إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أبواب جهنم

 
أبواب جهنم
 
بقلم سهام البيايضة
 
وقف الضابط جيمس في غرفة الانتظار داخل الخط الأخضر في احدى القواعد الأمريكية ، يحيط بها  جدار اسمنتي يرتفع أكثر من ستة أمتار يتحصنون داخله من هجمات المقاتلين المنتشرين حولهم في كل مكان يتصيدونهم ويقتنصوهم كما تقتنص العصافير من حيث لا يعلمون.
دقائق وتجهز الطائرة العسكرية للإقلاع تحمل الجرحى والمصابين بالحرب إلى وطنهم، وفي أسفل الطائرة تكدست أكفان الجنود الموتى، فوق بعضها البعض وقد لفت بالعلم الأمريكي، متجهة إلى الوطن
– “دقائق وسأخرج من هذا الجحيم”:فكر جيمس.. “لا شيء يطاق هنا”، لا تزال أصوات الطلقات والتفجيرات تزلزل كيانه ويتردد أزيزها في رأسه وأحاسيسه..”.يا الله إنها لا تتوقف ابدآ ..إنها رعب بكل ما في الكلمة” ..لم يكن جيمس، في حفلة “هالويين” ولم يكن جالساً مع صديقته يشاهدان فلم زومبي أو الفك ..انه الواقع والحقيقة، توتر واضطراب، ترقب وحذر من كل حركة، ومن كل إنسان يعيش في هذه المنطقة..”الجميع هنا إرهابيون أو خونه … يا الهي أرجوك.. أنا كاثوليكي مؤمن، أرجوك ساعدني بالخروج من هنا، أرجوك ساعدني..الحياة هنا لا تطاق ابدآ”. من جيب قميص بزته العسكرية تناول حبة زهرية اللون وضعها في فمه ” إنها  الحبة الثانية هذا الصباح..لا باس. الآن سأكون أفضل”..عندها سمع صوت سقوط على الأرض ..صرخ بأعلى صوته وبدون وعي “هجوم إرهابي!..هجوم إرهابي!” ثم اخذ وضعيته على الأرض حامياً رأسه بذراعيه،محتميا خلف المقعد الجلدي القريب ، عندها سمع صوت من بعيد يناديه”الضابط جيمس!.. لا تفزع  ..أنت في أمان ..انه صوت سقوط عبوة المياه..انظر هناك..انظر..جيمس..إنها مجرد عبوة ماء.. سقطت من يد ابن الحرام ذلك الأسود الواقف هناك..هل تراه ..انه يقف ببلاهة هناك.. انظر إليه..أرجوك اهدأ جيمس.. أنت في أمان الآن”، كان ذلك صوت طبيب القاعدة،
هدأ جيمس وهو لا يزال قابع خلف المقعد الجلدي ..  يلتقط أنفاسه المتسارعة التي أخذت بالتباطؤ ،وكأن مفعول حبة الداء التي تناولها قد أخذت مفعولها في تهدئته، عندها استوعب انه قد اختلق مشهد الهجوم، تاركاً مكانه ،وكأن شيء لم يحدث.
مضى خمسة اعوام على وجود جيمس في المارينز، وقد تنقل إلى قواعد متعددة أمريكية، انتشرت حول العالم ،العالم أصبح ملغوماً بالقواعد العسكرية الأمريكية ،في تركيا وفي تايلاند والفلبين.. وبلاد كثيرة تمكنت منها أمريكا العظمى ،تثير الحرب في كل مكان ومتى شأت .
” لحسن الحظ ان هناك قرار من البتاغون بان لا يزيد بقاء العسكري أكثر من سنة فوق ارض العدو”فكر جيمس ..بالنسبة لي انتهت، لكنها معنويا، لم تكن سنة واحدة، أحداثها أطالت لحظاتها حتى تعدت العقود..لا بل القرون، الحياة هنا تقاس بالثانية لا باليوم ولا بالأسبوع، يا الله..أريد الخروج من هنا وبسرعة ..لن اشعر بالأمان هنا..البقاء هنا كابوس حقيقي”.
أحداث تتسارع في ذاكرته وكأنها فلم وثائقي اهتم بأدق التفاصيل،كان لا يزال في التاسعة عشره من عمره عندما قرر الانضمام إلى قوات المار ينز،في البداية ،كان يحسبها نزهة فوق البوارج والدبابات المجهزة بأدق التكنولوجيا وأحدثها،والاهم من ذلك ان هذه الآلات المدمرة صنعت لحماية الجنود فعليه ان لا يفقد الثقة بحكمة القادة الذين يشجعون الحرب ويرسلونهم لخوض معاركها.
 ”يجب ان تثقوا بنا “هكذا قال الكماندور رئيس فوجه قبل ان تتوجه سريته، لتصعد من مؤخرة الطائرة الهابطة في قاعدة فورت هود في تكساس”رحلتكم إلى العراق ستكون قطعة كعك “لا يزال شريط الذكريات يتواتر لحظة بلحظة”جهزوا أنفسكم وحاجياتكم لقد اقتربنا من بغداد، دقائق ونهبط فوق ارض القاعدة العسكرية.
تفقد جيمس أغراضه وحقيبته العسكرية ،ومع اقتراب الطائرة من الأجواء  اخذ وزملائه يتفقدون أسلحتهم وسترة الرصاص التي يرتدونها تحت ملابسهم وأسلحتهم المدججين بها وعتادهم الذي يصل إلى أكثر من أربعين كيلوا غراما يحملونها فوق ظهورهم وعلى جوانبهم  .
هبطت الطائرة على ارض القاعدة،وعندما بدأ الباب الخلفي للطائرة، يهبط قليلا استعدادا لإخراج الجنود وقد عتل كل منهم حقائبه وأسلحته على كتفه وفوق ظهره حتى تقوست أجسادهم بما يحملون ،عندها شعر جيمس بلهيب الأجواء الحارة تلسع وجهه الذي تحول إلى اللون الأحمر،يكاد ان يتفجر من شدة الحر وعبء الحمولة التي زادت من تعرق حتى بات يشعر بالعرق يجري تحت ملابسه وفوق عينيه التي غطاهما بالنظارات السوداء من وهج الشمس الحارة
“يا الهي كأننا نقف على أبواب جهنم!..ما هذا اللون البرتقالي الذي يغطي السماء. ..أنا لا أرى شيئا..الأجواء مغبرة وحارة حتى الموت”
“إنها الأحوال الخماسينية السائدة هنا ..سوف تعتاد على الأجواء قريبا “..كان ذلك صوت زميله ستيفن الذي يسير بجانبه ،يرى ذراعه القريبة منه ولا يرى باقي جسمه،وكأنهم يمشون في كومة تراب ،لم يصل جيمس إلى الثكنة بعد حتى فتحت عليهم أبواب جهنم التي توقعوها .قذائف من كل مكان ورصاص ينهمر من كل صوب تكبيرات يسمعها جيمس لأول مرة كانت أصوات الجنود ترتفع مرتبكة وغير متأكدة ،”ما هذه الأصوات الغريبة ؟أنا لا افهم شيء ابدآ “سمع صوت من بعيد يقول :هجوم إرهابي ..إنهم إسلاميين يكبرون ربهم…أل…!
من خلف الغبار أحس جيمس برذاذ زهري اللون انتشر حوله والتصق بوجهه وملابسه ..سار إلى الأمام ،غاصت قدمه في بركة لزجة ..اقترب لينظر ..يا الله!!  انه رأس ستيفن، وقد فصل عن جسده ،صرخ جيمس عندما شاهد أشلاء زملائه منتشرة في كل مكان ولم يمض على وصولهم دقائق!
 
نقل الجنود إلى مكان آخر محاط بالحائط الخراساني.. ألقيت عليهم محاضرة لرفع معنوياتهم ولشرح ظروف الحرب التي واجهتهم فور وصولهم ،كان جيمس يجلس بهدوء مصدوما غير مستوعب المشاهد المرعبة التي تركها المقاتلون خلفهم،لم يرى احد منهم ،كانوا في كل مكان ولم يرى احدهم .
“نحن هنا من اجل نشر الديمقراطية والعدالة وتخليص الناس من الظلم والاستبداد الذي عانوه لمدة طويلة”الضابط المحاضر يحاول ان يذكرهم بواجباتهم الكبيرة تجاه العالم ومن اجل ان تبقى أمريكا عظيمه
“نحن هنا من اجل تحقيق الحلم الأمريكي، هذا واجبنا نحو الشعوب الضعيفة والمقهورة “..وقف جيمس قائلا :وهل الذين يهجوم علينا من هذه البلاد؟ ألا يعلمون أننا جئنا لمساعدتهم؟..لماذا يطلقون النار علينا ؟ لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟
المحاضر:”الضابط جيمس.. أرجوك اهدأ قليلا..خروجك إلى الميدان والمهمات التي نفذتها أثرت على أعصابك..لا عليك ستكون الأمور على خير.. اهدأ أرجوك ..نحن وأصدقائنا في المنطقة يوجد لدينا خطط واتفاقيات للحد من الإرهاب ومنع تهريب الإرهابيون عبر الحدود العراقية!”
ضحك الضابط جيمس بطريقة هستيرية غير عابئ بالانضباط العسكري :نحن نريد الخروج من أبواب جهنم و بأسرع وقت وهؤلاء الإرهابيون يتسللون عبر الحدود إلى أبواب جنتهم التي يعتقدون…إنهم شباب بأعمارنا وغير مجهزين مثلنا ..يواجهون الموت بأجسادهم .. ..ما هذا المنطق الغريب.
الضابط المحاضر:أرجوك ضابط جيمس ..أنت تزعج زملائك ولا تتقيد بالانضباط العسكري..نحن هنا من اجل القيام بمهامنا الموكلة إلينا..وأهمها تحسين حياتهم وبناء دولتهم التي ستكون صديقة وممتنة للشعب والحكومة الأمريكية
الضابط جيمس:” لماذا لم تتحسن حياتهم كما وعدناهم ؟ أنا لم أشاهد إلا الدمار والفقر ونساء أرامل وأطفال في الشوارع وفتيات صغيرات تباع أجسادهن بالدولار..أنتم تكذبون عليهم ،تريدون بترولهم ونسائهم ،الم تفكرون بنا يا أولاد الحرام ؟إنهم يطلقون علينا النار وكأننا ديوك حبش موعدنا فوق موائد عيد الشكر..ملعونة هذه الحرب وملعون من صنعها ..ملعون بوش الأب ملعون بوش الابن..(–..جميعا)!!
الضابط المحاضر :بسرعة احضروا الطبيب المسؤول..نحتاج إلى إبرة مهدئ..وبسرعة!!”
 
“الضابط جيمس ..الضابط جيمس..لقد آن أوان العودة إلى الوطن ..هيا سيدي “هذه المرة كان صوتا ناعما ،انه صوت الممرضة،مس أشلي، المرافقة لمجموعة الجنود المتوجهون إلى إحدى القواعد الأمريكية في ألمانيا ومن ثم نقلهم إلى أمريكا .
 وضعت الممرضة ذراعها بذراع جيمس.. أوقفته بهدوء “هيا سيدي نحن ذاهبون إلى الوطن”
اقترب ضابط آخر ،عرفه جيمس رغم تأثير الحبة القوي ،انه الطبيب الذي كان يجلس معه لساعات طويلة،سلم إلى الممرضة ملف به أوراق كثيرة “تفضلي مس آشلي..هذا ملف الضابط جيمس وكامل التحقيقات التي أجريت له ..كل شيء سيجدونه في هذا الملف!
مس اشلي:لا تقلق سيدي سنعتني به جيدا مع باقي الجنود!
الضابط الطبيب:أتمنى ان يعتنوا به جيدا ..حالته صعبه جدا ..انه يتخيل أشياء ويرى أشباح..يقول انه شاهدها تدخل في حائط الثكنة وتخرج كالبرق، ويقول انه شاهد فرسان على خيولهم العربية الأصيلة يحاربون مع الإرهابيون..حالته في غاية الخطورة ..هل تعلمين مس اشلي، لوعرف المسلمون بأن هذه الأمور تحدث في العراق وأفغانستان لزاد إيمانهم ولزادت مقاومتهم ..أنهم يؤمنون بما يسموه بالكرامات
مس اشلي: “لا تقلق سيدي سيكون مع جنود كثر، حالتهم مثل جيمس ..سنتعامل معهم بغاية السرية ..حتى لو وضعناهم على المخدرات لدرجة الإدمان.
نحن مهنيون .. نعرف عملنا جيدا سيدي ..لا تقلق!!
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد