إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

التفسير النفسى للسحر الكروى

Francwa(5)فرانسوا باسيلى
 
في يونية ٢٠٠٦ خلال مباريات كأس العالم التي جرت في ألمانيا نشرت مقالاً احاول فيه تفسير ظاهرة الجنون الكروي في العالم اجد من المفيد إستعادة دروسه ونحن نعيش حالةً تقترب من حالة الحرب بين مصر و الجزائر للوصول إلى المونديال.
 
ماالذى يجعل لعبة كرة القدم تحظى بذلك الهيام الجنونى من كافة شعوب الارض وبدرجة تجعل هذه الشعوب تنحى كل شئ جانبا لمتابعة مباريات كأس العالم – بالاضافة الى مباريات انديتها المحلية ؟
لكل ظاهرة طبيعية او انسانية – اجتماعية أسبابها. فما أسباب القوة السحرية للظاهرة الكروية ؟ وكيف إستطاعت البشرية التى لم تجمع على شئ آخر فى تاريخها – فهى لم تجمع على دين ولامذهب سياسى ولا نظام إقتصادى ولالغة ولاثقافة ولامبدأ ولاأى شئ آخر واحد وحيد ، أن تجمع على العشق الجنونى لهذه اللعبه الفريدة ؟
 
إن لعبة كرة القدم مسألة بالغة الجدية – وهى ليست ” لعب عيال ” بالتعبير المصرى ، ولذلك تستحق منا أن نقوم بدراستها دراسة مقارنة محللة لاتقل عن دراستنا المقارنة للأديان أو المذاهب السياسية والاقتصادية – أو للظواهر الطبيعية والأعراض النفسية. إن أى أمر يشغل الجماعة الانسانية بهذا القدر ويأخذ منها كل هذا الوقت والاهتمام والاستثمار والمناقشة والحزن والفرح بل والهوس الجماعى يستحق أن نفهمه ونستوعب اسبابه وخصائصه لكى نفهم – عن طريقه – أنفسنا وطبيعتنا البشرية بشكل أعمق وأكمل.
 
العدل فى الأرض
 
يكمن السر الفلسفى الأساسى فى هيام البشر بلعبة كرة القدم أنها تحقق للبشرية حلمها الإنسانى القديم فى تحقيق العدل المطلق على الارض. فالإنسان بكل عبقرية إنجازاته الحضارية حتى اليوم
لم يستطع أن يحقق العدالة الكاملة المطلقة فى أى مجتمع بشرى. فرغم الاديان والمبادىء والقيم
والقوانين المختلفة التى تطمح إلى تحقيق أقصى درجة من العدالة فى الارض تظل
قوى مناوئة كثيرة تمنع ذلك ..إذ يظل الغنى والقوى فى معظم الآحيان فوق العدل و خارج القانون. وتظل السرقة والبلطجة والعنف والجريمة والخديعة
والمحسوبية والرشوة والجبن والخسة تعمل جميعها على النيل من سلطة العدالة وتمنع تحقيق حلمها النبيل على الارض .
 
أما فى لعبة كرة القدم فيجلس عشرات الالوف من البشر فى مدرجات ملعب مكشوف – ويتابع الملايين من الاخرين على شاشات التلفزيون ، لعبة محكومة بمنظومة علنية من المبادئ والقواعد والقوانين متفق عليها من الجميع ، يخضع لها جميع اللاعبين بنفس الدرجة وبنفس القياس، وتطبق فيها القوانين بشكل مكشوف وبصرامة لاترحم ، وينزل فيها الثواب والعقاب فى نفس لحظة الفعل وليس بعده بسنوات وسنوات ، ويكون فيه الفوز للأصلح فقط ، للكفاءة والتفوق والمهارة والاجتهاد فقط – فهنا لاتنفع محسوبية ولاتجدى واسطة، ولاتنفع القربى لأميرأو لوزير. فاللاعب الماهر يفوز ولو كان ابن غفير فقير. واللاعب السئ يخسر ولو كان ابن ملك . فهنا تنتفى كل العوامل التى تفرق تفريقا ظالما بين البشر ، وتسقط القوة والسلطان والنفوذ وتصبح بلا قيمة ولاجدوى. ونجد أمامنا حالة إنسانية فريدة باهرة تنتصر فيها الكفاءة وحدها ، ويتحقق العدل على الأرض بشكل مطلق نقى مجرد من الشوائب والمثالب.
 
الإنسانية المثالية
 
بجانب تحقيق لعبة كرة القدم للعدل فى الأرض . توحد اللعبة بين الإنسانية جمعاء فى اطار واحد من المثالية التى تلغى كافة العوامل التى تفرق بين البشر.. من ايدلوجيات ومعتقدات ومذاهب وأديان. ففى ساحة الملعب يقف – أو يجرى – الجميع على قدم المساواة المطلقة ، فالملعب لايعرف مسيحيا ولايهوديا ولامسلما ولابوذيا ولاملحدا . الجميع سواسية امام العدالة الكروية المطلقة.
وكرة القدم لعبة لاتتدخل فيها الآلهة ، وقد يصلى اللاعب قبل المباراة عشرات المرات ، ويسجد مئات الركعات ويقدم الغالى والثمين من المحرقات والقرابين فتذهب كلها دون جدوى امام الالهة التى هى أحكم وأعظم من أن تتدخل لصالح هذا اللاعب أو خصمه لمجرد انه يحاول رشوتها بركعتين هنا او قرابين هناك.وليرسم اللاعب على وجهه علامة الصليب كما يحلو له فلن يجديه هذا شيئا.فنحن امام نظام كروى صارم العدالة بالغ الكمال ورفيع المثال، لاتجدى معه محاولات الانسان البائسة فى رشوة السماء بالصلوات او الادعية لتتدخل لصالحه فتعفيه من تبعات العمل الشاق والاجتهاد الدائب المتصل الذى هو وحده طريقه للنجاح والفوز.
 
وهكذا يأتى البشر أفرادا وفرقا وجماعات من دول اسلامية او عبرية – فارسية او عربية او لاتينية ، ديمقراطية او ديكتاتورية ، علمانية او دينية ، رأسمالية او اشتراكية او اقطاعية ، فاذا بكل مذاهبهم وايديولوجياتهم وعقائدهم تتساقط عنهم ليقفوا فى النهاية عرايا الا من فانلاتهم الملونة على أرض ملعب لاتجدى فيه مذاهبهم شيئاً . فهنا يقف الانسان انسانا مجردا ، انسانا مطلقا كاملا ، فريدا ، وحيدا . فتتحقق له انسانيته المطلقه الممثلة فيما يقدمه هو كإنسان وكموهبة ، وليس كوعاء دينى او مذهبى او سياسى . حتى حين يموت الانسان ، يموت مسربلا بأرديته الدينية والاجتماعية والطبقية التى لاتتخلى عنه ولا تعتقه منها حتى فى موته . فقط حين يلعب كرة القدم يتجرد من قبيلته ودرجات طبقته و مراسم ثقافته ويقف إنسانا حرا كاملا متساويا مع كل إنسان آخر مع كل لاعب وكل متفرج آخر فى طقس كروى مثير تتجلى فيه كما لا تتجلى فى اى طقس آخر إنسانيته المثالية الحرة الفريدة.
 
العولمة المحبوبة
 
إختلف البشر حول مفهوم العولمة الاقتصادية والسياسية فدافع عنها البعض وهاجمها الاخر.وتخوف منها آخرون. واتهموا مروجيها بالدوافع الاستعمارية العدوانية وخشوا
معها فقدان هويتهم وذواتهم. إلا فى لعبة كرة القدم. فقد حققت الكرة فلسفة العولمة فى كامل ابعادها ولم يعترض عليها أحد ولم يشكك فيها أحد. وتدافعت دول العالم حكومات وشعوبا ترغب  الدخول فى العولمة الكروية بكاملها دون تعديل يلاءم طبيعتها المحلية . أقبل الجميع – مثقفين وأميين – أغنياء وفقراء ، اذكياء وبسطاء.. على هذه العولمة الكروية المدهشة فدخلوا فيها أفواجا دون تردد او تخوف او تشكك. فأثبتوا بذلك وحدة الموهبة البشرية وإمكانية النظام الانسانى الواحد . فلم يقل أحد أن نظام الجزاء الكروى قد يناسب المانيا ولايناسب أنجوليا.
 
وهاهو النظام الكروى العالمى الجديد يقدم لنا مفهوما متحررا للمواطنة والانتماء . فإذا بنا نشاهد الفريق السويدى يلعب بحارس مرمى من اصل مصرى اسمه رامى شعبان . وإذا به يصد كرة خطيرة كانت تهدد مرماه السويدى فيهتف له الجمهورالسويدى الحاشد ملوحاً بالأعلام السويدية صارخين : رامى .. رامى! رامى.. رامى!!
وهكذا نجد الفرق العربية والأوروبية واللاتينية تستعين بلاعبين ومدربين من دول آخرى تختلف فى الدين والشكل واللغة والثقافة ، ولكن تنتمى مثلهم للنظام الكروى العالمى الواحد، للعولمة الكروية التى حطمت الحدود وأذابت الفروق الشوفينية ومحت الإختلافات الجنسية والقطرية وأدخلت الجميع فى عولمة إنسانية شاملة.
 
السلام والجما ل
 
بجانب تحقيق العدالة والمساواة على أرض الملعب الكروى ومايثيره هذا من أشواق الجمهور فى رؤية نفس هذا العدل المطلوب والمساواة الكاملة تتحقق فى حياتهم على الارض ، تحقق لنا كرة القدم أحلام الإنسان الآخرى فى السلام والجمال. ففى كأس العالم 2006 بألمانيا رأينا فريق ساحل العاج يحقق على أرض الملعب وحدة وطنية لاتعرفها بلاده التى تعانى من حرب أهلية رهيبة تسيطر فيها الحكومة على نصف البلاد ويسيطر المتمردون على النصف الآخر. ولكن أمام سطوة كرة القدم ومثاليتها الشاهقة وتبشيرها بروح انسانية أجمل وأنبل. نجد ساحل العاج يتوحد بشطريه المتحاربين فى مساندة فريقه الدولى. فيكف عن القتال لفترة تسمح للفريق بالتجمع من أطراف البلاد للتدريب. وتسمح للجميع بالاستمتاع بمشاهدة الحدث الدولى الأرفع . فيتحقق بذلك السلام المفتقد .فتقدم كرة القدم النموذج الأجمل للصراع الحضارى السلمى والمنافسة الشريفة الحرة التى تخلو من أساليب العنف والبطش والحروب.
 
كما تقدم الكرة لعشاقها جرعة من الجمال البديع الذى يثيره الابداع الفنى فى لعب كرة القدم، من خطط الدفاع والهجوم الى القدرات والمهارات الفنية الفردية الى اللعب الجماعى وعمل الفريق الى الجماليات التشكيلية لحركة الفريقين الى فنون المراوغة والترقيص والسبق والتسديد والصد والرد والتحكم فى الكرة وفى الجسد وضبط الايقاع وتسخيرالقدرات البشرية للقوانين الطبيعية للسرعة وللوقت..عملا بمبادئ علم التوقيت والتحرك الذى درسناه فى هندسة القاهرة على يد عالمنا الجليل المهندس الدكتور حسن فهمى – وهو العلم – والفن – الذى ورثته عنه ابنته المبدعة فريدة فهمى الراقصة الاولى لفرقة رضا للفنون الشعبية فى ستينات مصر الذهبية – وهكذا نجد الجمال فى كل شئ على الأرض ، فى العلم وفى الفن وفى كرة القدم، فإذا كانت العلوم والفنون هى مجالات إشباع الرغبة فى الجمال لدى الخاصة والمتعلمين، فإن كرة القدم هى مجال إشباع التوق إلى الجمال لدى عامة البشر أجمعين .
 
لقد إستطاعت كرة القدم أن تحقق السلام والجمال على الأرض ، ففى منظومة الأخلاق الكروية لاتوجد دار حرب ودار سلام ، ولايوجد مؤمنون وكفار، ولايوجد أنصار إسلام ولاأعداء الله ، ولايوجد وطنيون وعملاء خونة ، ولايهبط فرد الى أرض الملعب فيستحوذ عليها لسنوات طوال ثم يورثها لإبنه من بعده ، ولايستغل غوغائى الدين فى ترهيب البسطاء وترويع الابرياء ، ولايستغل غنى ماله ولاقوى نفوذه للحصول على ماليس من حقه.
 
ان جنة النصر فى عالم كرة القدم لايدخلها الذين يحاولون رشوة السماء بالدعاء ولاالهاربون من أعباء التدريب الشاق منفقين أوقاتهم فى التقرب الى آلهة الكرة من أعضاء الفيفا بتقديم إبتهالات المديح أو رشوتهم بالمال كما حاول بعض المسئولين فى مصر فعاقبتهم آلهة الكرة العادلة بمنحهم صفراً كاملاً وطردهم من جنة الحالمين بتنظيم الدورات العالمية التى لايدخلها سوى المجتهدون بالعرق والموهبة .
وكم فى كرة القدم من دروس للحكومات والشعوب والأفراد.
 
كاتب من مصر يقيم بنيويورك

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد