقاومة العراقية، حتى تدعو في مقال افتتاحي لها مطلع تموز الماضي الرئيس باراك أوباما ، كي يمارس الضغط على “رئيس وزراء العراق” نوري المالكي، من أجل تطبيق قانون اعادة أعضاء حزب البعث الذين فقدوا وظائفهم نتيجة قرارات الفصل بسبب الغزو أو أية أسباب أخرى في هذا السياق؟
نيويورك تايمز من أكثر الصحف العالمية إطلاعاً على الوضع العراقي وتواصلاً مع مختلف المصادر التي لها علاقة به، وهي تدرك أن البعث، رغم كل معاناته، لم يطلب ولا ينتظر من أحد – ولا سيما الأميركان – أن يضغطوا أو يتدخّلوا مع النظام الذي لا يعترفوا به ويعملوا على اسقاطه علناً، وقد توصّلوا مؤخراً الى تشكيل جبهة تضم 50 فصيلاً مقاوماً مسلحاً على طريق تحقيق هذا الهدف.
والنيويورك تايمز، رغم مهنيتها العالية ، واختيارها الشهيد إبن الشهداء مصطفى قصي صدام حسين كأبرز الاطفال في القرن العشرين، نظراً للشجاعة الفائقة التي أبداها في مقاومة جنود الاحتلال الأميركي، لم تُعرَف بـ”نضالها” مع قضايا التحرر والشعوب، ولم تخُض حرباً ضد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، والتي ما زالت آثارها تكوي المواطن الأميركي نفسه. وليست ثورة رد الفعل العنيف التي صدرت عن الطبيب الأميركي من أصل فلسطيني الميجر جنرال مالك حسن، من جرّاء تورّط الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وهجومه الانفعالي المسلح على العساكر المتواجدين في قاعدة فورت هود بولاية تكساس، وهي أكبر القواعد العسكرية الأميركية التي يعمل هو فيها، إلا أبلغ دليل على عمق إجراميّة هذه الحرب التي دفعت طبيباً نفسياً متخصصاً بمعالجة العائدين من جبهات القتال الى الخروج عن طوره تعبيراً عمّا في داخله من اعتراض.
 
 
من يضغط على من؟
 
ثم، كيف يضغط الرئيس الأميركي – حسب دعوة النيويورك تايمز- في الوقت الذي أبلغنا راديو “سوا” الأميركي منتصف آب الماضي، استناداً الى تقارير موثّقة من قبله أن “صفقة أميركية – سورية” يتم الاعداد لها تنص على مقايضة سياسية – عسكرية تسليحية بين واشنطن ودمشق، وتقضي بنودها الأساسية بتسليم عناصر من “القاعدة” وعدد من المموّلين المشتبه فيهم من “شخصيات النظام السابق في العراق”؟!
وكيف يمكن أن يتّسق هذا الخبر مع تأكيد صحيفة وورلد تريبيون – الأميركية أيضاً- بأن الرئيس أوباما قد أوفد للمرة الثانية مبعوثين أمنيين الى سورية برئاسة اللواء مايكل مولر من أجل متابعة سير هذه القضية وتسريع تنفيذ الاتفاق الذي يقضي بإلقاء القبض على عدد من المموّلين المشتبه بأنهم من رجالات نظام الرئيس صدام، لكن – حسبما قالت وورلد تريبيون- يبدو أن سورية ليست متحمسة لمثل هذا الاتفاق كما تتصوّر الادارة الأميركية وجنرالاتها، مع أنه سيفتح أمامها أبواب استيراد أنظمة تسلّح فضائية وأمنية أميركية.
كل هذا حصل قبل تفجيرات “الأربعاء الدامي” التي وقعت أواخر شهر أيلول ووجهت على أثرها سلطات العراق المحتل الاتهامات الى سورية بإيواء الإرهاب والمسؤولين عن عمليات التفجير، وفي ذلك مؤشر لكل ذي بصيرة أن المقصود بالضغط عليه في هذا السياق هو سورية كي تُسلّم المطلوبين “الارهابيين”، وليس الضغط على أميركا كي تضغط على المالكي وغيره لاعادة البعثيين الى وظائفهم!
 
 
كوابيس المالكي
 
ومع ذلك، فان خبر النيويورك تايمز ليس مقطوعاً من شجرة، وهذا لا يعني بالطبع أنه صحيح ويتمتع بالمصداقية، بل يعني أن موضوع البعث وثقله وتحالفه الواسع مع فصائل المقاومة المسلحة أصبح حديث الجميع، وأخذ يشكل كابوساً لأهل الحكم في بغداد المحتلة الذين إذا انقلبت طاولة العراق على رؤوسهم سيخسرون كلّ ما سلبوه من جراء الحرب الإجرامية التي شنّها جورج بوش، خصوصاً وأن الكل بات يدرك أن هذا الحزب المتواجد مع حلفائه في كل أنحاء العراق، لم يغب عن الساحة، وعاد يُهدّد بقوة في هذه الأيام، وهو ما تشير اليه تقارير النيويورك تايمز ذاتها بين حين وآخر، حتى في أخبارها عن كوابيس المالكي اليومية خوفاً من “اختراق” البعث لصفوف جماعته! وقد كانت من أوائل الصحف التي غطّت هذا الموضوع، وكتبت مراراً عن المدى الذي وصل اليه قائده عزت الدوري في دعوة فصائل المقاومة العراقية المسلّحة للتوحّد، كضرورة ملحّة في المرحلة الراهنة. وأشارت الى التحركات التي تمّت في الشهور الأخيرة باتجاه انشاء مجلس سياسي مشترك يضمّ هذه الفصائل، وهو ما كشفه الدكتور خضير المرشدي/ المتحدث الرسمي باسم البعث لموقع “الجزيرة نت” بتاريخ 15 آب بقوله ان هذه الدعوة التي تلقى تجاوباً يتصاعد مع الأيام، تهدف الى اقامة ما أسماه بوحدة الجهاد الشاملة على أساس ثوابت التحرير والاستقلال.
ولم يأتِ كلام المرشدي عمومياً دون تحديد، بل ذكر فيه بالأسماء الفصائل الأساسية التي تمّ الاتصال بها، واستمرار التنسيق معها، كجبهة الجهاد والتغيير التي تضم عدة فصائل، وجبهة الجهاد والاصلاح، والجيش الاسلامي ، وهيئة علماء المسلمين، وجبهة التحرير والخلاص الوطني .. الخ .
 
50 فصيلاً : يد واحدة
 
أمام هذه التفاصيل قال المرشدي يومها ان الحوارات مستمرة، وستتواصل حتى يتمّ الاتفاق على أرضية مشتركة تقضي بإنشاء مجلس سياسي مشترك، أو قيادة موحدة للجميع، وقد التقى مع كلام المرشدي تصريح مشابه للناطق الرسمي باسم جبهة الجهاد والتغيير أكّد فيه على التلاقي مع دعوة الدوري لأن توحيد الرؤى والمواقف هو المطلوب الآن وفي هذه المرحلة.
بعد شهرين فقط من هذه التصريحات أعلن عن توقيع التحالف الوحدوي على لسان الشيخ عبد الناصر الجنابي، وقد قضى باتفاق كل من القيادة العليا للجهاد والتحرير وجبهة الجهاد والخلاص الوطني، على التحالف ضمن “جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني”، التي تضم – كما سبق القول- 50 فصيلاً مقاوماً. وقد نصّت بنود الاتفاقية على توزيع المسؤوليات القيادية التي اشترك فيها ممثل للقيادة العامة للقوات المسلحة، وأُسندت اليه مهمة نائب القائد للشؤون العسكرية. كما نصّت على كيفية الاعلان عن العمليات المشتركة، ووضع اللوائح التي تنظم عمل الجبهة الموحدة ومكاتبها وأنشطتها في مختلف الميادين. أما قيادتها فقد أُسندت للقائد الأعلى للجهاد والتحرر عزّت الدوري، على أن يكون نائبه أحد أعضاء جبهة الجهاد والخلاص الوطني في القيادة العليا. ووقعت الاتفاقية في 20 تشرين الأول 2009.
 
الرشوة تمرّر السيارات المفخّخة!
 
واضح أن المالكي الذي لم يعد باستطاعته التحرك حتى داخل المنطقة الخضراء إلا بجيش من الحرس والمرافقين المدجّجين بالسلاح، كان يتوقع هذه الخطوة منذ زمن، ويتوقّع التي ستليها، وقد بات يستقرئ مصيره منذ الآن، ولهذا أصبح كابوس البعث لا يفارقه في ليله ونهاره وسائر تصريحاته. فلا يمرّ يوم إلا ويصب هجوماً جديداً ومبتكراً بمفرداته عليه وعلى فصائل المقاومة “الارهابية”، فضلاً عن التكفيريين والصدّاميين… الخ بأسلوب يعكس الرعب الذي يعيشه، فضلاً عن اختلال التوازن الملحوظ في شخصيته. كما يحمّلهم كلهم منفردين ومجتمعين مسؤولية عمليات التفجير الدموية، بينما التقارير الرسمية الصادرة عن دوائر بغداد المحتلة، ومعلومات بعض المسؤولين المناوئين للبعض الآخر تؤشر الى الفوضى وفلتان الأمن والرشوة الشائعة بين كبار الضباط، وحتى صغار الحرس على الحواجز المقامة في الطرقات لتسهيل مرور السيارات المفخّخة، كما نسمع كل يوم قصصاً عن اغتيالات تطال المحقّقين في عمليات التفجير داخل مكاتبهم المحصّنة، الى جانب الجديد من الاتهامات الموجهة لرموز في النظام نفسه من سياسيين وعسكريين ونواب ودبلوماسيين بالتآمر والسرقة والهرب الى الخارج.
أما آخر ما طالعنا في هذا السياق، وفيه أبرز دلالة على كارثة الوضع العراقي، ما نشرته أسبوعية “فوكس” الألمانية الأسبوع الماضي من معلومات تقول أن 90 بالمئة من سفراء العراق الحاليين في دول العالم يحملون جنسية أخرى أجنبية، وأن معظم السفراء قد تمّ تعيينهم في الدول التي يقيمون فيها، وضربت مثلاً على ذلك بقولها أن السفير في برلين علاء الدين الهاشمي يحمل الجنسية الألمانية، والسفير في طهران محمد عابس يحمل الجنسية الايرانية ، والسفير في فيينا طارق عقراوي يحمل الجنسية النمساوية، والسفير في لاهاي سيمند عبد الصمد يحمل الجنسية الهولندية… وهكذا!
 
وزراء يحملون 3 جنسيات!
 
وإذا كان ثمّة من يستغرب هذه الحالة الفريدة من نوعها في العالم نقول له أن وزير الخارجية هوشار زيباري يحمل الجنسية البريطانية ورئيس الوزراء المالكي يحمل الإيرانية ورئيس الجمهورية وكافة أفراد عائلته يحملون الأميركية، وليس ذلك فحسب، بل الأغلبية العظمى من الوزراء- ان لم يكن كلهم- يحملون جنسيات مزدوجة، باستثناء بعضهم الذي يحمل جنسيتين أجنبيتين، مثال ذلك إياد علاوي/ رئيس الوزراء السابق يحمل الجنسيتين البريطانية والأميركية، عادل مهدي/ الفرنسية والإيرانية، موفق الربيعي/ أميركية وايرانية!
أما الأغرب من ذلك، وفي سياق التركيز على البعث وفصائل المقاومة، ما يصدر عن المالكي يومياً من هواجس وتصريحات على هامش “الكوابيس” التي يعيشها، كان آخرها ما يردّده باستمرار منذ شهر تقريباً وقد وصلت ذروتها الأسبوع الماضي عندما حذّر في خطاب له من “تسلّل” عناصر حزب البعث الى مجلس النواب العراقي. ثم حثّه النواب على عدم السماح لهم أو من يتعاون معهم بالعمل تحت قبّته، وقد غاب عن ذهنه أنه طالما يواصل عملية خداع الناس باسطوانة الديمقراطية والانتخابات، فإن تحذيره هذا يعني – اذا صحّ جدلاً وجود انتخابات كما يدعي – فان الناس ستنتخب الذي سوف “يتسلل”، فكيف يمكن والحالة هذه اعتبارهم متسللين في نظره، ثم على أي أساس ستجري محاربتهم بمنطقه – على فـَرَض حصول ذلك افتراضاَ-؟
 
رجل فقد عقله
 
باختصار، هذا الرجل فقد عقله، ولم يعد لديه ما يقوله غير موضوعين يُبعدان النوم عن عيونه: كابوس البعث والمقاومة داخلياً، وهاجس سورية ودعمها “للارهاب والارهابيين” خارجياً، وقد أوصله فقدان عقله الى حدّ التخريف في الكلام، حيث يقول في نفس الخطاب انه لا يمكن أن يهنأ العراق وتتحقق فيه السعادة مع بقاء البعثيين، ودليلنا على ذلك – كما قال- أن أحداً منهم لم يعتذر للشعب العراقي، فعلى أيديهم دخلت القوات الأميركية، وسقطت سيادة العراق، وسالت الدماء”!”
.. كأنه وجماعته كلهم ليسوا هم الذين عادوا مع الدبابات، ورقصوا للقوات الغازية المحتلة، ولم يدوسوا سيادة العراق، ويُمعنوا بأبنائه تقتيلاً جماعياً على الهوية الطائفية والمذهبية!!
 
.. انها أيام سوداء قاربت على الزوال .. ومشهد انسحاب الغزاة من فيتنام سيتكرّر قريباً في بغداد . . بإذن الله .
 
 
 
 
يُنشر في “البيادر” الصادرة في القدس المحتلة يوم السبت المقبل    *
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد