غزة بين مصر والجزائر / د. شجاع الصفدي

0

 

من شهد شوارع غزة ليلة أمس لا بد أنه شعر بالدهشة والتساؤلات ، ما السر الذي يجعل أهل غزة يخرجون بالسيارات والدراجات النارية ومشيا على الأقدام ،  يهللون ويهتفون ويحملون أعلام مصر فرحين حتى ساعة متأخرة جدا من الليل ، أهو حب الشعب الغزّي لمصر وشعبها ، أم تضامنا مع الشعب المصري بحكم الجيرة، أم أنه موقف عدائي من الجزائر وشعبها مثلا ؟.
لا بد وأن مثل هذا الموقف ومواقف أخرى تستدعي التساؤل عن حقيقة هذا التشجيع لمصر سواء في كرة القدم أو غيرها ، لدرجة أنك تجد في غزة رابطة لمشجعي الزمالك ورابطة لمشجعي الأهلي وهما الناديين العريقين في كرة القدم المصرية ، بل ويقدم الكثيرون من المشجعين على الاتصال بلاعبي الفريقين في مصر والتواصل معهم في كافة المناسبات الكروية وغيرها .
وهذا الولاء والدعم لا بد وأن له أسبابه المتراكمة منذ سنين طويلة والتي جعلت العلاقة الوطيدة بين غزة تحديدا ومصر تطغى على كل ما يحدث مع أبناء قطاع غزة من قبل الأمن المصري في الموانئ والمطارات والمعابر .
معظم شباب غزة الذين صفقوا لمصر بعد المباراة يحبون الجزائر وشعبها ، ويدركون أن التعامل مع الفلسطينيين في الجزائر ومطاراتها بل وحتى داخل الجزائر أفضل بكثير من تعامل الأمن المصري مع الفلسطينيين ، ولذلك لا بد أن يكون واضحا أن دعم أهل غزة لمصر وتشجيعهم لها من أجل التأهل لكأس العالم له أسباب مختلفة ولا يمكن أن تكون كرههم للجزائر أو شعبها أو إنكار لمواقف الجزائر الشقيق مع الفلسطينيين ،  أو حتى ناجمة عن موقف من مصر كنظام سياسي ، وإنما هو دعم شعبي  بحت لشعب مصر  ناجم عن الجيرة والموقع الجغرافي أولا ، وثانيا كون قطاع غزة قضى تحت ظل الإدارة المصرية أعواما ما زالت في ذاكرة الآباء في غزة وجعلت هنالك ارتباطا غامضا بينهم وبين مصر ورّثوه لأبنائهم وتوارثته الأجيال حتى وجدت الطفل يصفق للاعبي مصر قبل الكبار .
ومن ناحية أخرى فإن غياب فلسطين شبه الكامل عن كرة القدم الدولية ، وعدم وجود أندية حقيقية يمكن تشجيعها والهتاف لها هو سبب رئيسي احتاج الفلسطينيون تعويضا عنه ، فوجد الذين ولدوا في غزة متنفسا في تشجيع الفرق المصرية تحديدا من الفرق العربية ، أما الذين قدموا بعد اتفاق أوسلو واستقروا هنا تجدهم اتجهوا لتشجيع الفرق الأوروبية مثل برشلونة وغيرها لدرجة أنهم  يغضبون لهزيمتها ويتبارون فيما بينهم وتقع مشادّات كلامية حول براعة هذا الفريق أو ذاك .
إن الوضع النفسي للفلسطينيين والكبت المحيط بهم والتضييق عليهم في شتى سبل الحياة هو سبب واضح لبحثهم عن الابتهاج بأي ثمن ، وبحثهم عن مسبب يجعلهم يفرحون ولو كانت أعماقهم جريحة تحتلها الغصّة من حالهم ، هؤلاء الفلسطينيون الذين خرجوا بالأمس في الشوارع كانوا بحاجة لحدث ما ، لا يهم ما هو ، لا يريدون  أن يكون مناسبة سياسية  لأنهم يدركون أنه قد ينتج عنها ضحايا ، المهم أن هنالك سبباً يجعلهم يخرجون للتنفيس عن أرواحهم دون الخوف من التعرض لأي مأزق ، وهذا ما كان ، خرج أبناء غزة ، أطلقوا العنان لأبواق السيارات ، لعبوا ألعابا بهلوانية بدراجاتهم النارية المهربة من الأنفاق ، هتفوا ورفعوا علم مصر وعلم فلسطين ، وبعض السيارات رفعت صورة الشهيدين ياسر عرفات وأحمد ياسين ، ولم يعترضهم أحد ! ، مما يدعو للتساؤل : إذا كانت مباراة كرة وحدت حركتي فتح وحماس بالأمس وخرج داعمو المنتخب المصري من الطرفين ليفرحوا معا بفوز مصر ، فمتى يا شعب فلسطين نفرح معاً بالمصالحة الوطنية ؟ ومتى يكون عرسنا الفلسطيني الذي يجعل كل الفصائل تخرج في مهرجان شعبي موحّد يعلن المصالحة و يوطّد أواصر الصلة بين أبناء الشعب الواحد ويجعلهم يهتفون للوطن وحده ، هل يأتي هذا اليوم قريبا ونفرح نحن الفلسطينيون الذين حرمنا الحصار من أدنى درجات الفرح والاستقرار ؟!.
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.