إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أهزمناهم أم هُزمنا؟.. بقلم: عوني القلمجي وعلي الصراف

IRAQ HAZEMA
العراق لم يتحرر بعد. والمعركة ضد الإحتلال ما تزال تبدو طويلة. وفي غضون أشهر سنجد أنفسنا امام السنة السابعة للغزو.
سبع عجاف. ولا أحد يستطيع، وهو في الثقب الأسود الراهن، أن يعرف ما إذا كان الأمر سيطول أم يقصر. التفاؤل مطلوب. أو قل انه “تفاؤل الإرادة” الذي ما يزال يشكل دافعا نضاليا لتقديم التضحيات. ومن أجل غد آخر، ما يزال المقاومون يكسبون أفواجا من المقاومين الجدد. والعمليات القتالية ضد الاحتلال ومليشياته وعملائه ما تزال تسجل معدلات عالية، رغم “صناعة الإنطباعات” التي تقول ان عددها يتراجع.
في المقابل، تبدو حكومة المليشيات الطائفية قوية. بل انها تفرض الأجندات اليومية وجانبا مهما من مجريات الأحداث. وبرغم كل مظاهر الفساد والتفكك والفشل الإداري، إلا انها ما تزال تبدو وكأنها حكومة بالفعل، لا مجرد تنظيم عصابات.
الاميركيون انسحبوا من المدن ليقولوا انهم “أنهوا مهمتهم العسكرية”، وتركوا الباقي على المليشيات. الدوافع الى هذا الانسحاب مفهومة. وهي تقليص حجم الخسائر التي تتعرض لها قوات الاحتلال، من ناحية، ولتقديم الإنطباع بان “تقدما” يتحقق، من ناحية أخرى.
وبعد قليل سيتم اجراء انتخابات. وسيقال ان “الديمقراطية تتحقق”. وسيغرق الكثيرون في مجادلات بشأن احزاب هذه “الديمقراطية” ومناوراتها، ولكن سينشأ وضعٌ تبدو معه حكومة ما بعد الانتخابات كما لو انها حكومة شرعية. أعمال التزوير التي اتاحت لأطراف هذه الحكومة ان تسلق الديمقراطية على صفيح الدبابات الساخن، سوف تتكرر، ولكنها لن تثير إهتمام الكثيرين. وستمر الطبخة كما وصفها الطباخ. وسيبدو نظام النهب والتهجير وأعمال القتل على الهوية وكأنه أرسى نفسه على أسس أقوى.
فصائل المقاومة، من جانب آخر، ما تزال تعجز عن تشكيل قيادة وطنية موحدة. وجبهاتها الكبرى ما تزال تتحدث كلٌ بلسانه الخاص. صحيح انها تؤدي العمل الميداني نفسه وتتعاون فيما بينها، إلا ان ثمة حواجز ذاتية ما تزال تحول دون تقاربها أو انصهارها. وبعضها يبرر عدم الأخذ بخيار الوحدة، تارة، لأسباب عملية تتعلق بتحاشي الملاحقات، وتارة أخرى، لعدم رؤية الحاجة الى الوحدة من حيث المبدأ. وبينما هناك من يرى الوحدة ضرورية لأسباب تتعلق بالقرار الاستراتيجي للمقاومة، فان هناك من لا يريد الوحدة خشية من فقدانه لدوره الخاص.
اجتماعيا، يبدو البلد منهكا. وفوق تمزق نسيجه الوطني، فان الضغوط الإقتصادية المدمرة تترك أثرا ملموسا على قدرة ملايين الناس على التحمل. وهناك الكثير ممن يميلون الى الإستسلام للواقع، ولو على سبيل التكيّف مع متغيراته.
حكومة الاحتلال تملك من الأموال ما يكفي ليجعلها قادرة على رشوة الكثير، وعلى شراء بعض الضمائر المهزوزة. وفي الوقت نفسه فانها تحظى بالقبول الرسمي في المحيطين الاقليمي والدولي، وبالكاد تستطيع فصائل المقاومة ان تجد منفذا لكي تقول كلمتها. وهي لا تتلقى دعما من الخارج. وفي الداخل، فانها تعمل في ساحة “مكشوفة”. ولو كانت هناك، في العراق، غابات وادغال، لكان يمكن للمرء أن يتخيل معركة من نوع آخر. إلا أن أرض المقاومة منبسطة، وهي تعتمد على “الغطاء” البشري وحده.
فهل هُزمنا؟
هذا سؤال شجاع. ولأنه كذلك، فلا يكفي ان تكون الاجابةُ شُجاعةً. يجب ان تكون عاقلةً أيضا.
هذه ليست المرة الأولى في تاريخ العراق التي يتعرض فيها للغزو. انها المرة رقم 12 على الأقل. وفي كل مرة من تلك المرات كان الدمار والتمزق والفساد والانهيارات الاجتماعية تبدو وكأنها حقيقة مطلقة وثابتة.
في كل مرة من تلك المرات كان ملايين الناس يقتلون ويتشردون ويجوعون، ويتم تدمير كل مظهر من مظاهر الحياة في بيئتهم. ولكن العراق كان يعود لينهض من جديد.
لقد نهضنا 12 مرة.
الصورة التي حاول غزاة التاريخ، والتي يحاول غزاة اليوم ان يرسموها عن المجتمع العراقي، سرعان ما تبددت.
دولة اللصوص والفساد والتمزق الطائفي والفشل، دائما ما كانت تنتهي بالهزيمة. لسبب يتعلق بها هي نفسها، إن لم يتعلق بمقاومة المجتمع لها.
العدل والخير والتراحم الإجتماعي، ليست مجرد قيم أخلاقية. انها قيم عملية أيضا. وبفضلها فقط تستطيع المجتمعات أن تتوازن. ومن دونها فانها تظل تتقلب وتنزف حتى تستقر. انها قيم تعايش. ودفاع عن الوجود. ولانها كذلك، فانها هي التي ستفرض نفسها في النهاية.
ومثلها قيم السيادة والإستقلال والحرية. انها ليست مجرد قيم سياسية قابلة للجدل. انها مقومات أساسية للحياة. ولانها كذلك فان المجتمعات تعود لتقاتل من اجلها حتى ولو خسرت 100 معركة. الإستعمار الفرنسي للجزائر دام 132 عاما. ولكنه هو الذي هُزم في النهاية. الاميركيون ارتكبوا من الجرائم الوحشية في فيتنام الكثير. ولكنهم هزموا أيضا. الإستعمار وثقافة النهب الإستعماري لم تعد مقبولة في عالم اليوم. وحتى ولو بدت الولايات المتحدة قادرة على رشوة كل شعوب الأرض من اجل نهب العراق وتقاسمه كحصص، إلا انها لن تقدر على إقناع العراقيين بأنهم يجب أن يبقوا مُستعبَدين الى الأبد. الكثير من حكومات وشعوب العالم، على أي حال، لا تجد لها مصلحة في نهب العراق او تدميره او إبقائه مقيدا.
حروب الإستعباد كلها انتهت بالفشل. والحرب ضد العراق ستبوء بالفشل أيضا.
نعم، ستحرص الولايات المتحدة وشركاؤها في أعمال اللصوصية الدولية على ان تنهب ما تستطيع من النفط. ولكن كم؟ والى متى؟
لقد بُنيت على أرض العراق خمس حضارات كبرى. والنفط لم يكن عاملا في أي واحدة منها! بل الانتاج والابتكار والعلم والثقافة والمعرفة.
هذه نظرة تاريخ بعيدة المدى. نعم. ولكن ليس من الممكن تجاهلها لمجرد انها “تاريخية”.
كل عمل مقاوم ضد الغزاة يأتي جانبٌ مهمٌ منه من بطون التاريخ.
لا تنسى ان التاريخ هوية. انه العين التي يرى بها المجتمع نفسه. وهذه العين هي التي تقاوم. وهي التي ترفض وجود الغزاة. وهي التي تستخف بعملائهم.
بفضل هذه الهوية، تظل الأرض تميد تحت أقدام الغزاة. هكذا كان الأمر دائما. إن لم تجد دبابات الغزاة مقاوما، فالحجر سينطق ليقاوم. تلك هي طبيعة الأمور.
السعي الى الحرية ليس ثقافة فقط. انه منطق الحياة. والغزاة يُهزمون، وعملاؤهم يُهزمون، ليس لأنهم يواجهون مقاتلين من جانب الطرف الآخر فقط، بل لأنهم يعملون ضد منطق الحياة. وتتم إزالتهم من الوجود بسهولة، ومن دون أن يتركوا أثرا، لهذا السبب بالذات. كل الأسماء “المهمة” التي تسمع بها اليوم، ستجدها في المزبلة غدا. ومحظوظ من يفلت بجلده من الملاحقة.
مع ذلك، فان هناك من وقائع اليوم ما يكفي البصر والبصيرة.
لقد تعرض العراق لغزو ظالم. وبناء على أكاذيب صريحة وجلية. وجلبت الولايات المتحدة معها العالم بأسره تقريبا. معظم جيوش العالم الكبرى شاركت بالغزو. حتى الامم المتحدة (المنظمة التي ساهم العراق بتأسيسها) كانت شريكا في التواطؤ والجريمة ضده.
الظلم كان جليا وبيّنا. والوحشية التي جلبها الاحتلال كانت جلية وبيّنة أيضا. مئات الآلاف من القتلى ما يزالون يستصرخون الضمائر: من اجل ماذا قتلوا؟ أمن اجل أسلحة دمار شامل لم يتم العثور عليها؟ أم من اجل بناء “ديمقراطية” ظهر انها مشروع طائفي للقتل والتهجير الجماعي؟ أم من اجل نفط كان يمكن شراؤه بكلفة أقل؟
والمظلوم يقاوم. قدره أن يُقاوم. الأمر يبدو وكأنه قدر قاس. ولكن الظلم لا يمكن ان يستمر كحقيقة نهائية.
كل جيوش العالم الكبرى، هربت من العراق. واحدا بعد آخر كانوا ينسلون من الفخ، وذلك بعد أن وجدوا انهم دخلوا مستنقعا لا قرار له.
شيءٌ ما كان يحصل كل يوم، هو الذي دلهم على طريق الهرب. وهربوا. واحدا بعد الآخر. وبقيت الولايات المتحدة وحدها تنعق مثل البوم باحثة عن سبيل للخلاص من الورطة.
الغزو كلف الولايات المتحدة (حسب تقديرات “كريستيان ساينس مونيتور”) ثلاثة تريليونات حتى عام 2007. أي ان كل عام من أعوام الغزو كان يكلف الاقتصاد الاميركي نحو 600 مليار دولار سنويا. وهب ان الغزاة كانوا يشربون مليوني برميل من النفط المنهوب يوميا، فهذا يعني انهم كانوا يدفعون أكثر من 800 دولار ثمنا للبرميل الواحد!
هذا المستوى من “الحمرنة” الاقتصادية كان واحدا من أهم أسباب الإنهيار المالي الذي ما تزال تعانيه الولايات المتحدة.
صحيح ان الولايات المتحدة ما تزال تحارب “بالدَين” (أي ببيع سندات الخزانة) او بتزوير العملة (طباعة المزيد من الدولارات) الأمر الذي ادى الى انهيار قيمتها، إلا ان الكفلة النهائية ما تزال تبدو كارثية بجميع المقاييس.
اليوم يبلغ إجمالي الديون الاميركية 9.13 تريليون دولار. وهو ما يعني ان الأميركي يولد وهو مدين بنحو 30 الف دولار. وحسب “اسوشيتدبرس” فان الديون الاميركية تزداد بقيمة مليون دولار كل دقيقة.
وبلغ عجز الموازنة الأميركية 1.42 تريليون دولار في العام المالي الماضي، وتقول الإدارة الأميركية إن العجز المسجل حتى نهاية أيلول- سبتمر ارتفع بمقدار ثلاثة أضعاف بالمقارنة بالعام السابق.
الديون يجب أن تُدفع في النهاية. وحتى إذا توقفت الولايات المتحدة عن دفع الفوائد عنها (كما هو حاصل اليوم بالإبقاء على أسعار الفائدة قريبة من الصفر)، فان الأصول الاميركية ستظل مثقلة بعبء لا يبدو انها ستنجو منه في أي وقت قريب.
صحيح ان الخزانة الاميركية تجمع ضرائب سنوية تصل الى 2.10 تريليون دولار (حسب ارقام العام المالي المنتهي في 30 أيلول-سبتمبر الماضي)، إلا ان هذه الضرائب سجلت انخفاضا بنسبة 16.6% بالمقارنة مع العام الذي سبقه. اما الإنفاق الحكومي فقد زاد إلى 3.52 تريليونات دولار في العام المالي 2008-2009 مسجلا ارتفاعا بنسبة 18.2% بالمقارنة مع العام الماضي. وبذلك فان إجمالي الشرخ بين العائدات والإنفاق بلغ: 34.8% من قيمة الميزانية.
وهذه بحد ذاتها، وصفة للخراب في ظل الأزمة الإقتصادية الراهنة، والتي دفعت 10.2% من الأيدي العاملة في الولايات المتحدة الى صفوف البطالة.
وحتى اليوم، أعلن 120 بنك في الولايات المتحدة إفلاسه، من بينها عدد من اكبر الامبراطوريات المالية مثل “ليمان براذرز” و”فريدي ماك”و”فاني ماي” و”أيه آي جي”، فضلا عن شركات عملاقة مثل “انرون” و”نيو سينتشري فايننشال كوربوريشن”، و”أميركان هوم مورغيج انفستمنت”، وما يزال يقف العشرات من كبريات الشركات العالمية على حافة الإفلاس. وهو ما جرّ الاقتصاد العالمي بأسره الى السقوط في هوة ركود، وهو يرزح تحت أعبائها حتى اليوم.
انهيار الامبراطوريات المالية الأميركية يعني ان الامبرطورية نفسها تسير في طريق الهلاك.
والمغامرة في العراق هي السبب الرئيسي للإنهيار.
نعم، كانت مقومات الإنهيار موجودة في قلب نظام رأسمالي يُموّل نموه بالتوسع، ويمول التوسع بالديون. ولكن الحملة من اجل نهب العراق كانت تقصد توفير مجال جديد للتوسع وفي الوقت نفسه الاستيلاء على عائدات تبدو طائلة.
هذا الحلم تحوّل الى كابوس. وانقلب الرهان الى لعبة “روليت روسية”. وخرجت الطلقة لتضرب رأس المقامر من مسدسه بالذات.
الولايات المتحدة لن تخرج من الحرب ضد العراق كما دخلت. ولن تعود كما كانت أبدا.
الحلم الامبراطوري العالمي انهار كليا. وصارت الولايات المتحدة تحتاج الى “مجموعة العشرين” لكي تمول نظاما ماليا دوليا يقف على حافة الإفلاس. ومع انهيار الحلم، انهارت الكثير من المشاريع الاستراتيجية العظمى، ومنها مشروع “الشرق الاوسط الجديد”. وسقطت كل الأفكار والفلسفات التي وقفت وراء التصور الأرعن الذي سوغ للولايات المتحدة انها ستحتل العالم برمته لمجرد انها تمكنت من احتلال العراق.
“نهاية التاريخ والإنسان الأخير” صارت بالأحرى دليلا على “نهاية الولايات المتحدة، وانتحار اليانكي الأخير”.
المقاومة العراقية، مقاومة الفقراء والمظلومين والحفاة والمشردين والذين لا غطاء اقليميا لهم، ولا جبل يحميهم ولا غابات ولا أدغال يتخفون وراءها، تمكنت من ان تمرغ وجه القوة العظمى بالوحل، وان تخرجها من التاريخ كقوة امبراطورية وان تدفع اقتصادها، ومعها اقتصاد كل شركائها بالغزو، الى الإنهيار.
هؤلاء هم حفاة العراق. وهذا هو ما فعلوه. وبرغم كل مشاريع التمزيق الاجتماعي واعمال القتل على الهوية، إلا انهم ما يزالون يقاومون. ومقاومتهم ما تزال ضارية.
في آخر جلسة استماع له امام الكونغرس قدم الجنرال راي اوديرنو ملخصا “للتقدم” الذي احرزته قواته في العراق فقال (بالحرف) “لقد تراجع العدد الكلي للهجمات خلال السنتين المنصرمتين بنسبة 85 في المائة، من أربعة آلاف و64 هجوما في آب-أغسطس عام 2007 إلى 594 في آب-أغسطس عام 2009”.
ولكن دقق في هذا “التقدم” وسترى الكارثة. فحتى عام 2007 كانت القوات الاميركية تتعرض الى 135 هجوم في اليوم. و”التقدم” هو انها ما تزال تتعرض الى 19 هجوم في اليوم، حتى بعد انسحابها الى خارج المدن.
إذا كان هذا هو “التقدم”، مَنْ سيكون بحاجة الى هزيمة؟
وفي الواقع فقد خسرت الولايات المتحدة (عدا المرتزقة) اكثر من 5500 جندي، وفوقهم اكثر من 30 ألف جريح، الكثير منهم أصيب بعطب دائم. وفوق هذا وذاك، فقد اصيب نحو 40 ألف جندي بأمراض نفسية وعصبية من جراء أعمال القتل التي ارتكبوها ضد الابرياء، ومن جراء كثرة الجثث التي كدسوها والأعمال الوحشية التي مارسوها، وذلك حتى انقلبت وبالا عليهم.
الجيش الاميركي ينسحب من المدن في العراق ليس لانه “انجز مهمته”، بل لانه جيش منكسر، مهزوم، يبحث عن منأى.
ومع ذلك، فان الصواريخ والهجمات ما تزال تلاحقه حتى وهو في “قواعده الآمنة”.
لو كان العراق في موقع فيتنام الجغرافي لكانت الولايات المتحدة هربت من عام الاحتلال الأول. ولكنها ما تزال تحرص على حفظ ماء الوجه لانها مضطرة للبقاء بسبب التزاماتها الامنية مع إسرائيل.
إسرائيل هي التي تُجبر الولايات المتحدة على البقاء. فالاسرائيليون يعرفون انهم هم الذين يجب أن يجمعوا الحقائب إذا خرجت القوات الاميركية من العراق بهزيمة مكشوفة ومعلنة.
هزيمة القوة العسكرية الأعظم وخروجها ذليلة من المنطقة سوف يكتب فصل النهاية بالنسبة لاسرائيل. هذا ما يشعر به الاسرائيليون. ولتأخير جمع الحقائب، فانهم يُجبرون الاميركيين على المطاولة والظهور بمظهر الذي يحقق “تقدما”.
والنزيف مستمر. انه بالأحرى أكبر حرب استنزاف تتعرض لها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. حتى “الحرب الباردة” مع الاتحاد السوفياتي بكل جبروتها السابق لم تتمكن من إلحاق خسائر بالولايات المتحدة بحجم الخسائر التي تتحملها اليوم.
وغير حماية إسرائيل، فبسبب المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالنفط والنفوذ في دول المنطقة الأخرى، والتوازنات الدولية الملحقة بها، فالحقيقة هي ان الولايات المتحدة مضطرة الى تحمل الكلفة لانها ترى الجحيم شاخصا. وهي تقبله فقط لانه لم يأت بعد. وحالها يبدو كحال ذلك الذي يسقط من أعلى العمارة، إذ يقول كلما مر على طابق أسفل وهو يهوي: “الوضع ما يزال جيدا حتى الآن”.
والوضع ما يزال “جيدا” لان الجحيم الإقتصادي لم يتحول بعد الى ارتطام نهائي بأرضية الطابق الأسفل.
والمشكلة لا تكمن بالهبوط، بل بالارتطام. الاميركيون أنفسهم يقولون:
It’s not the fall, it’s the landing.
وحتى يأتي السقوط، فالجنرالات ما يزالون يحققون “تقدما” (في الطريق الى الطابق الأسفل)!
ولكن الولايات المتحدة لن تخرج من الحمّام مثلما دخلته. أبدا. وعندما ترتطم بالأرض، فالله وحده يعلم ماذا ستكون النتيجة.
أما المظلومون، فسيعودون ليبنوا وطنهم من جديد. وسيجعلوه أعظم، وأقوى وأغنى مما كان. ليس بالنفط، وانما بما انتج خمس حضارات عظمى.
لقد فعلوها 12 مرة من قبل، ولن يعز عليهم أن يفعلوها مرة اخرى.
سهلٌ ان تقول: يا فقراء العراق ومشرديه وحفاته، أنتم أعظم من خلق الله في سجلات المقاومة.
ولكن يوجد، وراء هذا، سببٌ جدير بالاعتبار. هو انهم أبناء تاريخ. فان لم يقاوموا هم، قاوم هو.
أرضهم تنطق. وهي تنطق من اجل العدل والخير والتراحم، مثلما تنطق من اجل الحرية.
أرضهم تنطق، لأن الله ظهر عليها لخليقته لأول مرة قبل اكثر من 7000 سنة عندما خاطب نبيه نوح لكي يبني السفينة.
ولانها أرض الله، فإن لم يقاوموا هم، قاومت هي.
هذه هي القذيفة. ومن هنا تنطلق المتفجرة.
أما أبناء الـ…. الذين لا يتجاوز تاريخهم 250 سنة، فلن يمكنهم، أبدا، أن يفهموا ماذا يمكن أن يفعل التاريخ.
لقد سقطوا. وسيخرجون من التاريخ، مثلما دخلوه: كاوبوي يطلقون النار على بعضهم البعض. فكل ما تراه من قوتهم مجرد وهم. عملتهم مزيفة. وتكنولوجيتهم تهرب الى الخارج، وجنودهم ينتحرون.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد